قضايا وآراء

عشر ملاحظات في الذكرى 15 لاستلام محمود عباس السلطة

1300x600
خمسة عشر عاما على استلام الرئيس الفلسطيني محمود عباس مقاليد السلطة في فلسطين، حيث تعاقب خلال فترة حكمه ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة الأمريكية، وأربعةٌ في فرنسا، ومَلِكان في السعودية وأميران في قطر، وسُلطانان في عُمان، ومُسمّياتٌ من سائر الألقاب والتنوع الجغرافي.

مرّت هذه السنون وما يزال الشعب الفلسطيني يئنّ تحت وطأة النكبات المتتالية عليه. ومُخطِئٌ من يعتقد أن نكبة الاحتلال هي الوحيدة التي يعاني منها هذا الشعب، بل توالت عليه النكبات من كل حدبٍ وصوب. وبعد فترة الرئاسة هذه، نستعرض تِباعا عشرة أسباب كفيلة بدفع الرئيس محمود عباس إلى التخلي عن السلطة والبحث عن بديل آخر، وجميعُها أسبابٌ ربما تنجح في إقناع القارئ أنّ المرحلة بحاجة إلى مواصفات غير متوفرة في شخصية الرئيس أبو مازن ألا وهي:

1- الرئيس محمود عباس في لقاء صحفي سابق كان قد قال: إذا خرج ضدي خمسةُ متظاهرين فقط، فسوف أستقيل من الرئاسة مباشرة. ولعلّ الرئيس لم يرَ حتى هذه اللحظة خمسةَ مدنيين معارضين لحُكمه، أو خمسةَ معارضين، أو كأنه لم يرَ المظاهرات التي خرجت في قطاع غزة تطالبه بالرحيل، بسبب سياسة الحصار. ولن يعرض هذا المقال أرقاما عن تعداد المتظاهرين والمعارضين لحكم محمود عباس، لأنّ هذا الرئيس المتواضع لم يطلب الكثير، ولكنه حتى هذه اللحظة لم يعثر على خمسة متظاهرين، ولذلك فهو ما يزال معتصما بحبل السلطة على مدار خمسة عشر عاما.

2- الرئيس الشاب محمود عباس من مواليد عام 1935م، يبلغ من العمر خمسة وثمانين عاما فقط، وبعدما أظهرت الدراسات أن الشعب الفلسطيني شعبٌ فَتِيٌّ يتمتع بالحيوية والفتوة وارتفاع نسبة النشاط، كان لزاما على هذا الرئيس اليافع أن يستمسك بمقاليد الحكم.

كلا.. فمن حق الشعب الفلسطيني أن يكون له رئيسٌ شابٌ نَشِط، ذو أفكارٍ جديدة وأسلوبٍ يافع، في الأربعينيات أو الخمسينيات من العمر، لا أن يحكمه عجوزٌ هرِم قد بلغ من العمر عتيا، مع كامل الاحترام لكبار السن. ومصيبةُ الكهولة هذه لا تنطبق فقط على محمود عباس، بل على الكثيرين من رفاقه في منظمة التحرير وحركة فتح، الذين تجاوزا الثمانينيات وما يزالون يصرون الإصرار كله على حُكم الشعب الفلسطيني.

3- الدافع الثالث هو أن الرئيس محمود عباس حتى هذه اللحظة لم ينجح في كشف ملابسات اغتيال الرئيس ياسر عرفات، الذي طُوِيَ ملف التحقيق به، رغم كل الأمارات التي تشي بأنّ عرفات اغتيل من خلال دس السم له في معجون الأسنان وذلك بحسب ما صرّح به بسام أبو شريف، مستشار عرفات، حيث وصل السم إلى لثة عرفات، ومنها إلى مجرى الدم بسبب الاستخدام المستمر للمعجون.

فكيف وصل السم إلى المعجون، ومن المسؤول عن هذه القضية؟ ولماذا أغلِق الملف ولم يتحدث به محمود عباس ولم يُعطِ جدولا زمنيا لصدور النتائج النهائية، تمهيدا لمحاكمة المتهمين، أو على الأقل الكشف عن أسمائهم لتعريتهم أمام الشعب الفلسطيني الذي من حقه أن يُحاسب أو يعرف من اغتال زعيمه الراحل؟

4- في عهد الرئيس محمود عباس تم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، حيث اعترف بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاصمة لدولة الاحتلال، وقد يتساءل أحدهم: وماذا بوسع محمود عباس أن يفعل أمام أمريكا ودولة الاحتلال وهما الدولتان المسيطرتان على الملفات الدولية كافة؟ ليس المطلوب منه مجابهة أمريكا وإسرائيل عسكريا، على الرغم من أنّ ذلك من واجباته، بل عليه فقط أن يوقف المفاوضات واستجداء المحتل للجلوس معه على الطاولة. وهذا ما أعلن عنه أبو مازن بعد قرار الرئيس الأمريكي نقل السفارة، لكنه وكعادته لم يلتزم أبدا، بل كانت الغاية من هذه التصريحات امتصاص الغضب الشعبي العارم وعدم الدخول في أي مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي. فقد ذكرت إذاعة جيش الاحتلال أن الرئيس عباس قال في لقاء معها، إنه طلب لقاء نتنياهو أكثر من عشرين مرة، لكن الأخير كان يرفض دائما، وهذا الأمر يتناقض مع ما تعهد به عباس سابقا.

5- حق العودة المقدس هو من الحقوق التي فرّط بها محمود عباس مرارا، وكثيرةٌ هي التصريحات المنسوبة له في هذا الصدد، أبرزها ما قاله أمام مجموعة من الشباب الإسرائيليين الذين زاروا رام الله، بأنه لا يسعى إلى إغراق إسرائيل باللاجئين ولا إلى تغيير تركيبتها الاجتماعية، وهذا ما اعتبره اللاجئون الفلسطينيون تنازلا عن حق العودة، هذا الحق الذي لا يمتلك رئيس أو فصيل صلاحية التنازل عنه، لأنه حق شخصي بامتياز لا يجوز المساس به بحالٍ من الأحوال.

6- التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال، الذي وصفه محمود عباس بأنه مقدس، وبأنه سيمنع أي مواجهة مع دولة الاحتلال ويسعى إلى توفير الأمن لمواطنيها دون أي مقابل أو التزامات بسيطة من الجانب الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنّ هذا التنسيق الأمني ضارب في الجذور وهو من نتائج اتفاقية أوسلو، إلا أنه في عهد محمود عباس زادت وتيرته، حيث إنه لم يسمح حتى لأنصاره بدعم المقاومة الشعبية، بل عمدت أجهزته الأمنية إلى ملاحقة كل من تسوّل له نفسه بإحداث خرق أمني إسرائيلي أو التلاعب بالخطوط الحمراء التي فرضتها عليه دولة الاحتلال، ومن ثم أصبح رئيسُنا الشاب شرطيا لدى دولة الاحتلال يحافظ على أمنها وهدوئها.

7- ما تزال القبضة الأمنية التي تفرضها مخابرات السلطة، تشتد يوما بعد يوم، ولا تُنتَقد هذه القبضة من كونها قبضة فحسب، لأن مثيلاتها كُثر في العالم العربي والشرق الأوسط، بل من كونها تستهدف مقاومين لدولة الاحتلال وأسرى محررين، حيث زجت بهم شرطة عباس في السجون بذرائع مختلفة، حيث واصلت أجهزة السلطة في الضفة الغربية حملة الاعتقالات والاستدعاءات على خلفية سياسية، كما استمرت في اعتقال أكثر من 50 مواطنا، بينهم أكثر من 15 معتقلا سابقا في سجون الاحتلال على خلفية مقاومة الجنود الإسرائيليين.

8- في عهد الرئيس محمود عباس زادة حدة الانقسامات بين صفوف الشعب الفلسطيني، فإلى جانب الانقسام المأساوي بين حركة فتح وحركة حماس، لم تسلم حركة فتح ذاتها من الانقسام والتفكك، وذلك بعد أن فصلَ محمود عباس رئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني محمد دحلان من حركة فتح، دون علم أعضاء اللجنة المركزية للحركة، وذلك على خلفية انتقاده لسياسة محمود عباس وموقفه من حصار غزة وأسباب أخرى، الأمر الذي دفع بدحلان إلى تشكيل تيار مناهض لسياسة محمود عباس، وما يزال أنصار محمد دحلان حتى هذه اللحظة يعترفون به وبدوره في الريادة داخل فتح، مما أدى إلى انقسام حركة فتح داخليا، وهذا كله حدث في عهد محمود عباس.

9- لم يتمكن محمود عباس من إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية كي تحظى باعتراف الشعب الفلسطيني بشكل كامل، بل إن قسما لا بأس به من الشعب الفلسطيني ما يزال حتى اليوم يرفض الاعتراف بها ممثلا شرعيا، بسبب هيمنة بعض الأطراف على قرارها السياسي وانحيازها إلى سياسة حركة فتح التي يتزعمها محمود عباس، فالانضواء تحت منظمة التحرير يعني للكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني الاعتراف بدولة الاحتلال، والتنازل عن الثوابت والحقوق الفلسطينية المشروعة.

10- بعد كل هذا الخلل الداخلي في سياسة محمود عباس، انتقل الخلل أيضا إلى العلاقات الخارجية التي أحرجت الفلسطينيين في كثير من الأحيان. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن لمواطن فلسطيني يعيش في الداخل أو الشتات، ألا يشعر بالحرج إزاء تصريحات وزير أوقاف السلطة الفلسطينية محمود الهباش تجاه مأساة مسلمي الإيغور في الصين، حيث تضامن مسلمو العالم معهم، باستثناء ثلةٌ قليلة، ومن بينها الهباش الذي قال في تعليقه على هذه الحادثة، "إنّ محاولات التضامن مع ما يسمى مسلمي الإيغور هو محاولة مفضوحة لدعم الهيمنة الأمريكية على حساب الصين التي لم تتوانَ عن دعم الرئيس أبو مازن"، حيث كان هذا التصريح بمنزلة تجاهلٍ للقيم الإسلامية والإنسانية.

ختاما، في الذكرى 15 لاستلام الرئيس محمود عباس مقاليد الحكم لدولة فلسطين، كثيرون يتوجهون إليه بالقول "يعطيك العافية ما قصرت".