قضايا وآراء

مزايا تعديل الدستور المصري

1300x600

تبدأ الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية عادة بخلع الرئيس وتعديل الدستور. خلع الرئيس ضرورة سياسية، وتعديل الدستور ضرورة شكلية. فالحاكم في كلتا الحالتين لا يحتاج لدستور، وإذا احتاجه لا يستخدمه، وإذا استخدمه فلمصلحته وليس لإقرار الحقوق وتعزيز الحريات. الدستور وقت الانقلابات والثورات هو ممثل كومبارس يأتي ليمثل دورا فرعيا في مشهد عنف كبير ومثير. وجوده ضرورة في كادر الصورة السياسية الجديدة، لكنه لا يضيف شيئا.

هل أتاك نبأ دستور 1923 بعد ثورة 1919 والتضحيات التي بذلت لإقراره؟ أم هل أتاك نبأ دستور 1971 بعد ثورة التصحيح الساداتية؟ ولا بد أن وصلك خبر المرحوم دستور 2012 بعد ثورة يناير 2011. سيذكر المصريون والعرب معارك إقرار وكتابة وإلغاء هذه الدساتير، ولن يذكروا غالبا مادة واحدة من أي منها؛ لأنها ببساطة لم توضع لتطبق، بل وضعت لتفرق لا لتجمع. أحسنها حالا كان أكثرها تفاؤلا وعندما تصل لنقطة الفراق بين السلطان والدستور، يدور الحاكم من السلطة والجاه ويعدل الدستور. إنه كتب بنوايا حسنة، كما قال السيسي يوما، والنوايا وحدها لا تكفي.

 

 

على هؤلاء جميعا أن يتفاءلوا لسبب بسيط؛ هو أن الحاكم الذي يكتب بدايته بتعديل دستوري، يكتب بنفسه نهايته بتعديل دستوري آخر


لهذا لا أدري سببا لإحباط كثير من المعارضين المصريين لتغيير السيسي لمواد غير قابلة للتغير في الدستور. فهذه هي طبيعة السيسي، وهذه هي طبيعة الدستور، وسبحان من له الدوام. على هؤلاء جميعا أن يتفاءلوا لسبب بسيط؛ هو أن الحاكم الذي يكتب بدايته بتعديل دستوري، يكتب بنفسه نهايته بتعديل دستوري آخر. حدث هذا مع الرئيس الراحل أنور السادات، الذي بدأ عهده بدستور 1971 وعدل الدستور قبل اغتياله ليمدد فترة بقائه في السلطة، فلم يستفد من التعديل أحد سوى خلفه محمد حسني مبارك. والأمر ذاته تكرر مع ديكتاتور تشيلي أوغستوبينوشيه الذي أراد أن يبدأ عهده بتعليق الدستور بعد قتل الرئيس، وانتهى عهده باستفتاء قضى على وجوده 17 عاما في السلطة.

كان يمكن للسيسي أن يحبك دورا جديدا في المسرحية الدستورية، كما فعل قدوته الرئيس الروسي فلاديمر بوتين حين لعب لعبة الكراسي الموسيقية مع تلميذه ديمتري ميدفيديف؛ تبادل كل منهم رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية في انتخابات شكلية يعلم الجميع أنها غير حقيقة، لكن تغيير الوجوه يمنع الملل ويحافظ على بعض ماء الوجه، ريثما تستقر الأمور وتدين لبوتين كما دانت الآن. لكن السيسي لن يفعلها؛ لأنه لا يملك مستوى عاليا من التمثيل يؤهله لذلك، ولذلك فهو يقع كثيرا في شر أعماله.

 

يدرك جيدا أن يحكم بقوة الساعد والسلاح، وربما لا يدرك أن الكادر السينمائي بدأ يصبح خاليا من الممثلين حتى الكومبارس، وهذا أمر خطير عليه وعلى بلاده، وحتى على حلفائه

إن السيسي في حبه لنموذج بوتين لا يستطيع أن يحذو حذوه شبرا بشبر وذراعا بذراع. ولا أدري إن كان يدرك أنه يحذو حذو بينوشية التشيلي أم لا؛ ذاك الذي وضع لنفسه تحصينات في الدستور تمنع من محاكمته. وقد حصنته هذه المواد فعلا، ولكن لسنوات قليلة قبل أن يُحاكم عن جرائمه كلها.. "وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا".

إن دستور 2014 هو دستور 2012 بعد تعديلات 30 حزيران/ يونيو. والمُعدل لا يُعدل، ومحاولة تعديلاته الجديدة تضيف معركة مجانية للمعارضة المصرية لا دماء فيها. فالجنرال يخلع قطعة أخرى من ملابسه لمزيد من التعري السياسي أمام من بقي في قبله مثقال ذرة من أمل فيه واحترام لتجربته. وهو يدرك جيدا أن يحكم بقوة الساعد والسلاح، وربما لا يدرك أن الكادر السينمائي بدأ يصبح خاليا من الممثلين حتى الكومبارس، وهذا أمر خطير عليه وعلى بلاده، وحتى على حلفائه. ربما هو الأمر الذي دعا السفيرة الأميركية آن باترسون لأخطر تصريح من مسؤول أمريكي، حين قالت صراحة منذ يومين بأن الجيش المصري هو من أطاح بالرئيس مرسي وهو ربما من سيطيح بالسيسي.. هكذا وبكل صراحة.