آراء ثقافية

فتنة الموت

اختلف المفكرون والفلاسفة بشأن الموت- تويتر
تُسلب حياة الإنسان منه في لحظة مجهولة، فيبدو الموت قريبًا بعيدًا، ولكن حين يحل فلا مرد له ولا مهرب منه. تقدم الإنسان وطور عالمه لكن الفناء هو النهاية التي تنتظره وينتظرها. يشكل الموت أكبر المشكلات الفلسفية ومهما حاول الإنسان الفرار من مواجهة هذا الموضوع فسيواجهه لا محالة.

يقول أونامونو إن اكتشاف الموت هو الذي ينتقل بالشعوب والأفراد إلى مرحلة النضج العقلي أو البلوغ الروحي. وذهب شوبنهور إلى أن الموت هو الموضوع الملهم للفلاسفة، وإن عدم اهتمام المفكرين بدراسة الموت ليس إلا فرارًا من مواجهة هذا الموضوع الهام؛ فتجاهل الموت ليس إلا حالة هروبية غير صحية.

يقول بوسيه: إن اهتمام الناس بدفن أفكارهم عن الموت قد لا يقل شأنًا عن اهتمامهم بدفن موتاهم، فخوف الناس من الموت هو الذي حدا بهم إلى تجاهل التفكير في الموت أو العمل على تناسيه... (1). وقبل هؤلاء بكثير اعتبر أفلاطون أن الفلسفة برمتها هي تأمل للموت. أما سقراط فقد قال: علينا أن نغتم بالحياة ونفرح بالموت لأننا عشنا لنموت ونموت لنحيا.

في الموروثات الدينية حديث كثير عن الموت، وقد تكررت لفظة الموت أكثر من 100 مرة في القرآن الكريم تذكيرًا وموعظة ولكننا ننسى أو نتناسى. إن العزاء الذي قدمته الأديان للإنسان هو الوعد بحياة آخرى وإن هذا العالم ليس نهائيًا. لكن هذه التسلية لم تعز الكثيرين فبقي الموت المعضلة والمشكلة الفلسفية الكبرى التي تشغل الإنسانية. وقد اعتبر بعضهم فكرة الإيمان بالحياة الأخرى والخلود تفكيرًا بالتمني، وناتج عن الخوف من الموت.

آمن السومريون بالحياة بعد الموت وأن موتاهم سيعيشون في العالم السفلي مع (كور) كما آمن البابليون بأن موتاهم سيعيشون في العالم السفلي مع (آريشكيجال). وكان الكنعانيون يؤمنون أن البكاء على (أدونيس) وتمثيل عذاباته وموته سوف يعينه على فك قيوده والصعود به من عالم الموتى. ذلك أن العلاقة بين  الإنسان القديم والآلهة لم تكن علاقة اعتماد على طرف واحد بل كانت علاقة اعتماد متبادل. كما آمن المصريون بالبعث بعد الموت فلجؤوا إلى تحنيط موتاهم ووضعوا معهم كل المستلزمات التي يحتاجها المرء حين يعود ثانية إلى الحياة.(2)

على الرغم من حتمية الموت إلا أن كثيرين حاولوا التخلص من هذا القدر. يروى إن (دهاق الفارسي) حاول العثور على شجرة الخلد فطاف شرقًا وغربًا ولم يتمكن من العثور على تلك الشجرة. وحاول التركي (أفرسياب) سد منافذ قصره لكن الموت تخطى كل الحدود والسدود.

مع تطور الفكر الإنساني ظهرت كثير من النظريات التي تعاملت بطرق مختلفة مع الموت فالرومانسيون مثلا مجدوا الموت ووجدوا فيه جمالية وفتنة. يرى نوفاليس (1772-1801) وهو أعظم الرومانسيين أن الحياة تقوى من خلال الموت لأنه يفتح الأبواب المفضية إلى الخلود وإلى ما هو فائق للطبيعة، فالموت ليس عكس الحياة، وإنما هو اكتمالها "إن الحياة هي بداية الموت فهي توجد من أجله، والموت في الوقت ذاته هو النهاية والبداية".(3)

أما المتصوفة الذين لهم معجمهم الخاص ورؤيتهم المتفردة لله والعالم، للحب والموت، لا يرون الموت شرًا بل وسيلة للحياة الأسمى؛ فهو وسيلة للتخلص من ضيق الجسد البشري؛ فالصوفي دائمًا يحاول أن ينعتق من جسده ومن العالم.

بالموت تتخلص النفس من فرديتها، وتصبح جمعًا. إن الظمأ إلى الامتلاء، إلى الوجود الملئ، يدفع الصوفي العاشق نحو الموت الذي يتوجب عليه أن يعبره، لكي ينتقل من الجزئي إلى الكلي، لكي ينتقل إلى الحياة. "اقتلوني يا ثقاتي إن في موتي حياتي"، يقول الحلاج.(4) يموت الصوفي العاشق للحياة من أجل الحياة.

تتجلى عند المتصوفة صلة عميقة بين الجنس والدين من جهة، والموت من جهة أخرى، هذه الصلة تتمثل بالنشوة أو الانخطاف. يشكو الذين يخطفون من عجز الكلام عن وصف تجربتهم. ما لا ينقال جزء من لغة الموت؛ فالصوفية تكشف، عبر علاقتها باللغة، عن علاقتها بالموت. يأخذ الانخطاف من الموت قدرته السحرية فهو يمثل، مكثفًا في بضع لحظات، الانعتاق الكامل من كل ما يفصل بين الصوفي والمطلق الذي يبحث عنه ويتجه إليه. وهذا يذكرنا بالعقيدة الأورفيوسية التي تشير إلى أن إلهًا يسكن في الإنسان، وأن موت الجسد هو الذي سيحرره: "بعد موتك، تصير إلهًا". والانخطاف موت لكنه مؤقت.(5)

إن الصوفي مأخوذ بما لا ينال، بما لا يتحقق. ليس لأنه ضد ما يتحقق، بل لأن الذي يتحقق ليس إلا ظلًا أو صورة من معنى لا يستنفذ، ولا يحاط به. فما لا يريده الصوفي لا تحقق له؛ يظل غيابًا. ومن هنا يكون الموت، الغياب عن الصورة والحضور في المعنى، الطاقة التي يتحقق بها ما لا يتحقق. الموت بهذا المعنى حياة ثانية بل هو الحياة التي لا موت بعدها.(6)

ألا يمكن لنا أن ننظر للموت بطريقة أخرى غير أنه نهاية حزينة وتعيسة قهرت بها الكائنات؟ ألا يوجد في عالم الأدب والفن نماذج لأشخاص فتنهم وسحرهم الموت وأرادوا قدومه، بل تسريع قدومه لأنهم رأوه النهاية المثالية لاكتمال حياتهم؟

يقدم الفيلم (ذا دوورز) سيرة حياة رئيس فرقة الروك آند رول الأمريكية "جيم ماريسون" الذي توفي في باريس 1971 في ظروف غامضة عن عمر يناهز 27 عامًا. يبدأ الفيلم بمشهد من طفولة ماريسون؛ مجموعة من الأجساد الميتة لهنود حمر ألقوا من شاحنة. يرى جيم مشهد الأجساد الميتة دون أن يدرك ماذا يعني الموت، وتصيبه حالة من الذهول لرؤية هذه الأجساد، لم يخف الطفل ولم يرتعد لكن شيئًا ما يشبه الفتنة أصابه. يظل المشهد يتردد في ذاكرة جيم فيراه في يقظته وأحلامه حتى بعد أن يصبح شابًا. مات ماريسون في أوج شهرته وشبابه في ظروف غامضة يقال إنها نوبة قلبية ويقال إنها انتحار، وكان قد حاول الانتحار قبلها.

إن تحول الإنسان من الخوف من الموت إلى الرغبة فيه واللجوء إليه لا يمكن أن ينظر إليه فقط كنوع من الهروب والاستسلام، فللتلاشي والاختفاء لذة ومتعة.

ألم يختم (فنسنت فان غوخ) رسالة انتحاره لأخيه بقوله: "وداعًا يا ثيو سأغادر نحو الربيع"؟ كيف لمن يرى الموت شرًا أن يطلق عليه وصف الربيع؟ لو لم يفتن الموت فنسنت لما أختاره وهو لم يبلغ الأربعين.
قرر تشيخوف الاحتفال لحظة معرفته بموته، ثم عاد للنوم، تصف زوجته أولغا ما حدث بقولها إنه استيقظ في ساعات الليل الأولى، ولأول مرة في حياته طلب أن يحضر الطبيب، وحين وصل الطبيب الألماني، جلس تشيخوف وقال بصوت عال وواضح بالألمانية التي لا يجيدها: "أنا أموت"، ثم طلب الطبيب أن يحضروا زجاجة شمبانيا، تتابع أولغا: "تأمل أنطوان الكأس الممتلئ، ابتسم لي وقال: "لم أشرب الشامبانيا منذ وقت طويل"، ثم شرب الكأس بأكمله، استدار على جانبه الأيسر، ثم صمت للأبد.
هذه مختارات من شعر رين هانغ (1987-2017) هو شاعر ومصور صيني مات منتحرًا:
الشغّفُ بالموتِ طاقةٌ للحياة
*
الْحَيَاةُ بطبيعتها نقية
فخورٌ بيديَّ لأني بهما دَمّرتُ حياتي،
بينما الآخرون دُمِرت حياتهم بأَيْدٍ أُخرى.
*
في الظهيرة
استيقظتُ على زقزقة العصافير
لو كنت أملكُ بندقية
لأطلقتُ النار عليها جميعاً
لأن الكون لا يحتمل هذه الروعة
*
أعترف أن الحياة هِبّةٌ ثمينة
ولكني أعتقد
إنها قد وهِبت للشخص الخاطئ
****
قرر رين هانغ الرحيل وهو في أوج تألقه شابًا ناجحًا ومشهورًا، ونستطيع من خلال الوقوف على كتابته وصوره أن نرى سحر الموت الذي سيطر عليه وفتنه.

قد تبدو العديد من الأمثلة المطروحة فيما تقدم دليلًا على أشخاص أرادوا الخلود من خلال موتهم؛ فالرحيل بطريقة مفاجئة واستثنائية لفنان معروف من شأنها أن تخلد الفنان أكثر. أهي فتنة التلاشي أم فتنة الخلود؟ وماذا نقول فيمن استهزأوا بالخلود؟

في القرن السادس قبل الميلاد، فرَ لاوتسو، مع حماره، يائسًا من رداءة الناس، استمر طول عمره يرفض تدوين تعاليمه. كان يقول: "المشاء الجيد لا يترك وراءه أثرًا". قبض عليه حرس الحدود وأجبروه على تسجيل حكمته؛ خلدوه بالأمر.

في روايته الخلود يجمع ميلان كونديرا بين أديبين من زمنين ومكانين مختلفين هما: الألماني يوهان غوته والأمريكي إرنست همنغواي. وفي حوار متخيل يعبر همنغواي لغوته عن شعوره تجاه الخلود فبعد أن عاش حياته غير آبه بالخلود انتبه في نهاية حياته إلى أن الخلود يضمه بين ذراعيه. يتخيل همنغواي في مخيلة كونديرا أن زوجاته مقرفصات يكتبن كل ما يعرفنه عنه ووراءهن ابنه وأصدقائه، ويهرع خلف كل هؤلاء جيش من الصحفيين والأساتذة الجامعيين ملفقين آلاف المقالات ومئات القصص. إنه لأمر مرعب فإرنست بدل أن يتخفف برحيله بعد أن ظن أنه وضع حدًا لحياته تفاجأ بأنه غير قادر على وضع حد لخلوده. وبهذا فإن ما يفتن بالموت وهو التلاشي انقلب ضده.

بين سحر التلاشي والخلود فتن الموت الكثيرين فمشوا إليه مسرَعين قدومه. وقلبوا الحال فبدل أن يفروا منه هرعوا إليه. أنظرُ إليهم فأراهم غير قادرين على البقاء لحظة واحدة أكثر فالموت يغويهم وقد حان وقت الرحيل.

مصادر:
انظر: جاك شورون. الموت في الفكر الغربي ص 19
2- مصطفى صمودي. من جلجامش إلى نيتشه ص22
3-  جاك شورون. الموت في الفكر الغربي ص 20-21
4- أدونيس. الصوفية والسريالية ص 107
5- المرجع السابق
6- أدونيس. الصوفية والسريالية ص 112