قضايا وآراء

"أبواب الجحيم".. هل بدأت خطة ترامب العاجلة لإنقاذ إسرائيل؟!

"إجراءات اتخذها ترامب في بداية ولايته، وفي وقت متزامن مع زيارة نتنياهو للولايات المتحدة"- الأناضول
"لا يجب أن تكون يهوديا لتصبح صهيونيا".. ربما تكون هذه العبارة التي تكررت في تصريحات الرئيس الأمريكي السابق "جو بايدن" مفتاح السر وراء الإجراءات التي يتخذها الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" بخصوص إسرائيل، فهذه الإجراءات من جهة مزايدة سياسية في سياق تنافسي في مواجهة جو بايدن والديمقراطيين، وهي من جهة أخرى ممارسة لهواية يتقنها ترامب لمساومة قادة العالم العربي وابتزازهم.

حتى لحظة كتابة هذا المقال -وفي فترة لا تتجاوز الشهر- هدد ترامب غزة بفتح أبواب الجحيم مرتين، الأولى قبل توليه السلطة عندما توعد المنطقة بالجحيم إن لم يتم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل يوم تنصيبه في العشرين من كانون الثاني/ يناير، المرة الثانية عندما هدد المقاومة بفتح أبواب الجحيم إن مرت ظهيرة يوم الخامس عشر من شباط/ فبراير دون تسليم "جميع الرهائن"، هذه التهديدات المستمرة في مواجهة الجانب الذي يدافع عن حقوق الفلسطينيين، تقابلها مرونة وعناية خاصة في الجانب التي توجد فيه إسرائيل.

خطة إنقاذ إسرائيل
هذه السلسلة من التصريحات والقرارات المتتابعة وبهذه الكثافة لا يمكن اعتبارها قرارات طبيعية وفق خطط مدرجة في جدول أعمال ترامب، بل هي خطة إنقاذ عاجلة يتخذها ترامب "لتعويم" الموقف الإسرائيلي المهزوم استراتيجيا والمأزوم على أصعد مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية

في الأيام الأولى لولايته، وقع ترامب حزمة من القرارات الهامة، تشمل إجراءات تنفيذية منتقاة ضد بعض الجهات الدولية التي دعمت القضية الفلسطينية واتخذت إجراءات مضادة لإسرائيل خلال معركة طوفان الأقصى، وفي مقدمة تلك المواقف التي اتخذها ترامب، قرار تنفيذي خاص بالمحكمة الجنائية الدولية، حيث فرض عليها عقوبات عبر إعلان حالة الطوارئ الوطنية للتعامل مع التهديد الذي تمثله جهود المحكمة، منتقدا إصدارها أوامر اعتقال لرئيس الوزراء الإسرائيلي ببنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يواف غالانت، وعتبر أن المحكمة انخرطت في "أعمال غير مشروعة ولا أساس لها" تستهدف الولايات المتحدة وحليفتها الوثيقة إسرائيل، وأنها "ادّعت -من دون أساس- اختصاصها على أفراد من الولايات المتحدة وبعض حلفائها، بما في ذلك إسرائيل". ويتصل هذا الموقف الرسمي بتهديدات سابقة ضد مدعي الجائية الدولية السيد "كريم خان" قادتها مجموعة من أعضاء الكونجرس الأمريكي الجمهوريين، حينما وجهوا خطابا حمل تهديدات للمدعي العام للجنائية الدولية وأسرته وأعضاء محكمته، ما اعتبرته دول عديدة هدما لمنظومة العدالة الدولية حيث مثلت هذه الإجراءات أولي خطوات الإنقاذ التي يقودها ترامب دعما لإسرائيل.

أما الخطوة الثانية في ذات الاتجاه، فقد اتخذها ترامب ضد دولة جنوب أفريقيا، ردا على موقفها الذي اتخذته ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، لاتهامها بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. ووقع ترامب أمرا تنفيذيا يقضي بعدم تقديم أية مساعدات مالية أو معونات لجنوب أفريقيا من قبل الولايات المتحدة، متعللا بقانون أصدرته جنوب أفريقيا يقضي بمصادرة بعض الممتلكات بموجب إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة، وهو ما اعتبره ترامب تمييزيا بحق "المزارعين البيض"، ووصف ذلك بأنها ممارسات ظالمة وغير أخلاقية. لكن الأمر التنفيذي اشتمل على السبب الرئيس لإصداره، وهو ما عبر عنه بارتكاب جنوب أفريقيا "انتهاكات حقوق الإنسان والتهديدات الأمنية الوطنية المحتملة التي تشكلها قرارات السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا، بما في ذلك علاقاتها مع إيران وموقفها من إسرائيل".

خطوة أخرى اتخذها ترامب في اتجاه إنقاذ إسرائيل، تمثلت في إصدار أمر تنفيذي يقضي بإلغاء العقوبات التي وقعتها إدارة بايدن في شباط/ فبراير 2024 على عدد من المستوطنين الذين ارتكبوا أعمال عنف ضد فلسطينيي الضفة الغربية، ضمن عمليات الإخلاء القسري للسكان الفلسطينيين من قراهم وتدمير ممتلكاتهم.

لم تتوقف خطة ترامب عند هذا الحد، بل شملت إجراءات أخرى لدعم إسرائيل، من بينها إرسال شحنة القنابل الغبية الثقيلة "MK-84" والتي كانت الإدارة الأمريكية فيي  أواخر أيام "بايدن" قد علقتها، وهو ما يُعَدُّ إذنا أمريكيا بارتكاب مزيد من أعمال الإبادة في حق الفلسطينيين؛ في جولة جديدة ربما تُعِدّ لها إسرائيل بمعاونة ترامب.

أضاف ترامب بندا آخر إلى خطته في إنقاذ إسرائيل، حيث أصدر أمرا تنفيذيا يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ووقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". والسبب المعلن من إدارة ترامب هو اتهامات لمجلس حقوق الإنسان بانتهاج سياسات ضد إسرائيل، كما أن وقف تمويل الأونروا ينسجم مع إجراءات اتخذتها إسرائيل بالفعل وأوقفت بموجبها ترخيص المنظمة في القدس والأراضي المحتلة.

هذه الإجراءات التي اتخذها ترامب في بداية ولايته، وفي وقت متزامن مع زيارة نتنياهو للولايات المتحدة، تنضم لتصريحات أخرى صرح بها ترامب عن "مساحة إسرائيل التي تبدو صغيرة على الخريطة"، وأنه -ترامب- لطالما فكّر كيف يمكن توسيعها، ثم تصريحات شديدة الغرابة عن رغبته في الاستيلاء على قطاع غزة بعد طرد سكانه منه لجعله "ريفيرا" جديدة في الشرق الأوسط.

هذه السلسلة من التصريحات والقرارات المتتابعة وبهذه الكثافة لا يمكن اعتبارها قرارات طبيعية وفق خطط مدرجة في جدول أعمال ترامب، بل هي خطة إنقاذ عاجلة يتخذها ترامب "لتعويم" الموقف الإسرائيلي المهزوم استراتيجيا والمأزوم على أصعد مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية.

هل يستطيع ترامب إنفاذ خطته العاجلة بذات الوتيرة المكثفة، أم أن تفاعلات العالم والمنطقة ستجبره على خفض سقف دعمه لإسرائيل؟

لكن ما سبب هذه الخطة العاجلة لإنقاذ إسرائيل؟ وهل تحتاجها إسرائيل بالفعل؟

أحدثت معركة طوفان الأقصى خرقا في تعريفات الأمن القومي الإسرائيلي والذي تم تصميمه على ضرورة التفوق العسكري والتقني والتكنولوجي على جيرانها، حيث تعرضت إسرائيل (وفق إمكانيات المقاومة التقليدية) لهجوم بري وبحري وجوي متزامن، أسقط فكرة التفوق بكل محدداتها، ما اضطر إسرائيل لخوض معركة طويلة مدمرة ارتكبت فيها فظائع، أدت لإدانتها في المنابر القضائية الدولية للمرة الأولى -بهذا الوضوح- بارتكاب جرائم إبادة جماعية، على جانب آخر تعرضت "لردَّات" فعل شعبية ورسمية لم تتعود الدبلوماسية الإسرائيلية على مواجهتها، وهو ما يفيد بحاجة إسرائيل لهذه الخطة التي يتعجل ترامب في إقرارها.

ترامب - بلفور

هذه الخطة العاجلة للإنقاذ التي تشمل هذه الإجراءات المكثفة، تجعلنا أمام لحظة شبيهة بالموقف البريطاني الداعم لنشأة إسرائيل عبر إصدار "وعد بلفور"، فما أعلنه ترامب عن رغبته بالاستيلاء على غزة، وتصريحاته التي تفيد بموافقته على ابتلاع الضفة، وضغطه على الأردن ومصر لاستقبال موجات التهجير القسري أو الطوعي، أمور تنسف محددات القضية الفلسطينية الكبرى (السيادة على الأرض وعودة اللاجئين)، وتنضم لإجراءات سابقة اتخذها ترامب في ولايته الأولى بخصوص القدس؛ تضمنت نقل السفارة الأمريكية إليها، ما أدى للمساس بحق الفلسطينيين بالقدس الشرقية كعاصمة.

الأيام القادمة سوف تكشف عن إجابة سؤال: هل يستطيع ترامب إنفاذ خطته العاجلة بذات الوتيرة المكثفة، أم أن تفاعلات العالم والمنطقة ستجبره على خفض سقف دعمه لإسرائيل؟