كتاب عربي 21

هل تختلف سياسة بايدن تجاه إسرائيل والعرب؟

1300x600
قرأت ما نشر عن استجواب مجلس الشيوخ لمرشحي الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن لأهم المناصب في إدارته: وزارة الخارجية، الأمن القومي، وكالة المخابرات المركزية، وغيرها. وقد لفت نظري وجود بعض الاختلافات غير الجوهرية بين المرشحين حيال بعض القضايا، ومنها العلاقة مع الصين وروسيا وأوروبا ومستقبل العلاقات مع إيران.

هناك قضية واحدة فقط أجمع كل المرشحين عليها، واتخذوا منها مواقف متطابقة مئة في المئة، وهي إسرائيل ومستقبلها الأمني في قلب الوطن العربي، واستمرار سياسات وخطط تصفية القضية الفلسطينية بمشاركة وتواطؤ عربي غدا مكشوفا لكل ذي لب وفطنة، فالمرشحون جميعا أشادوا بما أصبح يعرف باتفاقات أبراهام.
قضية واحدة فقط أجمع كل المرشحين عليها، واتخذوا منها مواقف متطابقة مئة في المئة، وهي إسرائيل ومستقبلها الأمني في قلب الوطن العربي، واستمرار سياسات وخطط تصفية القضية الفلسطينية بمشاركة وتواطؤ عربي

وليس هذا بكشف جديد، بل هو ما عرفه القاصي والداني منذ عقود طويلة. وحسب المرء مراجعة بسيطة، تتيسر عبر الإنترنت، ليتبين له المنهج الذي يحكم سياسة أمريكا والغرب عموما، تجاه فلسطين والعالم العربي والشرق الأوسط.

فكلما تبوأ رئيس جديد السدة في البيت الأبيض يتحتم عليه، في غالب الأحيان، أن يتجاوز في مواقفه المؤيدة لإسرائيل مواقف سلفه، خاصة بعد الهزيمة الساحقة التي مني بها العرب في حرب حزيران/ يونيو عام 1967. هنا ترسخت أهمية إسرائيل في الذهن الأمريكي، وتكرست القناعة لدى الغرب عموما بالأهمية الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي، كأحد أدوات المشروع الكولونيالي الغربي المستمر منذ أن حاول نابليون احتلال مصر، وحاصر عكا وارتد عن أسوارها (1798-1801)، ومنذ أن غزت فرنسا الجزائر واحتلتها عام 1830.

فقبل أن تخرج تيريزا ماي من رئاسة الحكومة البريطانية بأيام، رفضت مطالبة الفلسطينيين لبريطانيا بالاعتذار عن دورها في إقامة إسرائيل، وقالت إن بريطانيا تعتز بذلك الدور.

ليست إسرائيل إلا أداة في يد الغرب، دورها إخضاع العرب، وضمان تفرقهم، وكل من يزعمون أنها هي التي تتحكم في سياسة أمريكا يقرؤون الوقع بغشاوة على البصيرة قبل البصر.
ليست إسرائيل إلا أداة في يد الغرب، دورها إخضاع العرب، وضمان تفرقهم، وكل من يزعمون أنها هي التي تتحكم في سياسة أمريكا يقرؤون الوقع بغشاوة على البصيرة

وكي لا نوغل في المراجعة نكتفي بنظرة عجلى على مواقف رؤساء أمريكا منذ كارثة اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، التي رعاها آنذاك الرئيس جيمي كارتر، وتغيرت مواقفه الشخصية تجاه الفلسطينيين بعد خروجه من البيت الأبيض تغيرا ملحوظا.

أما رونالد ريغان، الذي خلف كارتر، فقد انتقل بدوره بالعلاقات مع إسرائيل لتصبح علاقة تحالف استراتيجي أمني، بعد أن ظل الدعم الأمريكي لها قائما لسنوات عديدة على اعتبارات "أخلاقية"، كما يقول المحللون الأمريكيون. ففي عام 1981 وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل مذكرة التعاون الاستراتيجي، وفي عام 1986 ضمت الولايات المتحدة إسرائيل إلى برنامج أبحاث مبادرة الدفاع الاستراتيجي، ثم أتبعت ذلك عام 1987 باعتبار إسرائيل حليفا كبيرا من خارج حلف شمال الأطلسي "النيتو".

ولما خلف جورج بوش الأب ريغان لم يغير شيئا في تلك الاتفاقيات مع إسرائيل، وإن كان بعض المحللين الأمريكيين يقولون إنه كان ينتهج سياسة أكثر حزما تجاه بعض ممارسات إسرائيل، بحكم خبرته الدبلوماسية والسياسية وعلاقته ببعض العرب. ويقول الموقع الرسمي الإسرائيلي "أزمنة إسرائيل" إن بوش الأب فشل في إحداث أي تغيير على غير ما تريد إسرائيل في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وكان ذلك الفشل، حسب الموقع، درسا وعيه الرؤساء الأمريكيون لاحقا.

وفي عهد بيل كلينتون وقع الفلسطينيون بزعامة ياسر عرفات اتفاقيات سلام مع إسرائيل، قائمة على أساس اتفاقيات أوسلو. وفي مفاوضات كامب ديفيد الثانية طرح كلينتون ما عرف بمحددات السلام بين الجانبين، وفيها تنازل عن بعض مناطق الضفة الغربية وغور الأردن وقَصَرَ حق العودة على نسبة محدودة من اللاجئين إلى الضفة الغربية فحسب، وحتى هذا رفضته إسرائيل.

ولما تولى جورج بوش الابن خلفا لكلينتون كانت سياسته تجاه إسرائيل قائمة على اعتبارات التحالف الاستراتيجي، خاصة بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر والحرب على ما يسمى بالإرهاب، وكانت أكثر حميمية من سياسة والده في ضوء عقيدته البروتستانتية الإنجيلية.

وفي عهد باراك أوباما لم يكن هناك انسجام بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني بيبي نتنياهو، لأسباب منها الخلاف حول الاتفاق النووي مع إيران، غير أن العلاقة الاستراتيجية بين الجانبين ظلت بعيدة عن أي تأثير.

دونالد ترامب كان أكثر رؤساء أمريكا دعما لإسرائيل، فهو الذي نقل السفارة إلى القدس المحتلة، وأقر ضم الجولان إلى إسرائيل، وضم غور الأردن وقطع المساعدات عن الفلسطينيين، وأقفل مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وجر ثلاث دول عربية إلى التطبيع مع الكيان بحماس غير مسبوق. ولو قدر له أن يحكم أربع سنوات أخرى لكان حقق صفقة القرن كاملة وأعلن تصفية القضية الفلسطينية.

كان العرب لعقود طويلة يعللون أنفسهم بأمل خادع بأن الرئيس الجديد في واشنطن سيكون مختلفا ولو قليلا. فهل سيكون جو بايدن كذلك؟

يقول لكم الرجل نفسه إنه يعتنق الصهيونية السياسية عقيدة تلقاها عن والده، فماذا تنتظرون؟ في أول مؤتمر صحفي لمستشار بايدن للأمن القومي كان أول ما قاله هو أن بايدن حريص على تطوير العلاقات الأمنية الاستراتيجية مع إسرائيل، وعلى البناء على ما أنجزه سلفه ترامب من تطبيع وتوسيع جغرافي ونوعي لعلاقات إسرائيل في العالم العربي. كما أعلن هو نفسه ووزراؤه أنه سيبقي السفارة في القدس، ولم يتحدث حتى الآن عن ضم الجولان واعتراف ترامب بذلك، ولا عن غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية.
ماذا ينتظر الفلسطينيون، سلطة وحركات مقاومة، وقد لبوا وهم سعداء طلب بايدن، حتى قبل أن يتسلم الحكم، إجراء انتخابات تضفي زينة شكلية على سلطة لا وجود لها عمليا إلا بالاسم؟

ماذا ينتظر الفلسطينيون، سلطة وحركات مقاومة، وقد لبوا وهم سعداء طلب بايدن، حتى قبل أن يتسلم الحكم، إجراء انتخابات تضفي زينة شكلية على سلطة لا وجود لها عمليا إلا بالاسم؟ وماذا تنتظر حركة حماس من هذه الألعوبة الانتخابية، وقد جربت في السابق وانقلبوا عليها وحوصرت في غزة، واستدرجت حتى غيرت ميثاقها، وقبلت بدولة على جزء من فلسطين؟

وماذا ينتظر العرب الذين طبعوا سابقا ولاحقا؟ هل سينتشل بايدن المعوزين منهم من وهدة التخلف والفقر؟ هل سينظف شوارع مدنهم وقراهم، ويرفع من مستوى حياتهم ويصلح مدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم؟ أم يوقف سيل الدماء في بلدانهم المحتربة والمحترقة بنيران الطائفية المحلية والدخيلة والقبلية المقيتة؟

وأولئك الميسورون منهم، هل سيدفع عنهم غائلة أعدائهم، الموهومين منهم والحقيقيين؟

واهم من يظن لوهلة عابرة أن بايدن أو أي رئيس أمريكي سيحارب إيران من أجل أحد، بما في ذلك إسرائيل، ما لم تبادر إيران للحرب ولن تفعل. وواهم من يظن أن إسرائيل ستهب لنجدته وتحارب إيران، ولا يغرَّنَّكم أنها وافقت على نصب بطاريات القبة الحديدية المضادة للصواريخ، بإشراف ضباط إسرائيليين في بعض البلدان العربية، كما أعلنت وسائل إعلامها. فهذه الخطوة ستعود على صناعات إسرائيل العسكرية بالمليارات من المال العربي وستروجها في العالم كله، ولهذا تمت.

أوليس من مصلحة الغرب وإسرائيل أن يظل بعض جيران العالم العربي شرقا وشمالا وجنوبا قادرين على تهديده وتخويفه، سواء كان ذلك التهديد حقيقيا أو موهوما؟ وهكذا سنرى في عهد بايدن مزيدا من الرضوخ والتطبيع، ومزيدا من التغلغل الاقتصادي الإسرائيلي في العالم العربي. وقد يأتي يوم يصبح فيه طموح مهندس عربي مغترب أن يحظى بوظيفة لدى شركة إسرائيلية، تعمل في بلداننا من الأطلسي إلى الخليج، وتدفع بسخاء!

وقد يأتي يوم يصطف فيه كل المطبعين ضد أهل القدس المرابطين في الأقصى إن هم حاولوا منع المطبعين من زيارته، وقد يتولى المطبعون بأنفسهم سدانة أولى القبلتين ومعاقبة المرابطين.

وأخيرا يحضرني قول المتنبي:

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره    إذا استوت عنده الأنوار والظُلَمُ