قضايا وآراء

تونس ومرحلة "الفرز التاريخي"

عادل بن عبد الله
1300x600
1300x600
تصدير: "هل نُظّم استفتاء وحيد في بلادنا العربية ولم يقل فيه الشعب "نعم".. الاستفتاءات أداة من أدوات الدكتاتورية المتنكرة" (الأستاذ قيس سعيد، الخبير الدستوري والمرشح في انتخابات الرئاسة التونسية)

باختياره تقديم موعد "القرارات التاريخية" أو "صواريخه" التي كان يُزمع إطلاقها يوم "عيد الثورة" الجديد، يبدو أن الرئيس التونسي يريد فرض واقع سياسي جديد على خصومه وأنصاره على حد سواء، قبل موجة الاحتجاجات المرتقبة ما بين 17 كانون الأول /ديسمبر و14 كانون الثاني/ يناير.

ففي خطابه ليلة ١٤ كانون الأول/ ديسمبر أعلن الرئيس عن اكتمال "الفرز التاريخي" الذي هو عنده شرط ضروري لتتخلص الإرادة الشعبية من أدعياء تمثيلها (أي مناصرو 25 تموز/ يوليو ممن "ارتدوا على أعقابهم فانقلبوا خاسئين" وممن أظهروا طمعهم وارتهانهم للخارج)، بعد أن خلّص الرئيس تلك الإرادة من خصومها ومنتحليها (أي رافضو الإجراءات ومن وسموها بـ"الانقلاب" من "المخمورين" و"المأجورين" وأعداء الشعب.. الخ).

لقد كان خطاب الرئيس "بشارة" إلى النواة الصلبة لمشروعه السياسي، أي لأولئك الذين اختاروه في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، ومن بعدهم لأولئك الذين التحقوا بالمشروع باعتباره فرصة لجني بعض المكاسب المادية، أو باعتباره مناسبة للتنفيس عن عقدهم الأيديولوجية تجاه حركة النهضة وحلفائها. وقد كان تبريرهم لذلك هو محاربة "منظومة الفساد"، رغم أنهم كانوا هم أنفسهم من أهم الفاعلين فيها أو على الأقل من أنصار خياراتها الكبرى ورموزها السياسية، خاصة أولئك الذين ينتمون للمنظومة القديمة أو يدافعون عن مصالحها المادية والرمزية.
إننا أمام إجراءات قد تبدو في ظاهرها استجابة لبعض المطالب/ الضغوط الداخلية والدولية، ولكنها في الحقيقة لا تعكس إلا المنطق الداخلي لمشروع الرئيس، ولا تستجيب إلا لانتظارات النواة الصلبة أو النواة العقائدية لمشروعه السياسي

أما الأنصار "السياقيون" للرئيس في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية - أي الذين اختاروه من باب الانتخاب العقابي لمنافسه وليس اقتناعا بأطروحاته - والأنصار "النقديون" للإجراءات ولطريقة إدارة "تصحيح المسار" - أي أحزاب الحزام البرلماني للرئيس والمركزية النقابية - فقد كان هذا الخطاب إعلانا عن القطيعة النهائية والمطلقة معهم.

لعل أهم ما ورد في الخطاب الأخير للرئيس هو الإعلان عن "تسقيف زمني" لحالة الاستثناء والإعلان عن "خارطة طريق" تؤدي إلى انتخابات برلمانية مبكرة بعد سنة. إننا أمام إجراءات قد تبدو في ظاهرها استجابة لبعض المطالب/ الضغوط الداخلية والدولية، ولكنها في الحقيقة لا تعكس إلا المنطق الداخلي لمشروع الرئيس، ولا تستجيب إلا لانتظارات النواة الصلبة أو النواة العقائدية لمشروعه السياسي، أي أولئك المؤمنين بالديمقراطية المجالسية وبنهاية عهد الديمقراطية النيابية أو التمثيلية.

فالرئيس سيواصل الحكم منفردا بسلطة "المراسيم" لمدة سنة أخرى، وسيبقى البرلمان مجمدا أو معلّقا، وهو في الحقيقة قد حلّ البرلمان لكن دون التصريح بذلك، لأن حل البرلمان يستدعي دستوريا إجراء انتخابات مبكرة قبل الموعد الذي يريده الرئيس. ولن يدخل الرئيس في أي حوار مع الطبقة السياسية أو غيرها، بل سيجري "استشارة شعبية إلكترونية" ثم سيقوم الخبراء الذين سيختارهم هو - دون أي شريك سياسي أو نقابي أو مدني - بالإنصات لرأي "الشعب" وصياغة "الإرادة الشعبية" في مقترحات يعرضها الرئيس على الاستفتاء الشعبي العام، بهيئة رقابية سيضعها الرئيس، أي دون إشراف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي هي واقعيا في حكم الهيئة المنحلة رغم تجنبه التصريح بذلك.
لم يقطع الرئيس في خطابه الحبل السري لعلاقته بجزء كبير من أنصار 25 تموز/ يوليو فقط، بل قطع أية علاقة له بالديمقراطية التمثيلية ودستورها ومؤسساتها ونخبها وأجسامها الوسيطة

واقعيا، لم يقطع الرئيس في خطابه الحبل السري لعلاقته بجزء كبير من أنصار 25 تموز/ يوليو فقط، بل قطع أية علاقة له بالديمقراطية التمثيلية ودستورها ومؤسساتها ونخبها وأجسامها الوسيطة. ولعلّ "الخطيئة الكبرى" للمعارضين وللأنصار "النقديين" للإجراءات أنهم كانوا وما زالوا - في أغلبهم الأعم - يفهمون "الإجراءات" باعتبارها ردة فعل على أداء منظومة الحكم، لا باعتبارها موقفا راديكاليا من الانتقال الديمقراطي وفلسفته كلها منذ أيام "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي".

وينسى الكثير من القائلين بـ"العشرية السوداء" - رغم مشاركتهم المؤكدة في تلك العشرية من مواقع وبصفات مختلفة - أنهم يعطون للرئيس حجته الأهم في شرعنة مشروعه السياسي باعتباره بديلا لا شريكا لكل النخب التي حكمت منذ رحيل المخلوع، أي يعطونه - في نهاية التحليل - الحجة البالغة للقول بانتهاء الحاجة إليهم جميعا بعد اكتمال "الفرز التاريخي".

إن الفرز التاريخي الذي يقصده الرئيس هو عدم احتياج مشروعه لأي حلفاء من داخل المنظومة السياسية التي أدارت الديمقراطية التمثيلية منذ 2011. ولذلك هاجم حلفاءه السابقين ونعتهم بـ"الطماعين"، بل اتهمهم بتلقي أموال من جهات أجنبية. وهو بهذا الهجوم على منتقدي "تصحيح المسار" - من داخل "العائلة الديمقراطية" - يُتم الفرز التاريخي الذي يحتاج إليه مشروعه السياسي. ولن يتواصل القول بوجود "غموض" في طبيعة هذا المشروع إلا عند من يُصرون على منطق "التفاوض" مع الرئيس - مثل حركة الشعب والمركزية النقابية وبعض الأذرع الإعلامية لرئاسة الجمهورية - مع علمهم بنواياه الحقيقية التي لم يُخفها منذ أن كان مرشحا للانتخابات الرئاسية.

منذ 2013 أعلن الرئيس مشروعه السياسي تحت مسمى "من أجل تأسيس جديد" أو "الانتقال الثوري الجديد"، وهو مشروع سياسي كامل أعلن فيه عن نيته تعديل الدستور والنظام السياسي، كما أعلن في حوار صحفي مع صحيفة "الشارع المغاربي" خلال حملته الانتخابية أنه لن يكون هناك برلمان بالشكل المعروف في صورة فوزه بالرئاسة، لأن الانتخابات ستكون محلية وسيكون البرلمان المقترح تصعيدا لـ265 عضوا من الذين اختارهم الشعب محليا. وهو ما يعني أن "الاستفتاء" سيكون على هذا المشروع السياسي برمّته: نظام رئاسي وبرلمان في شكل جديد يعكسان نهاية الديمقراطية التمثيلية ووسائطها الحزبية التي لن يكون الرئيس مضطرا لحلها؛ لأنها ستختفي من تلقاء نفسها مع ظهور الشكل الجديد للنظام الذي يقترحه مشروعه السياسي.
تونس تجد نفسها اليوم أمام منعرج خطير لا تنفع فيه أنصاف المواقف ولا المواقع التفاوضية المخاتلة. ذلك أن الرئيس قد خلق وضعا سياسيا يعكس ما قلناه في أكثر من مقام منذ وصوله إلى الرئاسة: إن مشروعه السياسي (الديمقراطية المجالسية) هو بديل للديمقراطية التمثيلية، وهو ما يفترض انتهاء الحاجة إلى كل الأجسام الوسيطة، بما فيها الأجسام المساندة لإجراءاته

لا شك في أن الرئيس كان صادقا في قوله باكتمال الفرز التاريخي، ولكن ليس بالضرورة بالمعنى الذي يريده هو، فتونس تجد نفسها اليوم أمام منعرج خطير لا تنفع فيه أنصاف المواقف ولا المواقع التفاوضية المخاتلة. ذلك أن الرئيس قد خلق وضعا سياسيا يعكس ما قلناه في أكثر من مقام منذ وصوله إلى الرئاسة: إن مشروعه السياسي (الديمقراطية المجالسية) هو بديل للديمقراطية التمثيلية، وهو ما يفترض انتهاء الحاجة إلى كل الأجسام الوسيطة، بما فيها الأجسام المساندة لإجراءاته والطامعة في الاستفادة من مخرجاتها.

ونحن لا نحتاج إلى قول إنّ هذا المشروع يُمثل خطرا وجوديا على كل الفاعلين الجماعيين بمختلف مجالاتهم السياسية والنقابية والمدنية والإعلامية وغيرها، لأنه في جوهره تغيير بالقوة لهيئة الحكم ونفي لكل ممثلي الإرادة الشعبية. وإذا كنا لا نشك في صحة القاعدة التي تقول بأن من يحدد الإطار يتحكم في النتائج، فإننا لا نشك أيضا في أن الإطار الذي فرضه الرئيس على كل الفاعلين الجماعيين - وما أوجده من "فرز تاريخي" - قد يجعلهم يبحثون عن إطار مختلف لتجاوز الأزمة الحالية؛ بصورة قد تربك حسابات الرئيس ومن يقفون خلفه محليا وإقليميا ودوليا.

twitter.com/adel_arabi21
التعليقات (0)