تستمر قوات الاحتلال "الإسرائيلي" باعتقال الزميل ساري عرابي، الكاتب في "عربي21"، منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، بعد أن حولته إدارة السجون إلى ما يسمى "الاعتقال الإداري"، وهو قرار بالسجن قابل للتمديد بدون تهمة أو محاكمة أو محامين
ساري عرابي يكتب: افتراضٍ مضمر يتجاهل الواقع نفسه؛ افتراض أن الحرب قد انتهت أصلا، بينما الحقيقة أن الحرب لم تتوقف، لا بوصفها مواجهة عسكرية فحسب، بل باعتبارها بنية مستمرة من العنف، والحصار، والتجويع، والإبادة المتدرجة. في هذا السياق، لا يعود السؤال سؤال توقيتٍ مناسب للنقد، بل سؤال وظيفته؛ هل يُطرح النقد بوصفه أداة لفهم شروط الصراع وتعقيداته البنيوية، أم بوصفه آلية اتهام تُستخدم لإثبات أن الطرف المقابل في حالة رفض دائم للمساءلة؟
ساري عرابي يكتب: يعمل المنطق الدولي كما اعتاد أن يعمل تاريخيا، أي حين تعجز القوة عن إنكار الحق علنا، فإنها تعيد تأطيره، فلا تقول: لا حق لكم، ولكنها تقول: حقكم موجود، لكن ليس الآن، وليس بهذه الصورة، وليس بلا شروط. يتحول الحق، والحالة هذه، من قاعدة إلى نتيجة، ومن مبدأ إلى مكافأة محتملة غير مؤكدة مسبوقة بعمليات سحق مادي ومعنوي لصاحب الحق بالقوّة المنفلتة وبشروط الابتزاز التي لا تتوقف، الخلل هنا ليس مشكلة في الصياغة، ولكنه انقلاب في معنى تقرير المصير نفسه
ساري عرابي يكتب: الانتفاضة الأولى لم تكن مجرد مواجهةٍ واسعة مع الاحتلال، بل كانت أوضح ظاهرةٍ للوحدة النضالية التي عرفها الفلسطينيون منذ عقود. ورغم كثرة الاختلافات السياسية والتنظيمية، نشأ في تلك السنوات ما يشبه الإجماع الفعلي على أن المواجهة مع الاحتلال هي المركز الذي تلتقي عنده الفصائل، والتي كانت وجها من وجوه المجتمع وأداة الشعب في تنظيم فعله النضالي، وأنّ الفعل الشعبي؛ الإضراب، والمقاطعة، ورمي الحجارة، ونصب المتاريس، ورفع العلم، والكتابة على الجدران.. هو اللغة التي يستطيع الجميع التحدث بها
ساري عرابي يكتب: اتخذ دخول "إسرائيل" على خطوط المشكلات العربية أشكالا متعددة، فقد يكون هذا الدخول عبر فرض التفاهم معها على دول عربية، كما في تعزيز "إسرائيل" لنفوذها داخل بعض الأقليات أو عبر احتلالها أراضي عربية، بحيث تُدفَع تلك الدول إلى القبول بها باعتباره السبيل الوحيد لحلّ المشكلات التي تسببت "إسرائيل" في وجودها أو دعمت تفاقمها. وقد يكون هذا الدخول عبر تحوّل "إسرائيل" إلى "حاجة" لدولة عربية بعينها، كما يظهر في الحالة المغربية بخصوص قضية الصحراء، أو عبر تحوّلها إلى حاجةٍ لأنظمة عربية أخرى لتعزيز استقرارها الداخلي، أو لفتح قنوات التأثير على الولايات المتحدة، أو للحصول على تقنيات تجسسية، أو لتشكيل شبكة تحالفات إقليمية
ساري عرابي يكتب: تسييل مفهوم التطبيع، بحيث يغدو بلا معنى، مع نسبة مواقف إلى دولٍ عربية هي تنتهج ضدّها تماما. فأكثر الدول العربية داخلةٌ في طور التطبيع الفعلي: بالتنسيق الأمني السري، واللقاءات الدبلوماسية العلنية والسرية، وشراء تقنيات التجسّس الإلكتروني من "إسرائيل"، والسماح بأنماطٍ من التبادل التجاري معها، ولو بتمرير الشحنات التجارية إليها؛ وهو الأمر الذي وفّر لها دعما فائقا أثناء الحرب على غزة. يضاف إلى ذلك تبادلُ الزيارات، حتى على مستوى المواطنين أو مسؤولين سابقين، حتى من دولٍ لا تقيم علاقاتٍ دبلوماسية علنية معها
ساري عرابي يكتب: بالضرورة يتأكد التواطؤ الآن بدعم قرار مجلس الأمن، بحيث يبدو أنّ الغالب على الدول العربية والإسلامية المراوحة في نواياها بين الرغبة في التخلص من المقاومة في فلسطين، حيث إنّ الأمر ليس منحصرا في غزة، وإخراج الموضوع الفلسطيني من الاهتمام الجدّي، وأنّ رضا الولايات المتحدة وإراحة الرأس من هذا الضجيج أهمّ من حقوق الفلسطينيين وآلامهم وأوجاعهم
ساري عرابي يكتب: هذه اللغة التي تستند إلى النظر السياسي المجرد، مع ديباجة المصالح والمفاسد، جديدة على "الشرعيين الجهاديين"، الذين كانوا يحشدون الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة في كل أمر كانوا يتناولونه حتى لو لم تكن ذات صلة، ولكن للتأكيد على صدورهم الكامل عن الشرع الشريف، أو عن "الكتاب والسنة" بما أنّنا إزاء حالة سلفية تُغرم بمثل هذا التأكيد
ساري عرابي يكتب: بالرغم من أنّ مسار التردي كان شديدا في سرعته، قبل يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بما يستوجب الملاحظة وتوقع مآله الأخير، إلا أنّه استعلن حقيقته النهائية في المرآة الغزية، مرآة من دم وموت ودمار وجوع وتشريد، وبطولة فريدة، كادت أن تكون وحيدة في العالم كلّه، إذ استثنت نفسها بأهلها مما يوجب المقت، فكانت بقية الروح، والآدمية، وآخر ما تبقى في البشر من معنى، وهذا ممّا يزيد الألم ألما، أي أن تكون هذه الدماء البريئة مرآة تكشف ذلك القبح، وأن تدفع هذه البقية الشريفة الثمن كاملا من ذاتها لاستنقاذ هذه الأمّة مما تسرع إليه في إعدام نفسها
ساري عرابي يكتب: هذه الفترة التي تجاوزت الأسبوعين، لم يُسمع فيها كبير صوت للوسطاء، والضامن الأمريكي فيها يطلق بين فترة وأخرى تهديداته المعتادة لحركة حماس، مع تركيز جانب من الإعلام العربي ومثقفيه ومحلليه، كالمعتاد كذلك، على خلافات مزعومة بين البيت الأبيض وحكومة بنيامين نتنياهو، في مدّ لخط عجائبيّ متصل منذ بداية الإبادة الجماعية على قطاع غزّة وحتى إبرام هذا الاتفاق الأخير. فعلى طول سنتي الإبادة ثمّة رغبة جامحة، غريبة الدوافع، للتركيز على هذا التباين المزعوم الذي كانت تكذّبه الوقائع اليومية من الدعم الأمريكي المفتوح للإبادة
ساري عرابي يكتب: هو مسار ماض بإصرار نحو الاصطفاف الكامل مع "إسرائيل"، تبلور بنحو لا رجعة عنه في السنوات الأخيرة، وهذا المسار لا تزيده رطانة البيانات الرسمية إلا افتضاحا، ليس فقط لأنّها لا تُصدق نفسها تاليا بأيّ فعل في الواقع، ولكن أيضا لأنّها لا قيمة لها بالمرّة مع هذا الإعلام المنحاز لخطّ الإبادة، ما دامت هذه الإبادة من شأنّها أولا: أن تقتلع ما تعنيه الحركية الإسلامية في صيغتها المقاومة، وثانيا: أن تُجرّد القضية الفلسطينية من عناصر التسييس والتثوير والتنوير للمجتمعات العربية والإسلامية، فالمصلحة أكثر من مشتركة بين دولة الإبادة وما يمثله الإعلام العربي المنحاز للإبادة. إنّها مصلحة واحدة، أقرب ما تُعبِّر عن حال واحد
ساري عرابي يكتب: وفّرت الملحمة الغزية ابتداء ومسارا، فرصة لدول هذه المنطقة وشعوبها، للتحرر من الهيمنة، وامتلاك الإرادة، وتعزيز الذات دولا ومجتمعات وشعوبا؛ لها وزن في واقع البشر وتدافعهم السياسي والحضاري، وقد أثبتت هذه الملحمة القدرة على الفعل، ومحدودية القدرة الإسرائيلية مهما امتلكت "إسرائيل" من قوّة فائضة متعددة الأوجه مدعومة بالقوّة الأمريكية الجبارة غير المسبوقة في تاريخ البشر، بيد أنّه وباستثناء قلّة من بعض المقاومات في المنطقة التي قررت أن تشارك الغزيين شيئا من الدم والفعل، رفض الجميع الالتحاق بهذه الفرصة، وأعادوا استثمارها عكسيّا لتحصيل مكاسب ضيقة
ساري عرابي يكتب: اليوم، وفي ذكرى السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، لن تجد الحضور المستحق لذلك اليوم بفرادته على إثبات القدرة على الإمساك بزمام الإمكان، ومن ثمّ فردّ الحركة، ومهما كان تقييمه، سيبقى الموقف منه لدى شرائح عربية وإسلامية غير منفصل عن التأثّر بمسارات الإبادة التي أرادت محو ذلك اليوم من وعي الجماهير العربية والفلسطينية، بحيث تعجز بعض القراءات الناقدة عن الفصل الدقيق بين النقد للحسابات المحيطة بقرار ذلك اليوم، وبين المراجعة التأثيمية للنفس والمفضية إلى أنّه ما كان لها أن تسعى إلى الإمكان أصلا
ساري عرابي يكتب: مهما كان مآل هذه الخطة وكيفية التعاطي معها، سواء أنفذت أم لا، وافقت عليها حماس في أيّ إطار كان، كأن توسع إطار اتخاذ القرار في أمر بات أوسع حتى من الإبادة الهائلة، أم لم توافق عليها، فإنّ من يتحمّل المسؤولية عن النتيجة على حاليها، هو من خذل الفلسطينيين في غزة، وتآمر عليهم، ولم يستثمر الفرصة العظيمة التي أعطيت للعرب والمسلمين ليكونوا بشرا مرئيين وفاعلين في هذا العالم لأوّل مرّة منذ عقود طويلة
ساري عرابي يكتب: إسرائيل تمثل خطرا على الأمن القومي العربي، واستقلال المنطقة، وخياراتها الحرّة، بنزوعها للهيمنة، وما يبدو في سلوكها من نزوع إمبراطوري واضح. وهذا الكلام حق، ولكن بشرط أن تراه الحكومات العربية كذلك، إذ لا يوجد مفهوم للأمن القومي العربي. والدول العربية التي أقدمت على التطبيع التحالفي مع إسرائيل، لم تفعل ذلك إلا لأنّها مؤمنة بحتمية الهيمنة الإسرائيلية، وهي تريد أن تستفيد من هذه الهيمنة، فهي مدركة لها، ولكنها لا ترى فيها بأسا
ساري عرابي يكتب: تتجلى سياسات الاستيطان والحصار الخانق والقتل المستمر اندفاعا نحو إعدام الإرادة الفلسطينية في التحرر، لا باعتبارها ردّا على المقاومة الصريحة