كتاب عربي 21

موعظة الانقلاب.. وتاريخ أكاذيب الدولة العربية

1300x600

ربما يمكن لهذه "الدولة العربية" أن تمنحنا حقلاً معرفيًا لطيفًا، تمكن تسميته بـ "تاريخ أكاذيب الدولة العربية"، إلا أن المؤكد أن هذه الدولة، والتي هي نفسها أكذوبة أكبرى، لا تزال تتغطى بهذا التاريخ الطويل من الأكاذيب، وللمفارقة فإن المجتمعات العربية التي خضعت لهذا النمط من الدول هي بدورها صدقت الأكاذيب التي اختلقت من أجل ضمان إخضاعها.

 بيد أن الأشد مفارقة أن يتبنى هذه الأكاذيب من موقع الهزيمة الاجتماعية، واسترضاء للمجتمع، وطلبًا لاعتراف الدولة، القوى الإصلاحية التي أرادت إرشاد هذه المجتمعات، وإصلاح هذه الدول، أو حتى إعادة بنائها من جديد، فهذه الأكاذيب بلغت شأنًا أنها صارت المقدس الوحيد، أو الأعلى، الذي لا يجوز مساسه أو الاقتراب منه، وهذا طبيعي طالما كانت هذه الدولة هجينا شائها فيها شيء من حداثة ينزع بها لأن تكون المطلق الأعلى الذي تنبثق عنه القداسات الخاصة، نابتة بلا شرعية ما يجعل الأكاذيب مصدر الشرعيات الجديدة، ومحمية بسلطة قاهرة لا تنفصل بدورها عن جسد الدولة، وتخضع بذلك مجتمعات ممزقة تعاني الاغتراب تجاه هذا الكيان، ولكنها تبحث عن معنى في هذه العلاقة، وعن أسباب لاستمرار الحياة، وحكايات افتخار طارئة تخفف من قلق هذا الوجود الهش.

ما هو المبرر التاريخي أو الجغرافي لوجود هذه الدولة العربية أو تلك؟ فليقصد السؤال الآن؛ تلك الدول المجهرية الفقيرة إلى الجغرافيا والإنسان، والملقاة على كتف التاريخ فجأة دون سابق معرفة له بها، كحجر يسقط على ظهر قطار سريع عابر يمخر الزمان، كيف يمكن لها أن تستمر في هذا العالم الذي تحكمه جغرافيا ممتدة لا تكاد تنتهي ببشرها وثرواتها، إن لم تبق عالة ذليلة خاضعة متطفلة على الوجود الإنساني كله؟! وما هو المستوى الذي سيبلغه الحفر في تشويه الوعي لأجل ضمان استمرار هذه الحالة الشاذة في التاريخ، والناتئة في جسد الجغرافيا كخال في أنف عجوز شمطاء؟! وما هو الشر الذي ستقترحه تلك الجغرافيات الكبرى على محمياتها الصغرى كأثمان وسخة تدفعها لضمان استمرارها وحمايتها من كل مصادر القلق التي تزيدها ارتجافًا وحمقًا وأسى؟!

إذا كان أمرا خاضعا للنقاش الوجيه والمحترم، القول بأن هذه الدولة من الممكن أن تكون أفقا انتقاليا محتملاً للعمل في سبيل مشروع أكبر، فليس وجيهًا ولا محترمًا ذلك التصور الذي يرى أن مجمع البؤس والذلة والمسكنة والشر الذي يسمى دولة في سياقنا العربي يمكنه أن يكون الحل الوحيد لمشاكلنا كلها، وكأنه ليس السبب الوحيد تقريبا لهذه المشاكل، وكأن هذه المجتمعات اليوم لا تنفجر كحتمية تاريخية ناجمة عن فشل هذه الدولة في كل وعودها بما في ذلك تلك الوعود التافهة جدًا، ولأن هذه الدولة تأسست فاقدة لشرط تسوية التناقضات الاجتماعية بصورها المتعددة، الأمر الذي اضطرها أساسا للتماهي مع تناقضات المجتمع الأهلي كما في نموذج الحكم الطائفي، ولأنها اختلقت لنفسها هوية وطنية صالحة لأن تكون نكتة باعثة على الضحك لو كنا في ظرف أحسن ويعيننا على احتمال هذه السخرية التي تطالب المواطن بأن يعيد صياغة مشاعره النفسية تجاه محيطه العربي والإسلامي بحسب أجندات هذه النكتة!

ولأسباب أخرى كثيرة كانت هذه الدولة هي المشكلة، بحيث لا يمكن أن تكون الحل، في عالم تغير آلاف المرات، بما في ذلك العالم الغربي، قبل وستفاليا وبعدها، فلماذا يتصور بعضنا أن تاريخنا توقف عند قدمي هذه المسخرة؟! وإذا كان التاريخ سينتهي بين يدي هذه الدولة الأعجوبة فإن المطلق الآخر في سياقنا العربي هو استمرار "إسرائيل"!! إنها نتيجة منطقية لسلسلة الأكاذيب التي تبدأ بالدولة ولا تنتهي عندها، وإنه الثمن الذي علينا أن ندفعه ما استمرت هذه الأكاذيب وما استمر التعاطي معها باحترام خَرِفْ!

وحتى الدول العربية التي تتمنطق بعدة تاريخية أحسن، وتدعي الاستمرار التاريخي، وتتوفر على مقومات بشرية وجغرافية أفضل، فإنها ليست أحسن حالاً على الأقل في صغارها وانتعال الجغرافيات الكبرى في هذا العالم لها، ولأنها كذلك، ولأنها تتوفر أيضا على نفس المشكلات البنيوية، فإن عدتها التاريخية التي تبدو أحسن حالاً مهترئة إلى الحد الذي يحيجها إلى حامل من الأكاذيب الهائلة، ولكنها رديئة بالقدر الذي يتفق مع رداءة تلك العدة التاريخية! 

تزداد الأكاذيب بالزيادة المفترضة في حجم الدولة واستمرارها التاريخي، حتى لا تكاد تنتهي، وهي عادة تتسم بالرداءة من صنف رداءة أكذوبة اختراع الجيش المصري لجهاز يشفي من الأمراض المستعصية ويحول الفايروسات إلى بروتينات (أو إلى أصابع كفتة بحسب الجنرال المخترع)، إلا أن هذه الأكذوبة الفضيحة لا تزيد رداءة على أكذوبة "خير أجناد الأرض"، التي تغطت بها الدولة المصرية ردحًا طويلاً من الزمن، أو أكذوبة القضاء المستقل والقاضي الرصين، أو أكذوبة فضيلة المؤسسة الدينية الرسمية الممثلة بالأزهر ورموزه، وهي كلها أكاذيب افتضحت من بعد الانقلاب إلى الحد الذي صار يغني عن ضرب الأمثلة، وحتى أمكن إعادة دراسة تاريخ مصر بأثر رجعي يلحظ الأكاذيب فيه، ما يجعل الأهم الآن، لا تحرير الحقائق من الأكاذيب بعدما تحررت فعلاً رغما عن الجميع، وإنما البحث في الأسباب التي كانت تحول دون رؤية تلك الأكاذيب في هذا التاريخ الطويل!

وما ينبغي التأكيد عليه من حيث الأهمية، أن هذه الدولة في هذا الوضع؛ لا بسبب من السلطات السياسية التي تبدلت عليها منذ أوجدها المستعمر وحسب، ولكن أيضًا بحكم من طبيعتها البنيوية وظرفها الذي نشأت فيه والسياق العربي الذي لا يحتملها وطبيعة التدافع الإنساني التي لا ترحم هذا النوع من التجمعات الإنسانية، كما أن هذه الأكاذيب (مثل الجيش والقضاء والمؤسسة الدينية) تستغرق أفرادها بما لا يجعل قيمة مؤثرة للأفراد الصالحين فيها وبما يحول دون اتخاذهم كمثال على الاستثناء.

ولأن المجتمع قد خضته الدولة في هذه البيئة العفنة من الأكاذيب، فإنه لم يكتف بتصديق تلك الأكاذيب، بل اخترع لنفسه أكاذيبه الخاصة، بإشراف الدولة أو بإرادته بما يتلاءم مع احتياج الدولة القاهرة، من قوى ورموز ومؤسسات دينية وسياسية وثقافية وفنية وإعلامية أقل ما يقال فيها أنها التعبير الأقصى للبذاءة ذاتها، وغطى تلك البذاءة المضللة كلها بأكذوبة يختصرها في مقولة "شعب متدين بطبعه"، حتى استخدم الدين في تغطية العفن الاجتماعي، كما استخدم في تغطية الجيش كما استخدم في تغطية حزب النور والذي كان بدوره الغطاء الأكثر التصاقًا بالعورة الأكثر قذارة في الدولة!

الشيء الأكيد أن هذه الأكاذيب كلها، سواء تعلقت بالدولة أو المجتمع، لم تكن مكشوفة، بالرغم من رداءتها، حتى جاء الانقلاب واستغرقها كلها، وترك الناس على بينة، وجعلهم، خاصة المصلحين منهم، أمام سؤال لحوح عن مشروعهم كيف أرادوا رفعه على هذا المعمار الواهي من الأكاذيب؟! وهل ثمة تفسير معاصر لقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (*) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} بأحسن من هذا الانكشاف الذي جاء به الانقلاب؟! فهل من متعظ؟!