قضايا وآراء

أيّةُ علاقة ممكنة بين الدستور التونسي الجديد وحقوق الإنسان؟

عادل بن عبد الله
عربي21

رغم إقرار الدستور الجديد في تونس بنسبة مشاركة لم تتجاوز 30 في المائة من عدد المسجّلين في القوائم الانتخابية، ورغم كل المواقف الدولية المتخوّفة من عودة الاستبداد إلى تونس والداعية إلى حوار شامل بين مختلف الفاعلين الجماعيين، يبدو أن الرئيس قيس سعيد -ومن يسنده محليا وإقليميا ودوليا- سيواصلون شرعنة "الأمر الواقع" أو حُكم الغلبة، وذلك باحتكار السلطة ورفض الاعتراف بالانقسام الاجتماعي وإشراك الأجسام الوسيطة (خاصة الأحزاب) في إدارة البلاد وتحديد سياساتها العامة داخليا وخارجيا.

كما يبدو أن الرئيس التونسي سيستغل "الدستور الصغير" -أي الأمر الرئاسي عدد 117 المؤرخ في 22 أيلول/ سبتمبر 2021- لإصدار مراسيم استثنائية محصّنة من الطعن، فالفصل السابع من الأمر سالف الذكر ينص على أن المراسيم لا تقبل الطعن بالإلغاء. وليس يعنينا في هذا المقال إلا طرح المخاوف الجدية التي يثيرها هذا النفس التسلطي "المدستر" على الحريات الفردية والعامة -مثل حرية التعبير وحرية التنظم وغيرهما- في سياق تهيمن عليه "المزايدات الولائية" بين مختلف أجنحة السلطة وقواعدها وطوابيرها الخامسة.

في الفترة الأخيرة، عرفت تونس حادثتين أثارتا جدلا كبيرا داخل مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام التقليدية، باستثناء الإعلام العمومي المنحاز بصورة مطلقة للسلطة الحاكمة. تتمثل الحادثة الأولى في انسحاب القوات الأمنية من حفل الممثل لطفي العبدلي ورفض تأمينها، وبصرف النظر عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات الأمنية، فقد أثار هذا التصرف قضية حرية التعبير ومعايير تقييمه بين الفن والأخلاق، وكذلك مسألة وجود جهة لمراقبة المصنفات الفنية. كما أثار الحادث قضية تغوّل النقابات الأمنية وما مارسته منذ تأسيسها من تدخل في الشأن السياسي وانحياز لبعض الأطراف، وكذلك دورها المؤكد في توفير نوع من الحصانة اللا قانونية لأمنيين مورطين في العديد من قضايا استغلال النفوذ والفساد والعلاقات المشبوهة مع الأحزاب ورجال الأعمال.

ولعل طرافة الحادث هو أنه قد تواجه فيه طرفان محسوبان على رئيس الجمهورية. فالممثل لطفي العبدلي كان من أكبر مساندي الرئيس والداعين إلى التصويت بنعم في الاستفتاء على الدستور، أما النقابات الأمنية فهي جزء من المنظومة السلطوية، ولم تُظهر أي مسافة نقدية من "تعليمات" الرئيس رغم تباكيها قبل 25 تموز/ يوليو من التعليمات المخالفة للقانون ودعوتها إلى تحييد المؤسسة الأمنية عن التجاذبات السياسية.

بحكم معرفتنا بالعقل السياسي للرئيس، وبفضل الدعم القوي الذي يوفره له الرأي العام والقيادات الأمنية والعسكرية، فإننا نرجح أن ينجح الرئيس في فرض التوحد النقابي على كل الأطراف الرافضة له

ولعل أهمية الصدام الذي حصل بين "مبدع" نظام التفاهة وأمني "تصحيح المسار" هو أنه قد استدعى تدخل رئيس الجمهورية باعتباره السلطة التحكيمية المعترف بها -على الأقل نظريا- من الجهتين. وقد حاول الرئيس في لقائه مع وزير الداخلية أن يظهر في صورة المدافع عن حرية التعبير، فرفض امتناع الأمنيين عن تأمين الحفل واعتبر ذلك إضرابا مقنّعا وإخلالا بالواجب المهني، ولكنه أكد من جهة أخرى أن العمل النقابي الأمني حق يكفله الدستور شريطة أن "يقتصر على المطالب الاجتماعية دون سواها"، واقترح توحيد النقابات الأمنية في نقابة واحدة، وهو الأمر الذي كان قد اقترحه منذ 2012.

ولا تكمن أهمية التدخل الرئاسي في تأكيده على البعد الاجتماعي للعمل النقابي، أي رفض تسييس النقابات الأمنية، بل تكمن أساسا في دعوته إلى توحيد النقابات الأمنية في نقابة واحدة، الأمر الذي سارعت العديد من النقابات إلى رفضه بصورة قاطعة. وبحكم معرفتنا بالعقل السياسي للرئيس، وبفضل الدعم القوي الذي يوفره له الرأي العام والقيادات الأمنية والعسكرية، فإننا نرجح أن ينجح الرئيس في فرض التوحد النقابي على كل الأطراف الرافضة له، وهو ما سيعني التخلص من بعض مراكز النفوذ داخل المؤسسة الأمنية، وفك ارتباطات العديد من القيادات النقابية بأطراف مدنية لا علاقة لها بالمؤسسة.
في هذا الواقع السلطوي الجديد، سيحاول كل مسؤول إثبات ولائه "للزعيم" ولمشروعه السياسي وللإرادة الشعبية بالتضييق على الخصوم، كما سيحاول أن يكتسب قواعد "التأسيس الجديد" وذلك بتبني مطالبهم أو حتى بالمزايدة عليها

أما الحدث الثاني الذي أثار سيلا من المواقف المنددة بالتوجهات القمعية للدولة فهو ما وقع لأحد الأئمة بولاية/ محافظة نابل. وخلاصة هذا الحدث هو توقيف إمام عن العمل بسبب قراءته في الصلاة -أمام وزير الشؤون الدينية- آية ذكر فيها كلمة تشترك مع الانقلاب في الجذر نفسه (.. انقلبتم على أعقابكم). وقد رأى الوزير في القراءة بهذه الآية نوعا من التعريض بالسلطة والتقاطع مع المعارضة التي تتهم الرئيس بالانقلاب على الشرعية. وقد أجبرت وسائل التواصل الاجتماعي جهات الإشراف على التراجع عن قرارها في حق الإمام، ولكن هذا التراجع لا يرفع المخاوف المشروعة من اتساع رقعة "المزايدة المحاكاتية" (Surenchère Mimétique) التي تهيمن على وعي المسؤولين وعلى قواعد الرئيس.

ففي هذا الواقع السلطوي الجديد، سيحاول كل مسؤول إثبات ولائه "للزعيم" ولمشروعه السياسي وللإرادة الشعبية بالتضييق على الخصوم، كما سيحاول أن يكتسب قواعد "التأسيس الجديد" وذلك بتبني مطالبهم أو حتى بالمزايدة عليها. إن ما أسميناه بـ"المزايدات الولائية" سيكون هو الاستراتيجية الأفضل لمواجهة ضغط القواعد الشعبية وانتظاراتها من جهة أولى، وتوفير أفضل شروط التنافس على الولاء والقرب من دائرة القرار من جهة ثانية، وهو ما سيضع كل الحقوق والحريات الفردية والجماعية تحت رحمة عقول لا يحكمها منطق رجال الدولة، بل منطق رجال الزعيم أو رجال المشروع.

ولا شك في أننا لا نحتاج إلى التذكير بالمحصول الكارثي للتجارب السلطوية التي يستلهمها "التأسيس الجديد"، سواء من جهة حقوق الإنسان أو من جهة اتساع الشقة بين الدعوى والمحصول في المستوى الاقتصادي.
كلما نجح الرئيس في فرض الأمر الواقع ستضيق دائرة الحقوق والحريات الفردية والجماعية. وهو ضيق ستفرضه بالضرورة طبيعة السلطة الجديدة (نظام رئاسوي)، كما ستفرضه طبيعة المهام التي عليها القيام بها لتوفير التمويل الخارجي للميزانية

بدستور جديد يضع الرئيس خارج دائرة المساءلة والمحاسبة، من الطبيعي أن تضيق صدور أنصاره -من المسؤولين أو من القواعد- بأي نقد يوجه إليه أو إلى نظامه. فالنقد تحريض خفي على المساءلة والمحاسبة، أي تحريض خفي على انتهاك الدستور الذي وضعه الرئيس على مقاسه ومقاس منظومة حكمه. ولا شك عندنا في أن الحريات والحقوق الفردية ستضيق كلما نجح الرئيس في إعادة هندسة المشهد العام وفق احتياجات مشروعه السياسي، أو بالأحرى وفق احتياجات الجهات المانحة وشروطها السياسية والاقتصادية.

إننا، بلغة المناطقة، أمام علاقة عكسية -لا طردية- بين واقع الحريات ومشروع الرئيس، فكلما نجح الرئيس في فرض الأمر الواقع ستضيق دائرة الحقوق والحريات الفردية والجماعية. وهو ضيق ستفرضه بالضرورة طبيعة السلطة الجديدة (نظام رئاسوي)، كما ستفرضه طبيعة المهام التي عليها القيام بها لتوفير التمويل الخارجي للميزانية: فرض إملاءات الجهات المانحة، والالتحاق بمحور التطبيع مع الكيان وصفقة القرن، مع المحافظة على حد أدنى من الديمقراطية أو من "التعددية المحدودة"، أو من الديكور الديمقراطي الذي يخفف الضغط على القوى الدولية أمام شعوبها ويُشرعِن دعمها لنظامٍ تعتبره -في مستوى البيانات الرسمية الموجهة للاستهلاك الإعلامي- خطرا حقيقيا على حقوق الإنسان وانقلابا صريحا على مكاسب الثورة التونسية.

 

twitter.com/adel_arabi21
النقاش (0)