قضايا وآراء

جاستين بن ترودو.. ومحمد بن سلمان

محمود عبد الله عاكف
1300x600
1300x600

في السادس من آب/ أغسطس الجاري طفت على سطح الأحداث وعناوين الأخبار الأزمة بين العربية السعودية وكندا. وكما أعلن في الصحف والقنوات؛ أن السبب هو تغريدة من سفارة كندا في العربية السعودية صدرت في الخامس من آب/ أغسطس، تطالب فيها وزيرة الخارجية الكندية السلطات السعودية بالإفراج عن ناشطات سعوديات تم اعتقالهن لأنهن يطالبن بحقوق الإنسان وحقوق المرأة في العربية السعودية. فانتفضت السعودية بأكملها من هذه التغريدة، وطالبت كندا بالاعتذار عن التدخل في شؤون السعودية وانتهاك السيادة. صدر بعد ذلك سيل من القرارات السعودية تجاه كندا، بداية بالطلب من السفير الكندي بالمغادرة خلال 24 ساعة وأنه شخص غير مرغوب فيه، وسحب السفير السعودي من أوتاوا للتشاور. ثم تلا ذلك قرار بسحب الطلاب السعوديين من الجامعات الكندية، وبعضهم كان على وشك التخرج، وكذلك تحويل المرضى السعوديين من المستشفيات الكندية إلى مستشفيات في دول أخرى. وأخيرا، وقف رحلات الخطوط السعودية المباشرة بين تورونتو ومدينتي جدة والرياض.

 

وبعد فترة، اتضح أن التغريدات صدرت في الثاني والثالث من آب/ أغسطس، فهل العربية السعودية ووزارتها للخارجية لم تقرأ التغريدة في وقتها؟ ظهر بعد ذلك أن التغريدات الأصلية كانت باللغتين الإنجليزية والفرنسية، والتغريدة الأخيرة التي أثارت الزوبعة كانت باللغة العربية وصدرت على حسابات السفارة الكندية في الرياض؟

إذن المشكلة -من هذا التسلسل- لم تكن نتيجة صدور التغريدة في حد ذاتها، وإنما نتجت عن صدور التغريدة باللغة العربية، وكأن الخارجية السعودية لا تعرف اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، أو أن صدور التغريدة باللغة العربية سيجعلها متاحة أمام الشعب السعودي والعرب بشكل عام، وهذا موطن الخوف عند المستبد، وهو أن يعلم المواطن يزداد وعيه، فكانت هذه الردة من المستبد تجاه الموقف، مع أن معظم القرارات التي صدرت سوف تؤدي إلى الإضرار بالشعب السعودي، سواء الطلاب الذين يقدر عددهم بحوالي خمسة عشر ألف طالب، أو المرضى. ولكنه المستبد لا يرى إلا نفسه ولا يفكر إلا في أهوائه. والغريب أن الخارجية السعودية ووزيرها طالبا علانية كندا بتصحيح الخطأ والاعتذار عن التدخل في شؤون بلاده. ويبدو أن مرض النسيان يصيب المسؤولين العرب بشكل مرتفع؛ لأن المسؤولين السعوديين تناسوا تدخل دولتهم في شؤون دول أخرى، كاليمن على سبيل المثال وليس الحصر.

 

وقامت كندا ممثلة في رئيس وزرائها بالتأكيد على موقف كندا الثابت في الدفاع عن حقوق الإنسان، وأن ما قامت به ليس تدخلا في شؤون السعودية، وأنها تطالب كافة دول العالم وتدعوهم إلى الالتزام بهذا الموقف. وبالتالي صدرت تصريحات من دول غربية أخرى تراوحت بين تأييد واضح للموقف الكندي وبين التأييد المستتر لها. في نفس الوقت، صدرت بيانات من دول الاستبداد تؤيد موقف السعودية وتهاجم كندا.

هذه الأزمة المتسارعة الأحداث، والتي لم تكن متوقعة، تدفعنا إلى محاولة النظر إلى قيادات الدولتين لمحاولة فهم أبعادها ولماذا وإلى أين؟ فالحاكمان الحقيقيان للدولتين هما جاستين ترودو رئيس الوزراء الكندي ومحمد سلمان ولي العهد السعودي. وإذا دققنا النظر نجد أن هناك أربعة جوانب تتشابه في ما بين القيادتين، وهي:

1- جاستين ترودو ومحمد سلمان ينتميان إلى فئة القيادات الشابة التي تحكم العالم الآن، مثلهما مثل الرئيس الفرنسي ماكرون ورئيس وزراء النمسا سباستيان كورز.

2- جاستين ترودو ومحمد سلمان يقودان دولتين ملكيتين؛ فكندا (نظريا على الأقل) تتبع التاج البريطاني، والسعودية تتبع تاج آل سعود.

3- الاثنان ينسلان من أسر حاكمة، فالأول هو ابن بيير ترودو، زعيم الحزب الليبرالي في كندا ورئيس وزرائها خلال الستينيات والسبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي، والثاني أيضا ابن أسرة حاكمة، فأبوة حاكم، وجده وأعمامه كذلك.

4- الجانب الرابع للتشابه بينهما هو أنهما الاثنين ينتميان إلى الفكر الليبرالي الحر، فالأول جاستين ترودو هو زعيم الحزب الليبرالي الكندي، والثاني محمد سلمان يتزعم الليبرالية في العربية السعودية من خلال مشروعه 2030، كما أنه يدعو إلى تحرير دولته من القيود الفكرية التي عاش خلالها آباؤه وأجداده.

من هنا يظهر أن التشابه كبير بين جاستين ترودو ومحمد سلمان، وبالتالي فمن المتوقع أن يتشابه الاثنان في الفعل والتصرف تجاه الأحداث المتماثلة التي يمران بها. ولكن الواقع يظهر لنا أنه في ظل التشابه المشار إليه، فإن الرجلين مختلفان تماما في أفعالهما وتصرفاتهما تجاه الأحداث التي تكاد ظنا أن تكون متشابهه. وسوف نستعرض أيضا أربعة مواقف متشابهة واجهها جاستين ترودو ومحمد سلمان، ولكن كان فعلهما متناقضا تجاه المواقف المختلفة.

أولا: بعد تعثر ما أطلق عليه بالربيع العربي (مرحليا)، وخصوصا في سوريا ومصر، واضطرار العديد من أبناء الدولتين إلى الفرار ومحاولة اللجوء إلى دول بديلة أخرى، بحثا عن الأمن والاستقرار. وكانت السعودية تمثل بديلا في ظروف مشابهة، مثل الخمسينيات بالنسبة لمصر والثمانينيات بالنسبة لسوريا. ولكن في الأحداث الأخيرة، وبعد 2013 لم تستقبل، السعودية المطاردين من بلادهم، بل على العكس قامت بطرد من لديها وضيقت عليهم حتى يغادروا السعودية، في حين أن جاستين ترودو قام بفتح أبواب بلاده لاستقبال اللاجئين السوريين وأعطاهم الإقامة القانونية، بل قام شخصيا باستقبال عدد منهم في مطار تورونتو بعد انتخابه رئيسا للوزراء عام 2015.

ثانيا: أن رئيس وزراء كندا خلال زيارته لإحدى العائلات السورية اللاجئة في مدينة كالجاري، وخلال حديث رب العائلة وهو يقدم الشكر لجاستين على أفعاله في توطين اللاجئين السورين، وإشارته للمعاناة التي يعانيها الشعب السوري، وتذكره الطفل إيلان الكردي الذي مات غريقا على الشواطئ التركية خلال محاولة هروبه مع أسرته إلى أوروبا، انفعل ترودو -وأجهش في البكاء- وقام بدعوة أسرة ذلك الطفل ومنحها حق اللجوء.. في حين أن محمد سلمان تزعم تحالفا يقوم بقصف الأطفال في اليمن، وحادثة حافلة الأطفال التي تم قصفها في صعدة خير دليل على أن القيادة السعودية لا تأبه للمعاناه التي يعانيها الشعب اليمني منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ثالثا: مع تنامي مسيرات الشعب الفلسطيني لذكرى العودة في منتصف أيار/ مايو وخروجه لممارسة حقه في مواجهة سلطات الاحتلال، ومع الاعتداءات الغاشمة من سلطات العدو وسقوط العديد من القتلى والجرحى في تلك الأحداث، قام جاستين ترودو بإصدار بيان في 18 أيار/ مايو الماضي استنكر فيه الأحداث وأدان سلطات الاحتلال، بل بلغ به الأمر أن استخدم عبارات قوية في مواجهة القوه الصهيونية. وجاء في البيان: "أكد ترودو أنه لا يمكن التسامح مع ما وردنا من استخدام مفرط للقوة والذخيرة الحية، ومن واجبنا أن نتقصى حقائق ما يحدث في غزة". وتابع: "كندا تدعو لإجراء تحقيق مستقل وفوري للوقوف على حقيقة ما حدث على الأرض، بما في ذلك أي أعمال تحريض أو عنف أو استخدام مفرط للقوة". أما محمد سلمان، فإنه شاهد ما شاهده جاستين ولكنه يأبى إلا أن يسعى لتحقيق ما يطلق عليه "صفقة القرن"!!

رابعا وأخيرا: موقف كل واحد منهما من شعبه.. فالأول يدعم شعبه ويشجعه وحتى المخالفين له منهم، أما الثاني فحدث ولا حرج، وأحداث فندق الريتز ليست ببعيدة، ناهيك عما يفعله تجاه النشطاء وبعض العلماء والشيوخ.

ختاما، قامت السعودية وهي تنتظر الاعتذار الكندي، بالاعتذار عما نشرته على أحد مواقعها، والذي شبه برج تورونتو ببرجي التجارة العالمي في نيويورك، وطائرة تتجه إليه، وكأنه تهديد بتكرار أحداث أيلول/ سبتمبر.. قمة في...

كلمة أخيرة: في تقديري أنه لا يوجد تعليق إلا أن هذه الأزمة ذكرتني بما قاله الشيخ محمد عبده مجازا، عند زيارته لفرنسا في بداية القرن الماضي، عندما قال: "شاهدت إسلاما ولم أر مسلمين".. وعند عودته إلى مصر وديار العرب رأى مسلمين ولم يشاهد الإسلام.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

التعليقات (0)