قضايا وآراء

هل هو "صاحب مشروع" أم آخر "رجال القش" في تونس؟

عادل بن عبد الله
1300x600
1300x600
تصدير: "يذهبون إلى قبر بورقيبة بمدينة المنستير، ليس حبا في بورقيبة لكن بحثا عن مشروعية في رفات الموتى.. لو كانوا صادقين يمكنهم أن يقرأوا الفاتحة من أي مكان.. بورقيبة أحدث ثورة في المجتمع.. لكن بورقيبة أيضا له مساوئ، لا بد من قراءة تاريخية نقدية للفترة التي قضاها الرئيس الحبيب بورقيبة..". (مقتطف من تدخل إذاعي للخبير الدستوري قيس سعيد قبل أن يصبح رئيسا لتونس).

قد يكون من الحَيف أن نطعن في "صدق" أي شخصية عامة باعتماد معيار المطابقة بين المنتظر منه (أو ما وعد به) وبين المتحقق على يديه. فالمطابقة تعني تحوّل مبدأ الرغبة إلى المتحكم الأوحد في الواقع - مع ما يفترضه ذلك من قدرة/ علم كُلِّيّين لا يُنسبان عادة إلا لله وحده - وهو أمر لا يقول به عاقل. لكنّ فساد معيار المطابقة بين الموعود والمنشود لا يُسقط شرعية المقارنة بينهما في حدود الممكن.

ورغم "هلامية" المشروع السياسي للسيد قيس سعيّد، ورغم الطابع "العقابي" لانتخابه في الدور الثاني، وهو عقاب خاص لمنافسه نبيل القروي وعقاب عام لمجمل الطبقة السياسية والحزبية، لم يكن اختار أغلب الناخبين للسيد قيس سعيد قرارا اعتباطيا، بل كان قرارا فيه الكثير من العقلانية التي تستمد حججها من صورة الخبير الدستوري غير المتحزب وصاحب المواقف المبدئية في الشأنين الداخلي والخارجي. فهل كان أداء الرئيس قيس سعيد مصداقا لانتظارات الناخبين، أم كان ارتكاسا عن تلك الوعود والانتظارات؟

تجنبا للسجالات العقيمة، نؤكد منذ البدء على أنّ الرئيس قيس سعيد ليس بدعا من السياسيين التونسيين - من جهة التفاوت البيّن بين وعودهم ومنجزهم - ونؤكد على أنّ إفراد مقال له يأتي أساسا من ارتفاع سقف انتظارات التونسيين منه، فهم لم يجرّبوه من قبل على خلاف غيره. وهو متأت كذلك من كون انتخابه مثّل صورة من صور الإجماع الميتا- أيديولوجي التي ندر حصولها في بلد الصراعات الهوياتية والانقسامات الثقافوية.

لقد رأى الكثير من التونسيين في الخبير الدستوري قيس سعيد "اللّبنة" التي أهملها بُناة الجمهوية الثانية والرمز الجامع لكل التونسيين، بحكم المسافة الواحدة التي "افترضوا" وجودها بينه وبين كل الفاعلين الجماعيين، واستشعروا أن الطبقة السياسية تحتاج إلى شخصية مثل الرئيس قيس سعيد لإعادة الاعتبار للقضايا الوطنية الكبرى التي أهملتها النخب الحزبية يمينا ويسارا وتلاعبت بها خدمةً لقضاياها "الصغرى".

"من فمك أدينك"

لو أردنا تقييم أداء الرئيس قيس سعيد، فإننا لن نجد أفضل من معيارين ارتضاهما هو لتقييم غيره من السياسيين: المعيار الأخلاقي- الشرعي (خاصةً قيمة الصدق) والمعيار السياسي (خاصةً قيمة الإنجاز). ونحن قد اخترنا تصدير مقالنا بكلام للسيد قيس سعيد نرى فيه الغُنية عن غيره من الأمثال لبيان حجم الهوّة بين "الخبير" و"الرئيس".

فالرئيس الذي امتنع عن الاحتفال بعيدَي الجمهورية والاستقلال وما يمثلانه من رمزية جامعة لكل التونسيين - تجنبا للوجود في مكان واحد مع رئيسي الحكومة والبرلمان - لا يجد بعد ذلك حرجا في الاحتفال بذكرى وفاة "الزعيم"، رغم زهده في حضور فعاليات الاحتفال بعيدَين يُخلدان أعظم إنجازاته.

إن "الخبير" الذي كان يرفض البحث عن الشرعية السياسية في رفات الموتى، ذلك "الخبير" الموضوعي الذي يرفض شيطنة الفترة البورقيبية أو أمثلتها، ويرى في قراءة الفاتحة للزعيم بظهر الغيب ما يُغني عن زيارة ضريحه، يتوارى ليفسح المجال للرئيس الذي أصبح – مثل من كان يلومهم - يلتمس الشرعية السياسية وتصفية حساباته ضد خصومه بتوظيف قبر"الزعيم"، كما توارت النظرة التاريخية النقدية للمرحلة البورقيبية لترثها نظرة التقديس التي لا تختلف في شيء عن نظرة بعض خصومه - خاصة السيد نبيل القروي - أو بعض من يفترض به أن يكون على مسافة نقدية منهم، خاصة وريثة المخلوع ومنطقه الاستبدادي الاستئصالي عبير موسي.

"من ثمارهم تعرفونهم"

في المستوى الأخلاقي/ الإيطيقي، كثيرا ما استثمر الرئيس الموروث الديني ليتمايز عن خصومه باعتبار خيانتهم للأمانة وكذبهم على جمهور الناخبين. أما في المستوى السياسي فلم يترك الرئيس فرصة تمر دون التذكير بضعف أدائهم وهزال محصولهم. ولا شك في صدق الكثير من انتقادات الرئيس للطبقة السياسية المهيمنة بعد الثورة، ولكنّ صدق توصيفه لهم لا يجعله هو ذاته أفضل منهم.

وسواء اعتمدنا معيار الأمانة والصدق أم معيار الإنجاز، فإننا سنتساءل عمّا فعل الرئيس في "أمانته" وأين محصول أدائه في ما جعله الدستور من صلاحياته التي لا ينازع فيها. فهل كان الرئيس في مستوى "أمانة" ملف العلاقات الخارجية وتجنب سياسة المحاور؟ وماذا قدّم لتونس واقعيا فيما يتعلق بالديبلوماسية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الخارجية؟ وأين إنجازاته في ملفات الأمن القومي، خاصة قضية الاغتيالات السياسية، أو ملف الوردانين أو ملف "الأمن الديني" المرتبط بمؤسسة الإفتاء التابعة لرئاسة الجمهورية والمتخلفة عن استحقاقات التجديد الديني اللازم لإدارة الجمهورية الثانية؟ بل إن من حق التونسيين أن يتساءلوا عن مصير شعاراته الكبرى الرافضة للتطبيع والتبعية والفساد، والناقدة لكل الطبقة السياسية، في ظل ازدياد المسافة بين وعود الرئيس وخياراته الواقعية - المتقاطعة موضوعيا مع المنظومة القديمة - منذ جلوسه على كرسي الرئاسة بقرطاج.

هل هو بديل حقيقي أم آخر "رجال القش"؟

لقد جاء "الخبير الدستوري" إلى الرئاسة بعد أن أقسم على احترام الدستور وما يُشتق منه من قوانين منظمة للسلطات في ظل النظام البرلماني المعدّل. ولكنّ قراءته لنتائج الانتخابات وما رآه من استثمار ممكن لأزمة المنظومة الحزبية؛ جعلاه ينقلب على قواعد النظام السياسي ويحاول توظيف تلك الأزمة ليكون على رأس نظام رئاسي تتمركز السلطات فيه "واقعيا" في قصر قرطاج، وهو ما يعني بالضرورة تحوّل رئيس الوزراء إلى "وزير أول" أو "رجل القش"، كما جاء في أحد التسريبات الأخيرة على لسان إعلامية ومحامية يبدو أنها ذات نفوذ واسع داخل القصر وفي السفارة الفرنسية.

وبصرف النظر عن وجود "رجال دولة" حقيقيين في بلد فاقد لمقوّمات السيادة - أي تحول أغلبهم واقعيا إلى "رجال قش" في خدمة القوى الخارجية ووكلائهم المحليين - فإن السؤال الأهم الذي تطرحه تلك التسريبات هو التالي: هل يمثل قيس سعيد قطيعة مع "رجال القش" الذين يُسمون أنفسهم مجازا "رجال دولة"، أم إنه آخر الوافدين على ناديهم؟

لعلّ الخطورة الأعظم ليست في تحول رئيس الوزراء إلى "رجل القش"، بل في أن يكون للخبير الدستورى/ الرئيس وجهان مختلفان لرجل القش الحقيقي الذي استطاع أن يخدع الجميع عن جوهر وظيفته - وما زال يحاول - بناءً على مزايدات أخلاقية/ دينية و"تأنقات لفظية مدارها الفراغ". إنها فرضية لا يمكن استبعادها بعد كل ما رأينا من انقلابات جذرية في مواقف "الخبير الدستوري" بعد أن وصل إلى قصر قرطاج (مواقفه من التطبيع، من الاحتلال الفرنسي، من ورثة المنظومة القديمة، من المحاور الإقليمية، من لوبيات الفساد غير المتصادمة معه سياسيا، من بعض القضايا الدستورية.. الخ.. الخ). وهو ما يعني في نهاية التحليل عدم وجود أي تعارض جوهري بين وعود "الخبير الدستوري" و منجز "الرئيس".

فما تغير هو موقع "رجل القش" لا جوهر وظيفته، وليست وعود الخبير الدستوري إلا لحظة من لحظات تسويقه سياسيا من طرف الفاعلين النافذين في"الحديقة الخلفية لفرنسا"، أو هي جملة سياسية فعّالة كان ينبغي المراهنة عليها - من خارج الخطابات السياسية التقليدية - لخدمة غايات انكشف أغلبها وأغلب القائمين عليها والمستفيدين منها؛ بعد التسريبات السياسية الأخيرة.

twitter.com/adel_arabi21
التعليقات (0)