قضايا وآراء

استقالة أطباء مصر كارثة سببها تدني الإنفاق الصحي الحكومي

1300x600

بيان صادم أصدرته النقابة العامة لأطباء مصر في منتصف شهر نيسان/ أبريل الجاري، تكشف فيه عن الخطورة البالغة لتردى الوضع الصحي في مصر، مما دفع بعشرات الآلاف من الأطباء لتقديم استقالاتهم من العمل الحكومي، والتوجه للعمل الخاص في المجال الطبي وغيره أو الهجرة للخارج، وذلك بأعداد تتزايد عاما بعد عام.

دور نقابة الأطباء  

وجاء بيان النقابة مؤكدا أهمية دورها للمساهمة في وضع السياسات الصحية، حيث ذكرت أنه يقع على عاتقها مسؤولية الإسهام في وضع السياسات الصحية والحفاظ على مهنة الطب. ومن الواضح أن تلك الصيغة، جاءت للرد على استبعاد النقابة تماما وإقصائها عن المشهد الصحي، من خلال قانون إنشاء المجلس الصحي المصري رقم 12 لسنة 2022، الذى أهمل الإشارة إلى نقابة الأطباء ضمن تشكيل مجلس الأمناء المهيمن على المجلس، ويشمل وزراء الدفاع والداخلية والمالية والصحة والتعليم العالي وآخرين، وكان ذلك بمنزلة معول الهدم الأخير لوجود نقابة الأطباء؛ كعنصر أساسي يساهم في وضع السياسات الصحية حسب قانون نقابة الأطباء رقم 45 لسنة 1969 .
  
عام 2019، صدرت دراسة للاحتياجات وتوصيات حكومية رسمية لم يتم الاهتمام بها، وكانت هناك دراسة تم إعدادها في شهر آذار / مارس عام 2019 من طرف لجنة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتعاون مع وزارة الصحة والسكان، توضح مدى احتياج مصر للأطباء البشريين والمقارنة بالمعدلات العالمية. ذكرت الدراسة أن أعداد الأطباء البشريين المرخص لهم بمزاولة مهنة الطب حتى أخر عام 2018 بدون الأطباء على المعاش، تقدر بـ 212 ألفا و835 طبيبا، بينما من يعمل وقتها فعليا في مصر بالجهات المختلفة التي تشمل وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية الحكومية والخاصة وجامعة الأزهر والمستشفيات الشرطية، عددهم تقريبا 82 ألف طبيب فقط، أي بنسبة 38 بالمئة من القوة الأساسية المرخص لها مزاولة مهنة الطب، وتلك نسبة متدنية جدا، رغم أنه توجد وفرة في أعداد الأطباء المسجلين رسميا على الورق قياسا إلى عدد السكان.

المشكلة الأساسية هي في هروب الأطباء من مصر للخارج، ومن ثم فإن مشكلة مصر ليست في نقص الأطباء، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن الأطباء هربوا إلى الخارج لعدة أسباب منها: 

أولا ـ فساد بيئة العمل: وتشمل سوء حالة المباني ونقص التجهيزات والآلات والأدوات والأدوية والمستلزمات، وفساد بروتكولات العمل من طول ساعات العمل ومنع الإجازات.

ثانيا ـ الافتقاد إلى الأمن والأمان الوظيفي في العمل، وكثرة الاعتداءات على الأطقم الطبية بصورة شبه يومية؛ سواء من الأهالي أو من الشرطة، أو حتى من أعضاء السلك القضائي.

ثالثا ـ تدني الأجور بصورة عامة لا تتناسب مع الوقت ولا مع المجهود المبذول مع وجود نوع من التمييز بين الأطباء العسكريين والمدنيين، وأيضا تمييز وظيفي واضح بين الأطباء المدنيين أنفسهم؛ حسب مكان العمل من قطاع خاص أو حكومي، وفي الحكومي توجد الجامعات والصحة، وفي وزارة الصحة يوجد تفاوت كبير بين مسميات مختلفة مثل التأمين الصحي والمؤسسة العلاجية والمراكز التخصصية، وأمانة المستشفيات بالوزارة، وبين المستشفيات العامة والمركزية والوحدات الصحية.

رابعا ـ ندرة فرص التدريب والتأهيل والتعليم الطبي المستمر: معروف أن الطبيب لا بد له من دراسات عليا للتخصص الطبي، بالإضافة إلى أهمية التدريب والتأهيل المستمر طوال حياته العملية، وهذا الأمر أصبح صعبا جدا بعد غلق أبواب دراسات الماجستير والدكتوراه لغير العاملين بكليات الطب بالجامعات، ثم القرارات المتضاربة للحكومة مثل إلغاء برنامج الزمالة الطبية المهنية عام 2016 وفرض نظام البورد المصري، ثم عودة الزمالة عام 2019، ثم إلغاؤها عام 2022، وعودة البورد المصري حسب قانون إنشاء المجلس الطبي المصري، وفرض رسوم ومصاريف بمبالغ فوق طاقة وقدرات الطبيب الشاب في بدء حياته العملية، في حين أن دراسة برنامج الزمالة كانت شبه مجانية وتابعة لوزارة الصحة، ومن ثم فقد تزايدت القوى الطاردة للأطباء للخارج.

 

كان لقصور الإنفاق الحكومي تأثيره الواضح على المواطنين وإرهاقهم ماديا، في حين أصبح طاردا للأطباء بسبب القصور الواضح في توفير البنية التحتية من ناحية، وتهيئة فرص التعليم والتدريب والحياة الكريمة من ناحية أخرى.

 



ومن الناحية الميدانية، فإن المشكلة تنعكس على جودة وكفاءة وشمولية الخدمة الصحية المقدمة للمواطن المصري، بمعنى نقصها من ناحية الكم بسبب تدني نسبة عدد الأطباء إلى عدد السكان، حيث بلغت حاليا طبيب لكل 1162 مواطنا، حسب تقرير جهاز الإحصاء المصري، مقارنة بالنسبة العالمية التي تبلغ طبيبا لكل 434 مواطنا، ويعني أيضا نقصها من ناحية الكيف بسبب الندرة الواضحة في عدد كبير من التخصصات الطبية المهمة، مثل أطباء التخدير والرعاية الحرجة وطب الطوارئ. 

 

قصور الانفاق الحكومي على الصحة وإرهاق المواطنين ماليا:

ورد في بيان نقابة الأطباء، أنه بحسب الإحصائيات الرسمية، فإن جملة الإنفاق على الصحة بلغ 4.5 في المائة من جملة الإنفاق العام للدولة، ولكن المشكلة تكمن في أن 70 بالمئة هو إنفاق ذاتي من المواطنين أنفسهم، في حين يبلغ الإنفاق الحكومي نسبة 30 بالمئة فقط من جملة الإنفاق العام. ويؤكد ذلك، أنّه على الرغم من الوضع الاقتصادي القائم في البلاد ومستوى الدخل المنخفض، اللذين عبّرت عنهما بيانات جهاز الإحصاء، بإعلان وصول نسبة الفقراء في مصر إلى 32 في المائة من مجموع السكان، فإنّ الأسرة المصرية قد أنفقت أكثر من 55 في المائة من دخلها السنوي الصافي على الخدمات العلاجية.
 
حلول عرضتها الدولة وجميعها قاصرة ولا تواجه أصل المشكلة:
 
كان مثيرا للدهشة أن تأتي مقترحات حل مشكلة نقص أعداد الأطباء في إطار هزلي تماما، حيث تم الإعلان عن مبادرة رئاسية بتحويل الصيادلة إلى أطباء، وبتخريج دفعات استثنائية من الأطباء، وكلاهما يفتقد إلى الموضوعية. وقرار آخر بزيادة عدد كليات الطب. وتم هذا فعلا خلال السنوات الثلاث الماضية ولكن دون جدوى؛ لأن أعداد الاستقالات تتزايد أيضا، بسبب استمرار بقاء أسباب المشكلة قائمة، بل إنها تتفاقم أكثر. 

وقد أشاد بيان النقابة بأن القانون 184 لسنة 2020 قد أضاف بعض المزايا المالية لأعضاء المهن الطبية بتعديل بعض مواد قانون 14 لسنة 2014، ولكن لم يتم عرض المشكلة في أن هذا القرار جيد فعلا من حيث الشكل فقط، ولكنه فعليا لن يؤدي إلى زيادة حقيقية في دخل الطبيب، حيث إنه يرتبط براتب عام 2015 أي قبل تحرير سعر صرف العملة، وانهيار قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار بنسبة كبيرة جدا.

وكان الحل الهزلي الأخير هو ما سبق أن أعلنته وزيرة الصحة عام 2020؛ برفض أية زيادات مالية لأجور الأطباء، والاكتفاء بأنه يمكن للأطباء تشغيل عيادات خاصة، بالإضافة إلى العمل الحكومي وذلك يعتبر منحة من الدولة لتحسين الدخل، وبخصوص تلك النقطة؛ فقد أوضح بيان النقابة مدى التعنت الحالي في شروط ترخيص العيادات والمراكز الطبية الخاصة، مما يجعلها شبه مستحيلة على أرض الواقع.

وفى نهاية البيان الصادم، أعلنت نقابة الأطباء أنها تقدم هذا التقرير الذي تدعمه الإحصائيات والوقائع، وتستعرض فيه ما نادت به تكرارا من مطالبات للأطباء، وحذرت من معوقات استقرار المنظومة الصحية، على أن يكون محل دراسة للتغلب على صعوبات المنظومة الصحية.

عودة الطيور المهاجرة من الأطباء الأكفاء لابد له من تهيئة بيئة صالحة للعمل:

أصبح واضحا وبكل جلاء أن المشكلة الأساسية تكمن في قصور الإنفاق الحكومي على الصحة، الذى يبلغ نسبة 1.4 بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلي، وذلك بالمخالفة لتوصيات منظمة الصحة، التي تقرر نسبة المتوسط العالمي المناسب، وهو بما لا يقل عن 9 بالمئة من الناتج المحلي، وكان لقصور الإنفاق الحكومي تأثيره الواضح على المواطنين وإرهاقهم ماديا، في حين أصبح طاردا للأطباء بسبب القصور الواضح في توفير البنية التحتية من ناحية، وتهيئة فرص التعليم والتدريب والحياة الكريمة من ناحية أخرى.