قضايا وآراء

لبنان: مسيرة طاولة الحل المعقدة بين التعريب والتدويل

1300x600
كل العالم في لبنان ولا حكومة فاعلة فيه ولا قدرة على ولادة حكومة في زمن لا يملك المعنيون ترف الوقت.. الفرنسيون عبر مبادرتهم ومندرجتها وسفيرتهم الناشطة عبر المقرات وفي القنوات الدبلوماسية واللقاءات المعلنة والمضمرة، الأمريكان عبر معادلات الشرق الأوسط التي تبدأ من صنعاء وحلفائها في الخليج وصولا إلى بيروت، وبالتالي يعتقد الكثيرون أنها الحاضر المبطن في أي صفقة مع طهران وتاليا إيران حاضرة في لبنان. السعوديون حاضرون خاصة مع عودة السفير البخاري الذي يتحرك سرا وجهرا.. المصريون يعملون بالترابط مع الفرنسيين، وما لقاء الرئيس الحريري الأخير في مصر إلا جزء من دور مصري خلف الأضواء. وهنا يحضر الدور القطري بزيارة وزير الخارجية القطري الذي استطلع الآراء، وإن ذهب البعض للحديث عن "الدوحة 2"، أي اتفاق جديد في العاصمة القطرية على غرار اتفاق "الدوحة 1" عام 2008، علما أن الوزير القطري كان شفافا لحدود اللياقة الدبلوماسية: "الدعم مرتبط بالحكومة ونتكامل مع الجهود الدولية".

وبمعنى آخر، كلنا نبحث عن الحكومة الضائعة في برية السياسيين للذين باتوا يشكلون حالة قرف دولية وعربية، وما مضبطة الرئيس الفرنسي الأخيرة بحق جميع السياسيين إلا نوع من ذلك القرف في التمادي الحاصل بتجاهل مصير اللبنانيين العالقين بين معادلات مختلفة؛ ليس أقلها شكل لبنان الجديد أو زواله عن الخرائط التي تعد في رسم نيو شرق أوسط أو نيو شرق متوسط مع كل تعقيداته النفطية والغازية عبر محاور الغاز الجديدة. وهنا أسأل عن إسرائيل ودورها، ولا تنسى حبال الشد والجذب في ملفات الترسيم العالقة منذ مدة؟! وتاليا نتحدث عن منطقة تتبلور مع اتفاقيات جمة تبدأ من بداية الأرضية الإيرانية- الأمريكية، وكيف سيسكت الإسرائيلي أو يضرب أو ربما يغض طرفه، علما أنه يجوب الأرض والسماء لمواجهة برنامج إيران النووي. إن كل هذا الحضور يؤكد أن لبنان دخل مسيرة معقدة بين التعريب والتدويل للبحث عن حلول، ولكن كم هي كلفة التناقضات الدولية- الدولية في لبنان والعربية- العربية التي ربما بالقدر التي تشكل رافعة قد تشكل أداة تعقيد للجميع.

الطاولة قادمة

إن ثمة اعتقاد بأن كل الحراك الدبلوماسي الذي يجري نحو لبنان، يأتي منسّقاً مع الرئيس الفرنسي الذي يعمل على ضبط الإيقاع، وهذا ما أشار اليه الوزير القطري من بعبدا لمحاولة استثمار جهود الجميع في تأمين "حل لبناني مُستدام"، وما حقيقة الازدحام نحو بيروت لمحاولة انتشالها من عذابات ذوي القربى، إلا مؤشّر على ترتيبات لـ"طاولة" لن تعقد إلا في لبنان على ما أعتقد، واستجابة للرؤية نحو مفهوم التسوية الذي يحاك في المنطقة، وانصياعا للرغبة الفرنسية الظاهرة بتدشين طاولة حوار لبنانية- لبنانية، وذلك لصوغ اتفاق جديد أقل من التعديلات التي طرأت على دستور الجمهورية الأولى في الطائف، وحتما أكبر دستوريا واجتماعيا، أي عقد اجتماعي سياسي على ما قال الرئيس ماكرون نفسه من بيروت بعد انفجار المرفأ، والذي سيكون حكما أكبر من اللقاء الذي أنتج اتفاق الدوحة، وربما تنفرد فرنسا بالرعاية بعد الضوء الأخضر الأمريكي الذي يعتقد أن الرئاسة الفرنسية قد حازت عليه من إدارة الرئيس جو بايدن. وهنا من سيدفع ثمن هذه التعديلات ولمصلحة من ستكون في زمن العصبيات والتشنج المفرط؟ الكل يرغب في قضم الحصص، ولكن هل تبادر إلى الأذهان ثمن الخسائر؟!!

التدويل حاصل: البابا البطريرك والمطران شهود..

مطلع الأسبوع وأثناء استقباله أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في الفاتيكان، خرج البابا متمنياً أن "يشهد لبنان التزاماً سياسياً، وطنياً ودولياً، يسهم في تعزيز الاستقرار في بلد يواجه خطر فقدان هويته الوطنية والانغماس داخل التجاذبات والتوترات الإقليمية". وشدد على "ضرورة أن تحافظ بلاد الأرز على هويتها الفريدة من أجل ضمان شرق أوسط تعددي متسامح ومتنوع، يقدم فيه الحضور المسيحي إسهامه ولا يقتصر على كونه أقلية فحسب". وأكد أن "إضعاف المكون المسيحي في لبنان يهدد بالقضاء على التوازن الداخلي"، وأشار إلى أهمية معالجة المشكلات المرتبطة بحضور النازحين السوريين والفلسطينيين، محذراً من "مغبة انهيار البلاد اقتصادياً". ودعا البابا الزعماء السياسيين والدينيين إلى "وضع مصالحهم الخاصة جانباً والتزام تحقيق العدالة وتطبيق الإصلاحات، والعمل بطريقة شفافة وتحمّل نتائج أفعالهم".

ومنذ انفجار المرفأ والتدويل يتعزز وكل الأطراف تدفع إليه بالرغبة أو بالسلوك، وما دعوة البطريرك الماروني في عظتين متتاليتين إلا صرخة في برية، حيث هناك صوت لا يلامس الضمائر. لقد دعا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، إلى عقد مؤتمر دولي لمناقشة أزمة لبنان السياسية، مبررا ذلك باستنفاد المبادرات والوساطات بين السياسيين اللبنانيين. ونعى البطريرك الماروني على "أصحاب السلطة" أنهم "في مكان مع مصالحهم وحساباتهم وحصصهم، والشعب في مكان آخر مع عوزهم وحرمانهم وجوعهم". وعن أسباب تأخر تشكيل الحكومة، أوضح أن "تغلّب المصالح الشخصيّة والفئويّة وعجز المسؤولين عن التلاقي والتفاهم"، هو سبب هذا التأخير، مؤكدا على وجوب "المجاهرة بأنّ وضع لبنان بلغ مرحلةً خطيرةً تُحتِّم الموقف الصريح والكلمة الصادقة والقرار الجريء".

وعليه، الموقف الصريح هو في التدويل الذي سيشكل مسارات جدل قد تصل لحدود العمالة في وطن ينقسم الجميع حول كل موقف. وصرخ الراعي بأن "السكوت جزء من الجريمة بحقّ لبنان وشعبه، وغسل الأيادي اشتراك في الجريمة"، مشدّدا على أنّه "لا يجوز بعد اليوم لأيّ مسؤولٍ التهرّب من المسؤوليّة ومن الواجبات الوطنيّة الّتي أنُيطَت به تحت أي ذريعة"، معللا رؤيته تلك بأن "الوضع تخطّى الحكومة إلى مصيرِ الوطن، وعليه، كلّ سلطةٍ تتلاعب بهذا المصير وتتخلّى عن الخِيار الوطني التاريخيّ تَفقد شرعيّتها الشعبيّة".

وأيده في الصرخة نفسها المطران بولس عبد الساتر عندما ختم عظة عيد ما مارون نريد الخلاص لوطننا والحياة الأفضل لنا ولأولادنا وهذا حق لنا. ولكن الخلاص لن يهبنا إياه أحد، فلنعد جميعا، مسؤولين ومواطنين، إلى ضمائرنا. وليعمل المسؤول ما يخدم الإنسان في لبنان، وليسعَ كل واحد منّا إلى بناء مستقبل لأولاده وأولاد الآخرين بنظافة كفٍ، وصدق قولٍ، وعرق جبين.. وإلا، وإلا يا أيها المسؤولون، سنموت جميعًا، نحن وأنتم، ويموت لبنان، ولكنَّ الدينونة الكبرى ستكون لكم.

تناغم في مقاربة التدويل

عليه يبدو من الواضح أن هناك تناغما للتدويل بين الأمريكان والفرنسيين في البيان المشترك بين لودوريان وبلينكن عن لبنان، وصولا إلى الدعوتين البابوية والبطريركية الأخيرتين، ومرورا بالحركة الإمارات والسعودية والمصرية والقطرية. وهنا تكمن المحاذير في شكل الحل المجترح الذي سيكون من الصعب أن يرضي كل الافرقاء الدوليين والعرب، علما أن لبنان بحاجة إلى معجزة والمعجزة تحتاج الكل وهنا طامة "الجمع المستحيل" بين الرؤى المتضاربة التي قد تكون أثمانها غالية وغالية جدا.

إن الحكومة المرجوة في لبنان تبدو مطلبا دوليا بشروط دولية ونوعية وزرائها بمواصفات دولية لإنجاز دور دولي جديد مطلوب من لبنان بكل أركانه وسياسييه، وعليه إن العقبات المحلية في التفاصيل قد تغرق البلاد إلى منزلقات ستظهر مع الأيام القادمة. فالكل مسؤول: من يطلب التدويل فليتق خطورته، ومن لا يرغب به عليه إبداء المرونة للوصول إلى خواتيم ترضي الشعب المصلوب على أمواله المنهوبة في جمهورية المصارف وخراب المرفأ وفساد الفاسدين.

إن ما يحكم الأجواء اليوم يتجسد في ضبابية المواقف وعدم كسر الجرة من اللاعب الأقوى في الساحة المحلية الذي أرسل إشارات مضمونها لا ثلث معطلا لأي طرف. والتي يرجح البعض أنها بداية مفتاح حل للداخل المنتظر الفرج الخارجي، علما أننا على أبواب زيارات ماكرونية للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لتليين المواقف الخليجية، بما يتلاءم مع الرؤية الفرنسية ومناسبات قد تحدد كلماتها ونبرات خطاباتها آفاق المرحلة القادمة: فكلمة الرئيس الحريري المرتقبة الأحد القادم ستكون مفصلية للاستعصاء الداخلي للتأليف، وكلمة السيد حسن نصرالله الثلاثاء ربما تشكل فتح كوة في جدار الأزمة التي طالت لحدود زمنية أكبر من عمر الحكومة المقدر على الأوراق بستة أشهر عند التكليف، فهل عمر الحكومة العتيدة الطويل والوريث للصلاحيات المتنازعة دستورا هو أبرز أركان العقد؟!!.. أم أن الحلول للأسف لا تأتي أبدا إلا بعد لعبة الشارع النارية أو نيران في المنطقة التي تهتز لبلورة اتفاق يبدو الأمريكي فيه باردا إلى حدود مفاجئة للجميع.