قضايا وآراء

حكومة الصناديق في مصر

1300x600
تعرف الموازنة العامة للدولة بأنها بيان تقديري تفصيلي معتمد يحتوي على الإيرادات العامة التي يتوقع أن تحصلها الدولة، والنفقات العامة التي يلزم إنفاقها خلال سنة مالية قادمة، من أجل تحقيق أهداف محددة في إطار الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وطبقا للسياسة العامة للدولة.

ومن المبادئ الأساسية للموازنة العامة مبدأ "الوحدة"، ويقصد به أن يتم تسجيل جميع الإيرادات العامة وجميع المصروفات العامة في موازنة واحدة. وإذا كان ذلك هو الأصل، فإن هناك خروجا على هذا المبدأ في حالات خاصة من خلال الموازنات الملحقة لبعض المصالح الحكومية أو الهيئات العامة التي تعطى استقلالا إداريا وماليا، حيث لا يقيد في موازنة الحكومة إلا الصافي. وهذا استثاء من الأصل، ولكن مع ذلك برز في عهد السيسي تعدد الصناديق الموازية لموازنة الدولة، والتي فتحت المجال للفساد، وعدم المحاسبة في ظل غياب الشفافية والإفصاح والسلطة المطلقة.

لقد عانت مصر من قبل وما زالت تعاني من الصناديق الخاصة التي تمثل جيوبا سحرية للاستيلاء على أموال المواطنين وتوزيعها دون رقيب أو حسيب، حتى جاء السيسي وتوجه توجها ملحوظا نحو الصناديق من خلال خلق موازنات موازية ليس لها صلة بموازنة الدولة، مع أن مواردها في حكم المال العام.

ويأتي في مقدمة ذلك صندوق تحيا مصر الذي جاء بمبادرة من عبد الفتاح السيسي في 24 حزيران/ يونيو 2014م، وتبرع له بنصف راتبه في مشهد مظهري كعادته. وقد صدر القرار الجمهوري رقم 139 لسنة 2014 بإنشاء الصندوق ثم صدر القانون 84 لسنة 2015 بشأن إنشاء الصندوق، وبرز في ذلك الجانب السلطوي للسيسي وكأنه صندوق شخصي خاص به، فنصت المادة 2 من القانون 84 لسنة 2015 على أنه "يتمتع الصندوق بصفة خاصة برعاية رئيس الجمهورية وعنايته". ونصت المادة 3 على أنه "يُحدد رئيس الجمهورية بقرار منه أساليب الإشراف على الصندوق وإدارته وتصريف شئونه المالية والإدارية، وذلك بما يتفق وطبيعة ونشاط الصندوق ويمكنه من تحقيق رسالته، ودون التقيد بالنظم الحكومية المنصوص عليها في أي قانون آخر".

وكانت المادة 8 في القرار الجمهوري رقم 139 لسنة 2014 الخاصة بالصندوق تنص على أنه "تعد أموال الصندوق أموال عامة في تطبيق أحكام قانون العقوبات، ويتولى الجهاز المركزي للمحاسبات مراجعة ومراقبة حساباته ويعد تقريرا ربع سنوي يعرض على رئيس الجمهورية"، فتم تعديلها لتكون المادة 9 في القانون 84 لسنة 2015 ونصت على أنه: "ويُعد الصندوق قوائم مالية سنوية وقوائم مالية ربع سنوية وفقاً لمعايير المحاسبة المصرية، ويتولى مراجعتها أحد مكاتب المراجعة المسجلة لدى البنك المركزي والذي يتم اختياره بقرار من مجلس الأمناء، ويقدم مكتب المراجعة تقريره إلى مجلس الأمناء ليتولى عرضه على رئيس الجمهورية. ويقوم الجهاز المركزي للمحاسبات بإعداد تقرير مؤشرات الأداء سنوياً في ضوء القوائم المالية المعتمدة من مراقب الحسابات، ويعرض على مجلس الأمناء". وبذلك تم تحجيم الدور الرقابي للجهاز المركزي للمحاسبات.

وإذا كان الصندوق قد أعلن ممارسة نشاطه عبر ستة محاور عمل هي: الرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، والتنمية العمرانية، والتمكين الاقتصادي، ودعم التعليم والتدريب، ومواجهة الكوارث والأزمات، فإن هذه المحاور أهداف نبيلة تقع مسؤوليتها على الدولة من خلال موازنتها العامة دون حاجة لصندوق وسلوكيات مظهرية، وفتح باب الإتاوات على رجال الأعمال الطاردة للاستثمار، في ظل التهديدات، والثقة والشفافية والرقابة والنزاهة المفقودة، والمفتاح الوحيد للصندوق الذي يحمله السيسي. كما أن اقتصاديات الدول لا تبنى على التبرعات أو التسولات، وإن كانت في حقيقتها إتاوات.

بل إن المصيبة الكبرى أن يوجه السيسي لصندوق تحيا مصر الإتاوات التي فرضها للتصالح في البناء المخالف، والإتاوات لمدة عام بزعم المساهمة في مواجهة كوارث فيروس "كورونا (على أصحاب الرواتب والمعاشات الذين لا يزيد صافي دخولهم الشهرية عن 2000 جنيه) بنسبة واحد في المئة من رواتب العاملين في الدولة، وعددهم أكثر من خمسة ملايين موظف بداية من شهر تموز/ يوليو الجاري، ونصف في المئة على أصحاب المعاشات الذين يقدر عددهم بتسعة ملايين. وقد صرح وزير المالية نفسه بأن "مفيش جنيه من خصومات الموظفين هيدخل خزينة الدولة". فهذه الإتاوات التي تقدر بالمليارات من الجنيهات من تصالح ورواتب؛ طريقها هو صندوق تحيا مصر بدلا من توجيهها لخزينة الدولة، مع تحفظنا أساسا على هذه الإتاوات.

ولم يقتصر الأمر على صندوق تحيا مصر، فبموجب القانون رقم 177 لسنة 2018 تم إنشاء صندوق مصر، وهو صندوق للثورة السيادية برأس مال 200 مليار جنيه. وأعطى القانون للسيسي الحق المطلق في نقل ملكية أي من الأصول "غير المُستغلة"، المملوكة ملكية خاصة للدولة أو للصندوق أو لأي من الصناديق التي يؤسسها، ومنحه سلطات مطلقة لبيع أصول مصر دون حساب؛ من خلال تحصين العقود التي يبرمها الصندوق ضد الطعون القضائية، ومنع الطعن عليها من أطراف ثالثة.

ثم أعلن أخيرا وزير المالية محمد معيط عن صندوق بقيمة ملياري جنيه لضمان التمويل الاستهلاكي وتحفيز الاستهلاك المحلي. وحسب قوله، سيعمل الصندوق الجديد على توفير ضمان للهيئات والشركات التي تقوم بعمليات التمويل الاستهلاكي، بما يعمل على تحفيز الشركات الصناعية والخدمية والعقارية وشركات التمويل الاستهلاكي؛ على تلبية احتياجات المستهلكين من التسهيلات الائتمانية وخطط التقسيط. وسيضم الصندوق "عدة أذرع أكثر تخصصا"، وسيكون تمويله من الخزانة العامة للدولة، ولم يحدد القطاعات التي ستنشط بها تلك الأذرع. وأضاف الوزير: "سيوفر الصندوق أيضا تمويلا منخفض التكلفة للمبادرات الحكومية، مثل مشروع تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعي".

ويأتي هذا الصندوق لتحقيق رؤية السيسي ليس بتكبيل الدولة بالاستدانة، فقط من خلال الدين العام المحلي والخارجي الذي لامس ستة تريليونات جنيه، بل كذلك بتكبيل الشعب المصري بالديون الشخصية، وفتح المجال لتسويق ما تنتجه القوات المسلحة المسيطرة على الاقتصاد، فضلا عن خلق سوق للغاز الصهيوني الذي يستورده، من جيوب المصريين، بتوجهه لقصر ترخيص السيارات على السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي، كما صرح بنفسه.

إن مغارات على بابا والجيوب السحرية المسماه بالصناديق الخاصة لن تنتهي، ما دام حكم الفرد مسيطرا، والرقابة والمحاسبة والشفافية والنزاهة باتت جريمة، في بلد لا تنقصه الموارد بقدر معاناته من نهبها.

twitter.com/drdawaba