سياسة عربية

كسر عظام بين حلفاء السيسي لوراثة كبرى المناصب الصحفية

أصدر الأعلى للصحافة قرارا بالمد لرؤساء التحرير الحاليين للصحف القومية لمدة ثلاث سنوات مقبلة ـ أرشيفية
احتدم الصراع بين حلفاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على وراثة المناصب الصحفية بالمؤسسات المملوكة للحكومة، وحاول المجلس الأعلى للصحافة، الذي يهيمن أنصار السيسي عليه، من أتباع التيار اليساري والناصري، قطع الطريق على مجلس النواب، الذي يسعى أنصار السيسي فيه، من أجل استصدار قانون يمنح السيسي الحق في إعادة تشكيل المجلس.

وقالت مصادر إعلامية لصحفية "عربي21" إن السيسي يريد التخلص من التشكيلة الحالية التي باتت مهيمنة على المناصب الصحفية والإعلامية كافة، والإتيان برجال جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع، إلى صدارة المشهد الصحفي بمصر، يتقدمهم نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد؛ بهدف إعادة هيمنة الحزب الوطني المنحل على مقدرات الصحافة المصرية.

وبعد أقل من 48 ساعة من انتهاء مجلس النواب من الموافقة على القراءة الأولى لمشروع قانون بتعديل قانون سلطة الصحافة الذي قدمه مصطفي بكري، عقد المجلس الأعلى للصحافة اجتماعا، مساء الأربعاء، استمر حتى فجر الخميس، وانتهى بإصداره قرارا بالمد لرؤساء التحرير الحاليين للصحف القومية لمدة ثلاث سنوات مقبلة، رافضا بذلك مشروع قانون البرلمان.

قانون بكري يمنح السيسي حق التدخل

يتضمن القانون المقترح من قبل بكري، بعد أن أخذ موافقة 325 نائبا عليه، تعديل المادة 68 من القانون 96 لسنة 1996، الذي بمقتضاه يحق لرئيس الجمهورية تشكيل مجلس أعلى جديد للصحافة، بشكل مؤقت، وبصلاحيات كاملة، لحين صدور قانون الصحافة والإعلام الموحد.

ويتولى المجلس الجديد، على الفور، تعيين رؤساء تحرير جدد للمؤسسات الصحفية القومية قبل 30 حزيران/ يونيو الجاري، وهو الموعد الذي تنتهي معه مدة ولاية رؤساء التحرير الحاليين.

وأثار المقترح جدلا كبيرا بين النواب؛ نظرا إلى السرعة التي ظهر فيها ثم سرعة إحالته من قبل المجلس إلى لجنة الإعلام والثقافة، التي وافقت في أقل من 24 ساعة عليه.

وبمقتضى المقترح تصبح المادة 68 من قانون تنظيم الصحافة بعد التعديل كالتالي: "يصدر رئيس الجمهورية قرارا بتشكيل المجلس الأعلى للصحافة لحين صدور قانون الصحافة والإعلام، وتنتقل للمجلس المهام التي كان يمارسها مجلس الشورى تجاه المؤسسات".

وقال عضو لجنة الإعلام بالبرلمان، أسامة شرشر، إن المشروع يمثل صورة سلبية، مؤكدا أن بكري يسعى لاستمرار مخططات الحزب الوطني المنحل.

وقال عضو لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان، يوسف القعيد، في تصريحات صحفية: "أخشى من اتهام السلطة التشريعية بأن ما قامت به هو محاولة لتكميم الأفواه أو تعديل رؤساء تحرير صحف بعينهم".

لكن النائب مصطفي بكري، دافع عن مشروع القانون بالقول إن مصلحة الصحف القومية كانت تقتضي تقديم مشروع قانون بتشكيل المجلس الأعلى للصحافة، خاصة أن مدة رؤساء مجلس الإدارة انتهت، وأن مدة رؤساء التحرير تنتهي في 28 حزيران/ يونيو الحالي، ومن غير المعقول تركهم في مناصبهم بدون مدة محددة.

وأضاف أن إسناد تشكيل المجلس الأعلى للصحافة لرئيس الجمهورية يعد حقا طبيعيا، وليس بدعة، وفقا لما نص عليه القانون 96، ونريد تشكيل مجلس مؤقت لمدة شهرين أو ثلاثة لإجراء التعديلات الصحفية، على حد قوله.

المجلس الأعلى للصحافة يتحرك

وفي اجتماعه المفاجئ مساء الأربعاء، قرر المجلس الأعلى للصحافة برئاسة جلال عارف، تكليف رؤساء تحرير الصحف القومية الحاليين بالاستمرار في مهامهم لحين إقرار التشريعات الصحفية والإعلامية؛ لتجنب حدوث فراغ في المؤسسات.

وقال عضو المجلس الخبير القانوني، الدكتور محمد نور فرحات، إن المجلس قرر التجديد لرؤساء تحرير الصحف القومية الحاليين لحين صدور التشريعات الإعلامية والصحفية التي نص عليها الدستور، وممارسة المؤسسات الجديدة ولايتها.

ووصف "فرحات" المقترح بالقانون، الذي تقدم به ائتلاف "دعم مصر"، في مجلس النواب، بأنه ينطوي على عيوب دستورية.

وقال المجلس الأعلى للصحافة في بيان له عقب جلسته إنه ناقش التداعيات التي ترتبت على تقديم اقتراح بقانون من بعض أعضاء مجلس النواب بتعديل المادة (68) من القانون 96 لسنة 1996.

وأضاف أنه بعد مناقشة الاقتراح تبين أنه ينطوي على عوار دستوري، ويخالف نص المادة 224 من الدستور، التي تنص على أن يبقى نافذا كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور، وعلى أنه لا يجوز تعديلها ولا إلغاؤها إلا وفقا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور، تلزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام الدستور، وهو ما يعني أن أي تعديل في القوانين الصادرة قبل صدور الدستور ينبغي أن يكون تنفيذا للدستور وناسخا للمواد التي سبقت صدوره، وبالتالي فإن ما يحل محل المجلس الأعلى للصحافة هو الهيئة الوطنية للصحافة.

وأشار المجلس إلى أن ذلك كان ما سعى المجلس بتشكيله الحالي للوصول إليه عبر مشروع قانون الإعلام الموحد الذي شارك في إعداده، وتم رفعه للحكومة قبل عشرة شهور، كما تم التوافق مع الحكومة على نصوصه، وبدأت بالفعل مراحل استصداره، إذ وافق عليه مجلس الوزراء، وأعلن ذلك في مؤتمر صحفي منذ أسابيع وأحيل لمجلس الدولة.

وأشار البيان إلى ضرورة إتمام خطوط استصدار قانون الإعلام الموحد لكي يكون صدوره انتقالا طبيعيا ودستوريا لشؤون الصحف القومية من المجلس الأعلى للصحافة إلى الهيئة الوطنية للصحافة، على حد وصفه.

"بكري" ينتقد ويصر


قال مصطفي بكرى، إنه مندهش من تجاوز المجلس الأعلى للصحافة للقانون، خاصة أن سلطة المجلس في تعيين رؤساء مجالس الإدارة والتحرير للصحف القومية، محكومة بنطاق زمني لمرة واحدة، كما نص المرسوم بقانون الصادر باسم رئيس الجمهورية في 2013، الذي ينص على أن للمجلس، ولمرة واحدة، أن ينهي مدة أي من رؤساء مجالس الإدارات والتحرير، وأن يعين محلهم أن يراه مناسبا لمدة لا تزيد عن سنتين من تاريخ شغل الوظيفة.

وأضاف بكري في تصريحات صحفية: "عندما يصدر المجلس الأعلى للصحافة، قرارا على غير أسس القانون بالمد لرؤساء تحرير الصحف القومية، الذين يبلغ عددهم 54 رئيسا للتحرير، وتنتهي مدتهم في 28 حزيران/ يونيو الجاري، فهذا يمثل تحديا للقانون والدولة، وإساءة لاستخدام السلطة في غير محلها.

وشدد "بكري" على أن ما يحدث هو تشبث بالسلطة، ورفض لأى تشريع برلماني؛ بهدف إحداث فراغ في إدارة المؤسسات، خاصة أن التعديل المقدم منه على المادة 68 من القانون لا تناقض بينه وبين مواصلة مناقشة التشريعات، وأنه عندما يتم تشكيل الهيئة الوطنية للصحافة سوف تنتهى مهمة المجلس المؤقت.

كسر عظام يحتدم بين الجانبين


وتوقع مراقبون، والحال هكذا، حدوث مواجهة بين الأعلى للصحافة من جهة ومجلس النواب من ناحية أخرى، متوقعين أن يقوم نقيب الصحفيين الأسبق، كاتب خطابات مبارك، "مكرم محمد أحمد"، الذي يلقبه مناوئوه بلقب "عراب الحزب الوطني المنحل"، باستعداء السيسي ضد الأعلى للصحافة، بعد أن نسق مع رموز المخلوع مبارك للإتيان بهم في مناصب رؤساء تحرير ومجالس إدارات الصحف.

كما سادت توقعات بأن يلجأ نظام السيسي إلى إتباع سياسة "العصا والجزرة"؛ من أجل إخضاع الأعلى للصحافة من جديد، والمؤسسات الصحفية الحكومية الكبرى لرغائبه، فضلا عن عدم التراجع عن مشروع القانون، الذي تمت الموافقة عليه في لجنة الإعلام بالبرلمان، حيث تقرر طرحه للنقاش في أول جلسة لمجلس النواب يوم 26 حزيران/ يونيو الجاري.

وبعد صدور هذه التعديلات يحق للسيسي إعادة تشكيل المجلس الأعلى للصحافة، الذي سيتولى بعد ذلك إجراء التغييرات الصحفية اللازمة.