ملفات وتقارير

تصعيد سياسي وإعلامي مصري غير مسبوق ضد تركيا

قناة مصرية استضافت غولن الذي كال الانتقاد لأردوغان وأشاد بالسيسي

تشهد العلاقات المصرية التركية توترا كبيرا في الفترة الأخيرة، في أعقاب الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مصر خلال الأسبوعين الماضيين.

وتعددت أوجه التصعيد المصري ضد تركيا بين سياسي وإعلامي، حيث أعلنت السلطات الأمنية في مصر اعتقال مواطنين أتراك، بعد اتهامهم بالمشاركة في التظاهرات التي وقعت في وسط القاهرة، ووجهت لهم تهم التجسس والتحريض على التظاهر.

كما شهدت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، تراشقا بالبيانات الصحفية والتصريحات بين الجانبين، بعد كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي اتهم فيها النظام المصري بالقمع وسجن آلاف المعارضين، والتسبب في وفاة الرئيس الأسبق محمد مرسي داخل محبسه، وبعدها رفض أردوغان مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مأدبة عشاء على هامش الاجتماعات الأممية.

تراشق سياسي

وردت الخارجية المصرية ببيان صحفي، أعربت خلاله عن استهجانها لادعاءات الرئيس التركي، وأكدت أن أردوغان يظهر مشاعر الحقد والضغينة تجاه مصر بسبب تقدمها المستمر.

وانتقد البيان ما أسماه حالات القمع التي يتعرض لها الشعب التركي، واحتضان أردوغان لجماعة الإخوان وعناصرها في تركيا، وتوفير الدعم السياسي والمنصات الإعلامية لعناصرها؛ بهدف استمرار الترويج لأفكارهم التخريبية في مصر والمنطقة بأسرها.

واتهمت مصر أردوغان برعاية الإرهاب في المنطقة، وارتكاب انتهاكات صارخة بحق الشعب التركي، مشيرة إلى أن تصريحاته الأخيرة هي محاولة يائسة لصرف النظر عن تدهور وضع نظامه والخسائر المتتالية التي يعانيها داخليا ودوليا.

من جانبها، ردت الخارجية التركية على الاتهامات المصرية، واصفة إياها بأنها انتقادات مليئة بالكذب والافتراءات، وتأتي من قبل قادمين للسلطة بالانقلاب، وأنها تعكس شخصية الإدارة الحالية في مصر التي تقوم على الظلم والاستبداد.

كما تضامنت مصر مع اليونان وقبرص، وأصدر وزراء خارجية الدول الثلاث بيانا مشتركا عقب اجتماع ثلاثي في نيويورك، هاجموا فيه تركيا بشدة، وأدانوا الأفعال الاستفزازية التي تقوم بها تركيا في شرق البحر المتوسط، التي تنتهك بشكل صارخ القانون الدولي وسيادة جمهورية قبرص، في إشارة إلى تنقيب أنقرة عن النفط والغاز في منطقة شرق المتوسط.

حرب إعلامية مفتوحة

وفيما يبدو أنها "حرب إعلامية مفتوحة"، تشن وسائل الإعلام المصرية التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية بشكل كامل هجوما متواصلا على تركيا منذ أكثر من أسبوع.

وبجانب التركيز على "سلبيات" إدارة أردوغان للبلاد وتوجيه عشرات الاتهامات على المستويين السياسي والاقتصادي للرئيس التركي، بدأ الإعلام المصري في استضافة أبرز معارضي أردوغان، في تصعيد جديد للصراع بين الجانبين.

وفي ظهور إعلامي نادر، استضافت قناة "تن" المصرية الداعية التركي المعارض المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، الذي يعد أحد أبرز الخصوم السياسيين لأردوغان، والذي تتهمه أنقرة بتدبير وقيادة محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو 2016.

وخلال اللقاء، الذي أذيع قبل يومين، قام مقدم برنامج "بالورقة والقلم" نشأت الديهي بتقبيل رأس غولن، وخلع عليه أوصافا، من قبيل العلامة والشيخ الجليل والزعيم التركي.

وعبر القناة المصرية، شن غولن هجوما شرسا على أردوغان، وحمّله مسؤولية توتر العلاقات بين تركيا ومصر في أعقاب الإطاحة بالرئيس مرسي عام 2013، فيما كال المديح للنظام المصري، ووصفه بأنه يقدم نموذجا يحتذى به في إدارة الدول؛ بسبب توازنه واعتداله.

 

اقرأ أيضا: "غولن" يهاجم أردوغان ويمتدح "قيادة" السيسي (شاهد)

"فخ متجدد"

وتعليقا على هذا الموضوع، قال أستاذ العلوم السياسية، عبد الخبير عطا، إن الأمن القومي المصري والعربي يعتمد بشكل أساسي على العلاقة بين مصر وبين مجموعة من الدول المحورية بالمنطقة، على رأسها إثيوبيا وإيران وتركيا.

وأضاف عطا، في تصريحات لـ"عربي21"، أن هناك محاولات حثيثة بذلها وما زال يبذلها أعداء العرب والمسلمين لتأجيج الخلافات بين مصر وهذه الدول، ودفعها للاشتباك السياسي والعسكري مع إحداها.

وأوضح أن مصر نجحت خلال السنوات الماضية في الإفلات من فخ الاشتباك مع إيران، عبر توريط الجيش المصري في حرب اليمن دعما للسعودية في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، مضيفا أنه بعد أن رفضت مصر التورط عسكريا في اليمن، يتم الآن تسخين الملف التركي، وتجهيز الساحة لحرب مع أنقرة؛ بسبب الخلافات حول حقول الغاز في شرق البحر المتوسط.

وأضاف أنه يجب على القائمين على الأمور في مصر الترفع عن الخلافات السياسية مع تركيا، التي يمكن أن تهدأ بمصافحة بين وزيرين أو تصريح من أحد المسؤولين، والنظر بعين الاعتبار للمصالح الاستراتيجية لمصر، التي تحتم علينا التعاون والتنسيق مع تركيا في كثير من الملفات الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أنه يجب تفويت الفرصة على من يريدون ضرب عصفورين بحجر واحد وإضعاف تركيا ومصر، لافتا إلى أن مصر أو تركيا أو إيران مؤهلة لقيادة العالم الإسلامي، لذلك يتم استنزاف هذه الدول عبر صراعات سياسية أو حروب تدمر مقدراتهم.

"تأثير ضعيف"

من جانبه، قال الخبير الإعلامي مجدي مكاوي إنه من الواضح للجميع أن الإعلام المصري المؤيد للنظام غير منهجه في التعامل مع تركيا، وتحول من حالة التجاهل أو الدفاع إلى وضع الهجوم الشرس.

وأضاف مكاوي، في تصريحات لـ"عربي21"، أن المتابع لوسائل الإعلام المصرية يرى بوضوح الهجمة المنسقة على تركيا، لكن المشكلة في هذا الهجوم أنه موجه إلى الداخل المصري فقط، ولا يؤثر في نظرة الأتراك إلى رئيسهم أردوغان، على عكس القنوات المنطلقة من تركيا التي تخاطب المصريين، وتؤثر بشدة على الرأي العام في مصر وموقفه من النظام الحاكم.

وأضاف أن هناك مشكلة أخرى في هذه الهجمة الإعلامية على تركيا، وهي أن المشاهد المصري دائما ما يعقد مقارنة بين الأوضاع الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية في مصر ونظيرتها في تركيا، ودائما ما تكون نتيجة هذه المقارنة في صالح تركيا، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الضعف في تأثير هذا الحملة.