كتاب عربي 21

مأزق المشروع الإسلامي وخارطة الطريق للخروج من الصراعات الدامية؟

1300x600
في لقاء خاص في بيروت مع المفكر الإسلامي السوداني الدكتور حسن مكي تحدث هذا القيادي الإسلامي التاريخي بألم وحسرة عن واقع المشروع الإسلامي والعربي اليوم في ظل الصراعات الدموية التي تشهدها معظم دول المنطقة والتي لم يكن الإسرائيليون يحلمون بها منذ تأسيس الكيان الصهيوني.

ومع أن الدكتور مكي يؤكد أن القوى والتيارات الإسلامية لا تزال هي الطرف الأقوى في العالم العربي والإسلامي، رغم كل ماتعاني منه من قمع وظلم وما تواجهه من حروب وصراعات، فإنه يعترف أن القيادات الإسلامية تحتاج للتدريب والتطوير حتى تستطيع فهم آليات الصراع وعدم الدخول في معارك خاسرة.

كما قدّم الدكتور مكي معلومات ومعطيات حول موجات التطرف والعنف التي تسود الساحة الإسلامية فاعتبر أن بروز داعش في العراق وسوريا وبوكو حرام في نيجيريا يحمل الكثير من علامات الاستفهام؛ لأنه خلال الخمسين سنة من العمل الإسلامي لم تكن قيادات هذه التنظيمات بارزة، وهي تقدم أفكارا وتقوم بممارسات لا علاقة لها بكل المشروع الإسلامي الذي انتشر في العالم العربي والإسلامي القائم منذ أكثر من ثمانين عاما، ويتخوف الدكتور مكي من أن الاجهزة الاستخبارتية الغربية والأجنبية هي التي شجعت الشباب المسلم في اوروبا للالتحاق بداعش وذلك لتصفية العمل الإسلامي في أوروبا.

وعندما سألت الدكتور مكي حول إمكانية وجود ضوء في آخر النفق الذي نعاني منه، أجاب: إنني لا أرى النفق اليوم فكيف تريدني أن أرى الضوء، لقد دخل الجميع في حروب دامية وخاسرة، وأصبح الخروج من هذه الحرب غير ممكن حتى من قبل الذين يشاركون فيها، لأن هذه الحروب أصبحت خارج السيطرة.
وعن إمكانية الحوار مع داعش أو تشكيل لجنة حكماء للبحث عن حلول للأزمات رد الدكتور مكي: وهل نستطيع الوصول لداعش، وهل نبقى أحياء، ومن يحاور من؟

هذه بعض الأجواء القاسية والمؤلمة التي تحدث عنها الدكتور مكي والتي تكشف عن عمق المأزق الذي يواجهه المشروع الإسلامي اليوم، لكن هل يمكن القول إن الخروج من هذا المأزق مستحيل وأنه ليس هناك خارطة طريق للوصول إلى النفق أولا ومن ثم الخروج منه لاحقا؟.

لقد تعلمنا من كل التجارب الإسلامية التي عشناها طيلة العقود السابقة في لبنان والعراق وسوريا ومصر والجزائر واليمن والبحرين وأفغانستان وبين إيران والعراق  وبين العراق والكويت وفي دول أخرى، إن كل الصراعات الداخلية هي صراعات خاسرة، حتى لو ربح نظام أو حزب أو جهة هذه الحرب، وإن الجميع سيعود ليجلس على طاولة الحوار والمفاوضات أو يعود للمصالحة الداخلية بعد أن يسقط الآلاف أو مئات الآلاف وحتى الملايين أحيانا من الضحايا، وإنه بعد مرور سنوات وعودة الجميع الى الهدوء والتعقل يكتشفون أن هذه الصراعات لم تكن مفيدة بل أنها قدّمت خدمات كبرى للأعداء سواء  الأميركيين أو الإسرائيليين، وأن كل التضحيات والخسائر وكل الدمار لم يؤد إلى أية نتيجة.

وعلى ضوء كل ذلك يصبح الأمر الأكثر إلحاحا اليوم قبل الغد، أن تعود القيادات الإسلامية والعربية الفاعلة للحوار فيما بينها من أجل إعادة تشخيص ما يجري وفهم أبعاد هذه التطورات والبحث عن حلول حقيقية لوقف كل الصراعات الدموية حتى لو أدى ذلك إلى تقديم تنازلات كبيرة أو التراجع عن مواقف أو السكوت عن ظلم ما.

 ففي لبنان  اليوم بدأنا نسمع مجددا الأصوات والمواقف الداعية للعودة إلى الحوار والجلوس على الطاولة وضرورة البحث عن حلول للأزمات القائمة، وبغض النظر إذا كانت ستتم الاستجابة لهذه الدعوات أم لا، فإن مجرد الاعتراف بأن الصراع العسكري أو الأمني ليس هو الحل وأن هناك حاجة للجلوس على طاولة الحوار، فإن ذلك يشكل بداية جيدة، وأن التجربة التونسية قدمت لنا نموذجا مهما في إدارة المرحلة الانتقالية ولولا التنازلات الكبرى التي قدمتها حركة النهضة على صعيد إدارة البلاد في السنوات الثلاث الماضية لما نجحت هذه  التجربة.

فهل نجد من يضع خارطة طريق جديدة للعودة إلى الحوارات الداخلية، والبحث عن حلول لهذه الأزمات، أم سنظل جميعا نلحس المبرد ونشرب دماء بعضنا البعض خدمة للأعداء؟