هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
لم يعد الحديث عن "موت الشعر" أكثر من نبوءة مؤجلة؛ فبينما أعاد فيلم كريستوفر نولان "الأوديسة" ملحمة هوميروس إلى واجهات المكتبات، محققا قفزة هائلة في مبيعاتها، يواصل جيل جديد من الشعراء في بريطانيا والعالم العربي الوصول إلى جمهور واسع من بوابة إنستغرام وتيك توك ويوتيوب والمنصات الرقمية. وبين قصائد هوميروس التي ولدت أصلا من تقليد شفهي، وشعراء معاصرين يحولون الإلقاء إلى فيديو قصير قابل للمشاركة، تبدو المفارقة لافتة: التكنولوجيا التي يُقال إنها قتلت القراءة الطويلة تعيد الشعر، في بعض أشكاله، إلى واحدة من أقدم وظائفه؛ أن يكون صوتا يُسمع، وحكاية تُتداول، وتجربة شخصية يجد فيها الجمهور نفسه. وفي بريطانيا تتقاطع عودة هوميروس مع صعود أسماء مثل لوكاس جونز ونيكيتا غيل وهولي مكنيش، بينما تكشف التجربة العربية، من هشام الجخ وعمرو حسن إلى تميم البرغوثي وغيرهم، عن مسار موازٍ أعادت فيه المنصات الرقمية تشكيل العلاقة بين الشاعر والجمهور، وفتحت للقصيدة أبوابا جديدة خارج الديوان والمؤسسة الثقافية التقليدية.
محمد عبد العزيز يكتب: إن دراسة الدكتور عبد الله الخباص عن سيد قطب الأديب الناقد هي دراسة في "إنتاج المعرفة" بقدر ما تلامس موضوع المعرفة ذاته، لأنها تهدي الباحث كيف يملأ الفجوات المنهجية والبحثية، وكيف يعيد تشكيل الخريطة المعرفية لشخص أو مدرسة أو حقبة تاريخية بقراءة تكاملية تحافظ على هيكل المعرفة وتوازناته، وكيف تحفر في البنية العميقة من عتمة اللاوعي بحثا عن الينابيع التي تتفجر منها أنهار الأدب والنقد والفكر، وهذا الاتجاه البحثي هو ما يمنح الدراسة بعدا معرفيا ومنهجيا يتجاوز وصف الحالة موضوع البحث إلى أثر الدكتور عبد الله الخباص في الدعوة إلى إعادة تشكيل الدراسات القطبية
تستعيد رواية "جاكاراندا" للكاتب والمغني الفرنسي ـ الرواندي غايل فاي جراح الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994، من خلال حكاية أجيال تتوارث آثار المأساة وأسئلتها المفتوحة، في عمل روائي يتجاوز سرد وقائع المجزرة إلى تفكيك ما تركته من ندوب في الذاكرة والعائلة والهوية؛ فبين رحلة ميلان، الفتى المولود في فرنسا لأب فرنسي وأم رواندية، وعودته إلى بلد والدته، تتكشف طبقات من الأسرار والصمت، ويصبح البحث عن الحقيقة مواجهة مع ماضٍ لا ينتهي بانتهاء الحرب، فيما تضع الرواية مفهوم المصالحة أمام امتحانه الأصعب: هل يمكن للغفران أن يكون ممكناً بعد الإبادة، وهل تستطيع المجتمعات أن تتصالح مع ماضيها من دون أن تواجه الحقيقة كاملة؟ ومن خلال هذا السؤال، يحوّل فاي المأساة الرواندية من واقعة تاريخية إلى تجربة إنسانية تتصل بذاكرة الحروب والإبادات في العالم، وتطرح الأدب بوصفه مساحة لاستعادة أصوات الضحايا ومقاومة النسيان.
تعد الرواية، التي صدرت عام 1948، آخر عمل روائي أكمله دازاي قبل وفاته، وهي نص شبه سيري مكثف يتناول اغتراب الإنسان وعجزه عن الاندماج في المجتمع، من خلال شخصية شاب يعلن عدم توافقه مع الجنس البشري، ويصور العالم باعتباره فضاء مملوءا بالرعب، والحياة نفسها بوصفها مصدرا للخطيئة.
تعود الحكايات الشعبية والأساطير القديمة إلى واجهة الأدب والفكر لا باعتبارها بقايا من زمن غابر، بل بوصفها أشكالاً سردية قادرة على تفسير الحاضر ومنح الإنسان أدوات لفهم مخاوفه وأسئلته الكبرى. فالحكاية التي ظلت طويلاً مرتبطة بالخيال والطفولة تكشف اليوم عن طاقة رمزية تجعلها أكثر قرباً من الواقع وأكثر التصاقاً بتجربة الإبداع الأدبي؛ إذ يجد فيها الكتّاب مادة لإعادة قراءة التاريخ والهوية والعلاقة بالطبيعة والسلطة والآخر. ومن هذا المنطلق تدعو الكاتبة البريطانية شارون بلاكي إلى استعادة الفولكلور بوصفه "دليلاً للحياة" لا مهرباً منها، وهي رؤية تلتقي مع تجارب واسعة في الأدب العربي المعاصر الذي جعل من الحكاية الشعبية والأسطورة وسيلة لمساءلة الواقع، وتحويل الموروث إلى لغة جديدة للبحث عن المعنى في أزمنة القلق والتحولات.
لا يقتصر أدب المناخ على الروايات التي تتناول الكوارث البيئية مباشرة، بل يشمل أيضاً الأعمال التي تستحضر ما يسميه النقاد "الزمن العميق"؛ أي النظر إلى تاريخ الأرض بوصفه إطاراً لفهم الحاضر، وهو ما يجعل رواية "الفم الأحمر" تنتمي إلى هذا الاتجاه من خلال ربطها بين المستنقعات الأيرلندية والذاكرة الجيولوجية وأسئلة الهوية والبيئة.
يفتح كتاب "فن المعارضة" للكاتب البريطاني كورتيا نيولاند نقاشاً جديداً حول علاقة الأدب بالسلطة والسوق، مقدماً دفاعاً عن استقلالية الإبداع في مواجهة الضغوط التجارية والمؤسساتية، ومؤكداً أن انفتاح الأدب الغربي على الهويات المتعددة أسهم في تجديد الثقافة وإثراء التجربة الحضارية، لا في إضعافها كما تروج بعض الخطابات المحافظة.
ليس كل كتاب عن الأدب يكون حديثًا عن النصوص وحدها، فبعض الكتب تتخذ من الأدب مدخلًا إلى أسئلة أوسع تتصل بالإنسان والمعنى والجمال. ومن هذا الأفق يأتي كتاب "الأدب الإسلامي.. بلاغ وبيان" للدكتور مصطفى شكري، الذي لا يكتفي بالدفاع عن حضور المرجعية الإسلامية في المجال الأدبي، بل يعيد طرح سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن أن تلتقي الرسالة بالجمال دون أن يتحول الأدب إلى خطاب مباشر، وكيف يمكن للفن أن يحتفظ بحريته وطاقته الإنسانية وهو يستند إلى رؤية إيمانية للوجود؟ وبينما ظل مفهوم "الأدب الإسلامي" لعقود موضوعًا لجدل نقدي بين من يراه تعبيرًا عن هوية حضارية ومن يتحفظ عليه باعتباره تضييقًا على التجربة الأدبية المفتوحة، يحاول الكتاب أن ينقل النقاش من سؤال المصطلح إلى سؤال القيمة، ومن معركة التصنيف إلى البحث في موقع الجمال داخل مشروع الإنسان وتطلعه إلى الحقيقة.
تواصل الرواية المكتوبة بالإنجليزية على أيدي كتّاب ينتمون إلى أصول عربية وإسلامية وأفغانية ترسيخ حضورها في المشهد الأدبي العالمي، متجاوزة سرديات الحرب والإرهاب واللجوء نحو مساءلة أكثر عمقاً لقضايا الهوية والانتماء والمنفى والحرية. وفي هذا السياق، تبرز رواية "لا إله إلا نحن" (No God But Us) للكاتب الأفغاني الأمريكي بوبق سيد بوصفها نموذجاً لهذا التحول، إذ تمزج بين التجربة الشخصية والتحولات السياسية الكبرى، وتعيد طرح أسئلة العلاقة بين الفرد والتاريخ، والوطن والمنفى، والدين والهوية، في عمل يفتح نافذة على مسار الأدب الأفغاني الحديث وتطور الكتابة الإنجليزية عن العالمين العربي والإسلامي، في وقت باتت فيه هذه الأعمال تشكل أحد أبرز ميادين الحوار الثقافي وإعادة تشكيل صورة المسلمين في الأدب العالمي.
في وقت تتعرض فيه الحياة الثقافية الفلسطينية لاختبارات قاسية بفعل الحرب والدمار، يواصل الأدباء والكتّاب في قطاع غزة الدفاع عن الذاكرة الإنسانية بالكلمة والإبداع. وفي هذا السياق، احتضنت مدينة النصيرات وسط القطاع فعالية ثقافية نظمها الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع "إيوان الأدب للثقافة"، لمناقشة وتوقيع المجموعة القصصية "تحت ظل السماء" للكاتبة الشابة ختام الربايعة، في أمسية جمعت أدباء ونقاداً ومهتمين بالشأن الثقافي، وشكلت مناسبة للاحتفاء بالسرد الفلسطيني بوصفه أداة لحفظ الحكاية الوطنية وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية في غزة رغم ظروف الحرب والحصار.
غالبت توقعاتي بقراءة الرواية الجزائرية الفائزة هذا العام وأنا أقرأ ما قاله رئيس لجنة تحكيم الجائزة الناقد التونسي محمد القاضي عنها من أنها "رحلة آسرة عكس مجرى التاريخ تتسلل بسلاسة في إرهاصات ما حدث في الجزائر قبيل العشرية السوداء.. إنها رواية تُلتَهَمُ بشهية، ولكنّها تترك انطباعاً مريراً عن عالَم نعرفه، غير أننا نكتشف أنه مثقَل بنوازع مبهمة".
لا يمثل رحيل الكاتبة والرسامة والسينمائية الإيرانية الفرنسية مرجان ساترابي مجرد خسارة لاسم بارز في الأدب والفن المعاصر، بل يطوي أيضاً صفحة من صفحات السردية الإيرانية الحديثة التي وجدت في أعمالها صوتاً قادراً على العبور بين الشرق والغرب، وبين الوطن والمنفى، وبين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي. فمن خلال رواياتها المصورة وأفلامها ومواقفها الفكرية، تحولت ساترابي إلى واحدة من أبرز الوجوه الثقافية التي نجحت في تقديم صورة أكثر تعقيداً وإنسانية عن إيران والإيرانيين، وأسهمت في نقل تجارب النساء والمنفيين وجيل ما بعد الثورة إلى جمهور عالمي واسع، ما جعل خبر وفاتها يتجاوز الوسط الأدبي ليصبح حدثاً ثقافياً أثار اهتماماً واسعاً داخل إيران وخارجها.
حصلت رواية الكاتب المصري شادي لويس "على خط غرينتش" على جائزة "جيمس تايت بلاك" للرواية التي تقدمها من جامعة إدنبرة البريطانية.
في زمن تتصاعد فيه النزعات الشعبوية وتتعمق فيه الانقسامات الثقافية والهوياتية، يواصل الأدب لعب دوره بوصفه مساحة للدفاع عن الإنسان وتعقيداته بعيدا عن الأحكام الجاهزة والتصنيفات الضيقة. وفي هذا السياق، تبرز الكاتبة الفرنسية ـ المغربية ليلى سليماني كواحدة من أهم الأصوات الأدبية المعاصرة التي استطاعت أن تنقل قضايا الهوية والهجرة والحرية من المحلي إلى العالمي عبر كتاباتها باللغة الفرنسية. فمن خلال أعمالها ومواقفها الفكرية، تؤكد سليماني أن الأدب ليس مجرد فعل جمالي، بل وسيلة لمقاومة التعصب وحماية الاختلاف الإنساني في عالم يزداد استقطابا وانغلاقا.
لم يعد الأدب المعاصر مجرد مساحة لسرد الحكايات، بل أصبح أداة نقدية تكشف هشاشة البنى الاجتماعية والسياسية التي يعيش داخلها الإنسان الحديث. ومن هذا المنطلق، تأتي رواية "الجوع والعطش" للكاتبة البريطانية كلير فولر بوصفها نموذجاً للرواية التي توظف الرعب الاجتماعي لتفكيك واقع يبدو مستقراً في ظاهره، لكنه يخفي وراءه أشكالاً عميقة من العزلة والقلق وفقدان المعنى، حيث يتحول الألم الإنساني نفسه إلى مادة للتأمل وكشف تناقضات المجتمع الحديث.
في زمن تتسارع فيه الشاشات والأخبار والرسائل المختصرة حتى تكاد تختصر العالم في ثوانٍ معدودة، تبدو عودة الرواية إلى مركز الاهتمام الثقافي مفارقة تستحق التأمل. فبينما تتحدث تقارير عديدة عن تراجع القراءة وانحسار زمن الكتاب، تكشف نقاشات ثقافية غربية متزايدة أن الإنسان المعاصر لا يبحث فقط عن مزيد من المعلومات، بل عن معنى يساعده على فهم عالم مضطرب ومتشظٍ. من هنا عاد السؤال القديم بثوب جديد: لماذا يعود الناس إلى الرواية كلما ازدادت الأزمات وتعقدت التحولات؟ وهل أصبحت الرواية، أكثر من أي وقت مضى، وسيلة لفهم السياسة والمجتمع والذات الإنسانية في زمن القلق العالمي؟