قضايا وآراء

هل يتبنى أردوغان سياسة المعارضة تجاه سوريا لأجل الانتخابات (2)

أميرة أبو الفتوح
عربي21

لقد تناولنا في المقال السابق، الدوافع والأسباب التي قد تدفع الحكومة التركية إلى تطبيع العلاقات بينها وبين النظام المُجرم فى سوريا وطرحنا سؤالاً: هل كانت تصريحات الرئيس "رجب طيب أردوغان"، ومن قبله وزير خارجيته "جاويش أوغلو"، من قبيل المقايضة مع روسيا، بحيث يكون التطبيع مع النظام مقابل دعم مشروع تركيا في السيطرة على منبج وتل رفعت، أم هو تكتيك تركي أكثر منه استراتيجية تم اعتمادها بالفعل وبدأ التنفيذ فيها؟!

وفى رأيي المتواضع، أن القرار التركي قد أُتُخذ بالفعل، فلم تعد الأهداف السياسية المتحكم في قرار أنقرة، بل الأهداف الأمنية، بعدما فرضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة، حضورها العسكري على الأرض ولكن تنفيذه على أرض الواقع هو ما سوف يستغرق وقتاً طويلاً ولن يكون تطبيعاً كاملاً كما يتصور البعض، لأن التطبيع الكامل سيقود تركيا إلى الاعتراف الكامل بنظام السفاح بشار، ما قد يفتح الباب على مطالبة الأخير لها بسحب قواتها ومغادرة الأراضي السورية، وهذا بالطبع ما ترفضه تركيا دون ضمانات عملية للحفاظ على أمنها القومي،  لقد قال الرئيس أردوغان "أن بلاده ليس لها أطماع بخصوص الأراضي السورية"..

لا شك أن مسار التطبيع وعر لكثرة ما فيه من منحدرات خطيرة ومنحنيات حادة، لذا سيأخذ خطوات تدريجية سواءً على المستوى السياسي أو الميداني، ولكنه في الوقت ذاته ليس مساراً مضمون له النجاح في نهاية المطاف، على الرغم من أن الأتراك ماهرون في كيفية تدوير الزوايا واقتناص الفرص وتوظيفها لصالحهم، فمن غير المستبعد أن تقبل تركيا العرض الروسي بحلول النظام مكان قوات "قسد" في المناطق التي تحتلها في الشمال السوري ويكون ذلك بديلاً عن العملية العسكرية التي أعلنها أردوغان منذ أشهر ولم يستطع القيام بها لمعارضة روسيا وإيران وأمريكا، وبهذا يكون قد ضرب عصفورين بحجر واحد، إذ أبعد قسد وما تشكله من خطر وإرهاب عن حدود تركيا من ناحية، ومن ناحية أخرى أراقت ماء وجهه أمام المعارضة التركية التي تندرت بها وكانت تأمل فى استغلالها أبشع استغلال ضده وخاصة في حال فشلها، ولكن أردوغان قد قطع عليهم الطريق وأخرس ألسنتهم مما يزيد من شعبيته لدى أنصاره، وخاصة أن الانتخابات على الأبواب والكل عينه على الانتخابات..
 
ومن المحتمل أيضا تعديل اتفاقية "آضنة" الأمنية التي وقعتها كلا من تركيا وسوريا عام 1998، وبناء علاقات سياسية متدنية المستوى في البداية، دون التفريط بالمكاسب التي تحظى بها تركيا حاليا وتمركز قواتها في الشمال السوري..

حتى هذا الافتراض سيقابله رفض تام من الولايات المتحدة التي تدعم وتحمي "قسد"، فكيف تسمح باقصائها عن أماكن نفوذها كما أن القوات الأمريكية متمركزة في سوريا أيضا من أجل مراقبة شؤون المنطقة؟!
  
ولهذا أرى أن تركيا لن تتخلى عن علاقاتها بالمعارضة السورية على الأقل في الوقت الراهن، فمن غير المعقول ولا من المنطق أن تتخلى عن أهم أوراقها في الملف السوري وفى دورها الذى تلعبه على المستويين الدولى والإقليمي..

نعلم أن تركيا كانت الحضن الدافئ والحصن الآمن لمعظم فصائل المعارضة السورية الوازنة، سواء كانت السياسية منها، الإئتلاف الوطني والحكومة المؤقتة أو المسلحة الجيش الوطني السوري في المناطق المحررة من سوريا، ما جعلهم يشعرون بالولاء لها ويعملون تبعاً لتوجهاتها الملائمة لعلاقاتها الخارجية مع الدول المنخرطة في الساحة السورية، وعلاقات المصالح المتشابكة مع تلك الدول، ولذلك فهذه الفصائل المعارضة للأسف الشديد تخضع لسيطرة تركيا وبعيدة كل البعد عن المزاج الشعبي وأهداف الثورة. 

 

لقد أحدث مسار "أستانا"، المخادع غضباً شديداً في حاضنة الثورة وناشطيها وتسبب فى انقسام حاد وانشقاق عمودي في صفوف المعارضة وطالبوا بإسقاط الائتلاف، فرد أحد أعضاء الائتلاف، على هذه الدعوات قائلاً: "اخرجوا بمظاهرات وطالبوا باستقالاتنا وافعلوا ما تريدون نحن استلمنا مناصبنا بقرار من دول وليس منكم وهي مَن تعزلنا وليس أنتم"!!

 



ولقد أثبتت الأحداث الدموية والمواقف المصيرية التي مرت بها الثورة السورية على  مدار أحد عشر عاماً وحتى الآن انفصال قيادات تلك الفصائل عن الشارع الثوري، فهناك هوة عميقة بينهما، وهذا يرجع إلى انهم لم يأتوا باختيار شعبي، فلم ينتخبهم أحد بل إن كثيراً منهم لم يكن أحد يعرفهم على المستوى الشعبي، ولكنهم فُرضوا على القوى الثورية فرضاً، ولقد تجلى ذلك بوضوح في كارثة مسار "أستانا"، الذي فرضته تركيا على الفصائل العسكرية والائتلاف، الذي رفضه في البداية ثم انصاع بعد ذلك لأوامر تركيا، رغم أن الحاضنة الشعبية كانت منذ اللحظة الأولى وحتى الآن ترفضه رفضاً قاطعاً وتعتبره مساراً مضللاً خبيثاً؛ انحرف بمسار الثورة وحول بوصلتها بعد أن أخمد جذوتها وأفقدها وهجها، فالشعب السوري الذي ثار ضد الطاغية السفاح بشار من أجل حريته وكرامته وضحي بالغالي والنفيس وقدم مئات الآلاف من الشهداء قرباناً لثورته وليس قرباناً لحل سياسي من عدوين، روسيا وإيران، دمرا بلادهم وقتلا أبناءهم وشردهم في أصقاع الأرض، ليُبقي على النظام القاتل، إنها أكبر خيانة لدماء الشهداء وكأنهم يقولون لهم لقد ذهبت دماؤكم هباءً!

لقد أحدث مسار "أستانا"، المخادع غضباً شديداً في حاضنة الثورة وناشطيها وتسبب فى انقسام حاد وانشقاق عمودي في صفوف المعارضة وطالبوا بإسقاط الائتلاف، فرد أحد أعضاء الائتلاف، على هذه الدعوات قائلاً: "اخرجوا بمظاهرات وطالبوا باستقالاتنا وافعلوا ما تريدون نحن استلمنا مناصبنا بقرار من دول وليس منكم وهي مَن تعزلنا وليس أنتم"!!

هكذا وصل الحال بالمعارضة السورية وارتهانها بالخارج، وليس هذا هو حال الائتلاف فحسب، بل هو للأسف الشديد حال بقية فصائل المعارضة التي تقيم في الفنادق الفاخرة وتتبع لأجهزة استخبارات دول، استغلت ثورتهم لمصالح بلادهم، بينما هم حققوا مكاسب مادية هائلة، زغللت عيونهم وأعمت بصيرتهم وأنستهم أهداف الثورة ودماء الشهداء وحقوق شعبهم الذي أصبح نصفه لاجئا في دول العالم يواجه العنصرية في أبشع صورها ويتعرض للذل والإهانة!!

كم يضيق صدري ويحز فى نفسي ويكاد قلبي أن ينخلع من بين ضلوعي ويرتعش قلمي من بين أصابعي وهو يكتب (لاجئ) على المواطن السوري ذو الأرث الحضاري العظيم الذي ضرب بجذوره في الأرض من مشرقها لمغربها وأضاءت نور العلم والمعرفة على البشرية جمعاء، ولكنه عالم جاحد بلا ضمير ولا إنسانية، انحاز للسفاح الذي شردهم وجعلهم لاجئين في دول لا يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة!! 
 
لا جدال أن مسار "أستانا"، واللجنة الدستورية التي تشكلت بقرار من المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني السوري في "سوتشي" عام 2018، وجاءت بمساهمة تركيا وروسيا وإيران، قد بيضت وجه النظام الدموي وجملته، إذ أنقذته من التفاوض على معظم بنود قرار مجلس الأمن 2254 وأهمها هيئة الحكم الانتقالي، كما أنها تجاوزت ملف المعتقلين والحقوق المشروعة للشعب السوري التي نص عليها القرار، وحصرت النقاش حول جزئية خلافية، لقد اختزلته فقط بالعملية الدستورية مما أعطي للنظام جرعات أوكسيجين زائدة للتنفس طويلاً.

لقد وجد النظام في اللجنة الدستورية، فرصة ذهبية لخداع المجتمع الدولى لعشرات السنوات بوهم انخراطه بمفاوضات دون أن يحرز أي تقدم على مدار أكثر من ثلاث سنوات على عمل هذه اللجنة الديكورية أو كما نقول في مصر (الفنكوشية)، أي شيء من الوهم غير موجود في الحقيقة!

لم يعد للقاء "أستانا"، أي جدوى مرجاة منه ولكن عادت فائدته بالكامل على النظام؛ فقد أنهى وجود القوى الرافضة للنظام في كل سوريا وفي تراجع قيمة المعارضة سورياً وإقليمياً وعالمياً، إنه أشبه بأوسلو لدى الفلسطينيين الذي أنقذ الكيان الصهيوني وقضى على منظمة التحرير كحركة تحرر وطني!

 

الثورة السورية العظيمة رغم جراحها المؤلمة تغذي شريانها من دماء الشهداء وهي القادرة على تضميدها ونهوضها من جديد، فلا يغُرنك استمرار السفاح بشار في مكانه حتى الآن، فلا تزال جذوة الثورة موقدة في وجدان كل سوري حر في انتظار لحظة إشعالها على الأرض، وإن غداً لناظره قريب إن شاء الله..

 



وعلى الرغم من عدم جدية روسيا في دفع المسار الدستوري السوري، فهي التي عطلت هذا المسار من خلال تعليق انعقاد الجولة التاسعة، إلا أنها كثيراً ما تراوغ وتناور وتأخذ بخطوات توحي بأنها تدعم المسار الدستوري في سوريا، وهي تقوم حاليا بتلك الخطوة الخداعة لتحريك مسار اللجنة الدستورية، تمشياً مع أجواء التطبيع التي لاحت في الأفق بين تركيا والنظام القاتل في دمشق، إذ تريد موسكو أن تؤكد أنها مستعدة لدعم المصالحة بين النظام والمعارضة لتشجيع تركيا في المضي قدماً في خيار المصالحة بين المعارضة والنظام..

إن ما فعلته تركيا منذ موافقتها على دخول روسيا إلى حلب 2016، بعد أن كانت حلب خطا أحمر وأنه لم يسمح بوقوع حماة جديدة في حلب وتراجع الرئيس أردوغان عن سياسة "سنصلي في الجامع الأموي"، واتباعه مسار أستانا واللجنة الدستورية، ومروراً بمناطق خفض التصعيد الأربع أوصلها اليوم للحديث عن المصالحة بين النظام والمعارضة أو العودة إلى مسار جنيف وهو ما سترفضه روسيا تماما، وبالتالي لا يمكن لتركيا أن تخطو خطوة واحدة في التطبيع طالما روسيا ليست بوارد حل جاد للقضية السورية، والحل كما يراه العقلاء والمنصفون لا يمكن الوصل إليه إلا بإقصاء سفاح دمشق عن الحكم وإسقاط نظامه وذلك عبر تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات كما نص قرار مجلس الأمن (2254)، أما المصالحة والتسويات السياسية، فلا عائد من ورائها وستذهب هباءً منثوراً، فلا مصالحة ولا تسوية مع طاغية قتل شعبه وعلى استعداد لقتل الذين يوافقون على المصالحة والتسوية، ويعودون إلى مدنهم وقراهم تحت حكمه، منخدعين بتلك المصالحة الخبيثة، فيقعون تحت مقصلته وهنا يبدأ وقت الانتقام منهم!!

وإذا كانت الثورات مثل الحروب لها جولات وصولات إلى أن تدق ساعة الحسم، ويسدل الستار، إلا أنها تختلف في نهايتها عن الحروب التي يكون قدرها وخاتمتها الطبيعية هي المصالحة والتسويات السياسية وتكون طاولة المفاوضات هي معركة المنهزم الأخيرة في الحروب، فإنها لن تكون كذلك مع الثورات، فالثورة السورية العظيمة رغم جراحها المؤلمة تغذي شريانها من دماء الشهداء وهي القادرة على تضميدها ونهوضها من جديد، فلا يغُرنك استمرار السفاح بشار في مكانه حتى الآن، فلا تزال جذوة الثورة موقدة في وجدان كل سوري حر في انتظار لحظة إشعالها على الأرض، وإن غداً لناظره قريب إن شاء الله..


النقاش (0)