قضايا وآراء

مفهوم السيسي للاستقرار يرسخ نمط القيادة الأبوية ويرفض التعددية والمحاسبة

1300x600
سأختار شعبي، سأختار أفراد شعبي، سأختاركم واحدا واحدا، من سلالة أمي، من مذهبي، سأختاركم كي تكونوا جديرين بي.. سأمنحكم أن تخدموني.. (محمود درويش بتصرف).

هكذا يختار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حواريه وإعلامييه وحتى منافسيه في الانتخابات. وفي لقاء حديث للسيسي مع الصحفيين المختارين لمرافقته على طائرته الرئاسية، خرج ليلقي عليهم السلام، فقط دون مؤتمر صحفي أو أسئلة يجيب عنها. وفي لقاء سابق عقب افتتاح أحد المشروعات، التقى بنفس هؤلاء الصحفيين ومنهم ياسر رزق ومصطفى بكري ونشأت الديهي وآخرين، وكان لقاء متلفزا. وقام الرئيس بالحديث عن أهمية مفهوم الاستقرار في مصر، وبطريقته المعتادة التي يجيدها يسألهم وينتظر الرد؛ قام الصحفيون كالببغاوات بترديد "الاستقرار" في صوت كروالي يليق بمؤتمر حزبي مؤيد للرئيس.

والاستقرار هو أحد المفاهيم الأثيرة والمفضلة للسيسي، كما كان مفضلا في خطابات الرئيس الأسبق مبارك الذي قامت عليه ثورة 25 يناير 2011، إلى جانب بعض المفاهيم الأخرى كالاصطفاف واليد الواحدة، وكثيرا ما ينذر المصريين بما يحدث في دول أخرى مثل سوريا من خلال الحروب الدامية بين الفرقاء كعواقب محتملة لأي اختراق لمفهوم الاستقرار.

وكثيرا ما تخرج بعض التصريحات عن الخطاب المجهز سابقا بما يريد من رسائل يستهدف إيصالها إلى المصريين، كما يخاطبهم ويعايرهم بقفرهم مرة، ويتحدث في اتجاه متناقض عن ضرورة بناء القصور الرئاسية، ويدخل في مشروعات كبيرة دون تخطيط أو دراسات جدوى أو جلب فائدة تعود على الفقراء والذين تردت حياتهم المعيشية بشكل واضح، خاصة في ظل سياسات الجباية التي باتت أحد موارد الاقتصاد المصري.

كما لا يمل السيسي من الإشارة إلى مؤامرات تحاك للوطن من أهل الشر بالداخل والخارج، والذي أصبح يشمل كافة القوى السياسية المدنية وأشخاصا محسوبين على النظام.

المهم كيف يرى السيسي مفهومه للاستقرار ويعتبره العمود الأساسي لنظامه؟ بالتأكيد يعني به استقرار النظام بعيدا عن أي احتجاجات داخلية قد تؤدي بالإطاحة به كما حدث في ثورة 25 يناير.

ولذلك، ينتهج نظام السيسي سياسة إغلاق الأبواب أمام أي نقد، معتبرا ذلك أحد الأخطاء التي تسببت في ثورة 25 يناير، وكذلك بتجريم كافة الاحتجاجات السلمية.

كثيرا ما يتحدث السيسي أيضا عن التماهي بين النظام والدولة (فالمسألة ليست النظام لكنها تعني الحفاظ على الدولة) التي جاء ليحافظ عليها من الانهيار!!

إذن محددات مفهوم الاستقرار لدى السيسي:

- إنه يقتصر على استقرار النظام، والأخير هو الدولة، فلا يشمل باقي مكونات الدولة من أحزاب ومجتمع مدني. ويعني ذلك ألا يقوم أحد بنقد سياسات الرئيس أو الوزارة أو حتى بمحاولة المشاركة في صنع القرار السياسي.

ولذلك يتم حبس قيادات أحزاب التيار الديمقراطي، فضلا عن آلاف الشباب الذين شاركوا في ثورة 25 يناير وعشرات من قياداتها، وكما حدث في شهري أيلول/ سبتمبر من عامي 2019 و2020، حيث تم حبس آلاف الشباب بعد دعوات للتظاهر ضد الرئيس السيسي بعد دعوة المقاول والفنان محمد علي للمواطنين بالتظاهر.

- أن مفهوم الاستقرار لا يتسع سوى لحزب تؤيده الحكومة (حزب مستقبل وطن) وتختار نوابه ونواب الأحزاب الأخرى. والرئيس هو المهيمن على كل السلطات التي يتم اختيارها على يد الأجهزة الأمنية، كما حدث في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ عام 2020.

- أن مفهوم الاستقرار لدى الرئيس السيسي يتناقض مع إجراء انتخابات تعددية حقيقية، كما حدث في 2018، حيث تم اختيار منافس غير معروف ومؤيد للرئيس، وتم إقصاء كل المرشحين الآخرين.

- باسم مفهوم الاستقرار تم استحداث عدد من التعديلات على دستور 2014 تتناقض مع جوهر الدستور ذاته، وخاصة في التمديد لفترات إضافية للرئيس، كما هيمن الرئيس بمقتضاها على الهيئات القضائية بشكل كامل.

- مفهوم الاستقرار في نظر السيسي لا يتضمن ولا يؤمن بفكرة المحاسبة من جانب أي نوع من الرقابة الشعبية أو السياسية أو القضائية، حيث يتحدث السيسي عن مفهوم آخر للمحاسبة، وهي المحاسبة الأخروية (فالله سوف يحاسبه عما فعل ويفعل كرئيس).

الاستقرار السياسي في مفهوم العلوم السياسية:

يشير الباحثون إلى مفهومين للاستقرار الأول هو الاستقرار الاجتماعي، ويعني حالة الهدوء والسكينة التي تسود في المجتمع، وتجعله قادرا على تحقيق أهدافه نتيجة لحالة التوازن الاجتماعي بين القوى والأحزاب والحركات السياسية والاجتماعية والدينية في المجتمع.

أما الاستقرار السياسي فيتعلق باستقرار المؤسسة السياسية بما تشمله من سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، وما تنطوي عليه من أحزاب وأيديولوجيات، ومن هنا فان الاستقرار السياسي هو جزء لا يتجزأ من الاستقرار الاجتماعي.

إذن يعني مفهوم الاستقرار في مفهوم العلوم السياسية استقرار المجتمع وليس النظام فقط، لكن ما يضمن ذلك وجود عدد من المؤسسات السياسية في المجتمع وأهمها: صحافة حرة تراقب وتنشر وتعبر عن الرأي العام، وسلطة تشريعية منتخبة بشكل حقيقي تراقب السلطة التنفيذية وتقوم بتشريع القوانين، ويدور النقاش داخلها معبرا عن توجهات الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية المختلفة.

ويعني وجود سلطة قضائية تتمتع باستقلال حقيقي بعيدا عن هيمنة السلطة التنفيذية.

وثالثا: أحزاب سياسية تتمتع بالقدرة على مخاطبة الرأي العام والقدر على رسم سياسات في مواجهة سياسات الحزب الحاكم، وخوض الانتخابات دون خشية من القبض على قياداتها أو مرشحيها.

يتحقق الاستقرار بوجود نظام انتخابي يضمن تمثيل جميع القوى الحزبية والسياسية التي تؤمن بالتداول السلمي للسلطة، وترفض استخدام العنف لتحقيق أهدافها.

مفهوم الاستقرار لا يعني ثباتا مجتمعيا أو وقوفا لكل القوى السياسية والحزبية خلف الرئيس القائد على نمط شعار "الكل في واحد"، الذي أطلقه الأديب المصري الراحل توفيق الحكيم في روايته عودة الروح، أو اعتبار الرئيس هو القيادة الأبوية للمجتمع، وعلى الجميع الالتزام بما يراه وبما يضعه من أفكار، فلا وجود هنا للرئيس الذي يفهم في كل شيء بعيدا عن المؤسسات الأخرى في المجتمع.

مفهوم الاستقرار السياسي لا يتحقق بإغلاق الميادين أمام رؤى المعارضة وفتحها أمام حزب الرئيس فقط.

مفهوم الاستقرار ومضمونه الحقيقي ينعكس في مشاركة المؤسسات المختلفة في صنع القرار والإيمان بمبدأ الفصل بين السلطات، وهو الذي يضمن عدم حدوث اضطرابات أو ثورات عنيفة تحرق الأخضر واليابس، والتي من أسبابها إغلاق السلطة لآذانها عن تطلعات المواطنين، وإغلاقها لمنافذ حرية الرأي والتعبير ومشاركة الأحزاب والقوى السياسية في العملية السياسية بشكل عام.

وبذلك يختلف هذا المفهوم عما يريده السيسي، والذي يستهدف في الحقيقة تغييب المعارضة السياسية والنقابية، ورفض المحاسبة الشعبية لسياسات الرئيس وقراراته.