قضايا وآراء

ملاحظات عامة حول تناقضات مشروع "التحرير الوطني" في تونس

ممّن ستتحرر تونس ولماذا؟ جيتي
منذ حملته الانتخابية -أو "الحملة التفسيرية" حسب الشبكة المفاهيمية للخبير الدستوري قيس سعيد وأنصاره- كان واضحا أنّ المشروع السياسي المطروح لا يمكن أن يتحرك تحت سقف "الديمقراطية التمثيلية" والنظام البرلماني المعدل؛ إلا بصورة مؤقتة يفرضها الدستور وتوازنات القوة بين مختلف الفرقاء. ورغم حرص السيد قيس سعيد على تأكيد "المفاصلة" بينه وبين مجمل الحقل السياسي بحكومته ومعارضته -مع إدانة الصراعات الهوياتية واعتبارها تزييفا للوعي الجماعي- فقد جاءت الأحداث لتؤكد أن مشروع "الديمقراطية القاعدية" قد استصحب الصراع الهوياتي، بل عمّق الانقسام الاجتماعي وخطابات الكراهية، كما أكدت الأحداث أنّ مسافة الرئيس من مختلف الفاعلين الجماعيين ليست واحدة، بل هي مسافات متفاوتة قد تذوب أحيانا -خاصةً في علاقة الرئيس بالنواة الصلبة للمنظومة القديمة- لتتحول إلى تقاطع أو التقاء موضوعي أو "تعامد وظيفي".

ولا شك في أن التأصيل الدستوري لـ"تصحيح المسار" باعتباره مواجهةً للخطر "الداهم" وحالةَ استثناء مؤقتةً هدفها إعادة مؤسسات الدولة إلى سيرها الطبيعي؛ لم يكن إلا خيارا تكتيكيا ضمن استراتيجية كبرى ترفض منطق "الشراكة" وتتحرك بمنطق البديل. فـ"الخطر الداهم" تحوّل إلى "خطر جاثم"، وحالة الاستثناء تحولت إلى مرحلة انتقالية تؤسس "جمهورية جديدة" بدستور جديد ونظام رئاسوي ينفي الحاجة لمختلف الأجسام الوسيطة، خاصةً الأحزاب والبرلمان.

وبعد أن نجح الرئيس في إعادة هندسة المشهد السياسي التونسي بتمرير خارطة طريقه الثلاثية (الاستشارة الإلكترونية، الاستفتاء على الدستور الجديد، الانتخابات البرلمانية بنظام الاقتراع على الأفراد وبصلاحيات شبه معدومة للنواب)، وبعد أن فشلت منظومة الحكم في إنجاز وعود "الرفاه الاقتصادي" وتحقيق المقبولية/ المشروعية الشعبية، اندمجت في السردية الرئاسية مطالب محاربة الخطر الجاثم ومقاومة الفساد والتصدي لأعداء الدولة والشعب في مفهوم جامع هو "التحرير الوطني". وهو طرح سنحاول بيان تناقضاته سواء في إدارة الشأن الداخلي أو في بناء المواقف من القضايا الخارجية دون أن نغفل عن العامل المحدد لذلك كله: الموقف من "منظومة الاستعمار الداخلي".

رغم تضخم المسألتين الاقتصادية والاجتماعية في السردية الرئاسية، فإننا نلاحظ أن "المنطق الأبوي" للرئيس يربط كل الأزمات بالمنتظم السياسي والأحزاب -خاصة حركة النهضة- مع نفي ثابت لأية مسؤولية للنظام عن الأزمة المتفاقمة. فالرئيس الذي أقر بوجود مال سياسي فاسد -من الداخل والخارج- يتحكم في القرار السياسي وفي الإدارة العمومية على حد سواء، يبني على هذه المقدمة الصحيحة نتائج خاطئة

إن مشروع "التحرير الوطني" يستدعي بالضرورة جملة من الأسئلة: ممّن سنتحرر ولماذا؟ كيف سنتحرر في ظل علاقة التبعية البنيوية لفرنسا وفي ظل التحالف الصريح مع محور "الثورات المضادة"؟ ما هي الأطراف المعنية بالمشروع والمعادية له داخليا وخارجيا؟ هل يمكن إنجاح مشروع التحرير الوطني دون مواجهة "منظومة الاستعمار الداخلي" بأجنحته الجهوية والمالية والأيديولوجية؟ كيف يمكن تحرير الوطن دون تقوية الجبهة الداخلية، أو كيف يمكن التحرير في ظل خطاب سلطوي يكرس الانقسامات الأيديولوجية؟ هل يوجد في الرأسمال البشري للسلطة وحزامها السياسي والنقابي والمدني والإعلامي من يمكن أن يؤتمن على مشروع التحرير الوطني، خاصة إذا ما استحضرنا علاقة كل هؤلاء بمنظومة الاستعمار الداخلي قبل "تصحيح المسار"؟ إنها أسئلة نطرحها للنقاش العمومي على أنصار تصحيح المسار وخصومه، وإن كنا سنحاول أن نجيب على بعضها بصورة مختزلة وتحتاج إلى تفصيلات في مواضع أخرى.

رغم تضخم المسألتين الاقتصادية والاجتماعية في السردية الرئاسية، فإننا نلاحظ أن "المنطق الأبوي" للرئيس يربط كل الأزمات بالمنتظم السياسي والأحزاب -خاصة حركة النهضة- مع نفي ثابت لأية مسؤولية للنظام عن الأزمة المتفاقمة. فالرئيس الذي أقر بوجود مال سياسي فاسد -من الداخل والخارج- يتحكم في القرار السياسي وفي الإدارة العمومية على حد سواء، يبني على هذه المقدمة الصحيحة نتائج خاطئة. فالمنطق يقول بأن هيمنة الكارتلات المالية (أي العائلات الريعية) على السياسة والإدارة والاقتصاد يجعل من تلك الكارتلات العدوَّ الأول للدولة والشعب -وبالضرورة العدو الأول لمشروع التحرير الوطني- بينما لا يمكن اعتبار الفساد السياسي أو الإداري إلا آثارا منبثقة من ذلك الفساد الأصلي، لكنّ الرئيس لا يتحرك بهذا المنطق.

إن العدو الحقيقي للشعب في السردية الرئاسية هو الأحزاب -خاصة حركة النهضة التي يستعير معجم القوى الشيو-تجمعية في توصيفها والتعامل معها بطريقة تتراوح بين الاستئصال الصلب والاستئصال الناعم- والفساد الإداري ليس نتيجة تشريعات وشبكات زبونية وأيديولوجيةـ أي شبكات "الرعاية المتبادلة" التي يُهيمن عليها المُركّب المالي- الأمني- الجهوي، بل الفساد هو نتيجة "اختراقات" قامت بها بعض "الأطراف" التي تريد "تعطيل مسار تحقيق مطالب الشعب التونسي" على حد قول الرئيس.

أما الفساد الاقتصادي فإن سببه ليس الاقتصاد الريعي أو الفساد النقابي، بل هو مربوط بتلك "الأطراف" التي تحركها الأحزاب. ولا شك في أن هذا المنطق -بقمعه التفكير في "الاختراق الكبير" أو "الاختراق التأسيسي" برعاية "نخب الاستقلال" التي حمت مصالح فرنسا وقنّنت وضعية التبادل اللا متكافئ معها- يحرف مشروع التحرير الوطني عن مداره الحقيقي ويضعه في مدارات زائفة تغطي على علاقة "التعامد الوظيفي"؛ بين مشروع الرئيس ومنظومة الاستعمار الداخلي.

توجد في السياسة قاعدة تقول بأن الحاكم الحقيقي لأي بلد هو ذاك الطرف الذي تخشى الحديث عنه، وقد لا يكون هو الطرف الذي يهيمن على واجهة السلطة بالضرورة. ويحتاج هذا الطرف إلى توجيه الرأي العام بصورة تضمن بقاءه خارج دائرة السجال العمومي. ولا شك في أن الحاكم الحقيقي لتونس -أو الوكيل الحصري للقوى الإقليمية والدولية- هو منظومة الاستعمار الداخلي. وهي منظومة ورثت الاستعمار المباشر وأدارت ما يسمى مجازا بالدولة الوطنية. ويمكننا أن نقسم هذه المنظومة إلى جناحين: جناح مالي- جهوي- أمني (يمثل النواة الصلبة ولم يدخل الرئيس معه في أي صراع قبل إجراءات 25 تموز/ يوليو وبعدها) وجناح أيديولوجي نقابي، إعلامي، مدني، ثقافي، تربوي.. الخ (يمثل الملحق الوظيفي، وهو الجناح الأضعف وقد يكون موضوع استهداف من الرئيس والنواة الصلبة للمنظومة).

كيف يمكن الحديث عن تحرير وطني في ظل تحول تونس إلى قاعدة متقدمة للفرنكفونية في الوقت الذي تتنافس فيه دول جنوب الصحراء على التحرر من النفوذ الفرنسي؟ وكيف يمكن تصديق هذه السردية في ظل علاقة التعامد الوظيفي بين "تصحيح المسار" وبين النواة الصلبة للمنظومة القديمة ورساميلها البشرية والرمزية؟ وكيف يمكن أن ينجح أي مشروع للتحرر الوطني في مشهد يسوده الانقسام وتغيب عنه التوافقات اللازمة لبناء المشترك الوطني أو الكلمة السواء؟

ولن يجد المشتغل بالشأن التونسي أية إشارة رئاسية لمنظومة الاستعمار الداخلي ولا إلى دورها -ودور حلفائها الإقليميين والدوليين- في إفشال مشاريع التحرير الوطني قبل الثورة وبعدها، ولن يجد أيضا أي حديث عن الكارتلات العائلية وعن احتكار تلك العائلات لأغلب القطاعات الاقتصادية. كما لن يجد ذلك الشخص أي انحياز لمشاريع التحرير الوطني في العالم العربي وجنوب الصحراء، فمواقف الديبلوماسية التونسية تتماهى مع المواقف الفرنسية ومع مواقف "محور الثورات المضادة"، وهو واقع يجعل من سردية "التحرير الوطني" مجرد استراتيجية سلطوية هدفها ضرب المعارضة بمختلف أشكالها وحماية مصالح الكارتلات والدولة العميقة التي كانت هي المتحكم الحقيقي في القرار قبل "الثورة" وبعدها؛ مهما كانت مزايدات أنصار تصحيح المسار أو خصومه، فالجميع يتحركون تحت سقف منظومة الاستعمار الداخلي منذ المرحلة التأسيسية إلى يومنا هذا.

رغم جاذبية سردية "التحرير الوطني" وقدرتها التحشيدية غير المنازَع فيها، فإن اختزالها في تدجين المؤسسات ومركزة السلطة وضرب المعارضة وحماية الكارتلات يجعلها تتحرك واقعيا ضد أهدافها المعلنة. فكيف يمكن الحديث عن تحرير وطني في ظل تحول تونس إلى قاعدة متقدمة للفرنكفونية في الوقت الذي تتنافس فيه دول جنوب الصحراء على التحرر من النفوذ الفرنسي؟ وكيف يمكن تصديق هذه السردية في ظل علاقة التعامد الوظيفي بين "تصحيح المسار" وبين النواة الصلبة للمنظومة القديمة ورساميلها البشرية والرمزية؟ وكيف يمكن أن ينجح أي مشروع للتحرر الوطني في مشهد يسوده الانقسام وتغيب عنه التوافقات اللازمة لبناء المشترك الوطني أو الكلمة السواء؟ إنها أسئلة مهمشة أو مقموعة سواء عند أنصار السلطة أو خصومها ولكننا نؤمن بأن زمن طرحها سيكون قريبا، أي عند بلوغ الأزمة البنيوية للنمط المجتمعي التونسي الحد الذي يجعل من الإشكالات السائدة (بأسئلتها وحلولها) ضربا من "العبث" الفاقد لأي سند شعبي.

twitter.com/adel_arabi21