صحافة دولية

لماذا ينفق العالم الملايين على "العلم" بوجود "الجوع"؟

أيها أهم.. الأبحاث أم البطون الفارغة؟ - جيتي
 نشرت صحيفة "أ بي ثي" الإسبانية تدوينة للكاتب غونثالو لوبيز سانشيز، تناول فيها ما يعتبره البعض مفارقة يعيش على وقعها العالم، حيث أن الحكومات تصرف الكثير من الأموال على البحث العلمي والتطور التكنولوجي، في ظل وجود آفات أكثر إلحاحا على غرار المجاعة والتلوث في العالم.
  
وقال الكاتب، في تدوينته التي ترجمتها "عربي21"، إن هذه الآراء تنبع في الواقع من مواقف ذاتية تتسم بالانحياز، بما أننا يمكننا طرحها حول أي نشاط والتشكيك في قيمته. فعلى سبيل المثال، يمكن التساؤل حول جدوى دفع ملايين الدولارات لضم لاعب كرة قدم، وفائدة دفع المال مقابل تذكرة لدخول السينما في نهاية الأسبوع، إذا كان هناك جوع في العالم. وتجدر الإشارة إلى أن الناس الذين يطرحون مثل هذه الأسئلة هم في الواقع يضمرون انحيازا ضد العلوم، ويعتبرونها أمرا مملا وغير مفيد وبعيدا عن الواقع اليومي.
 
 وأوضح الكاتب أنه من الممكن فهم السبب وراء هذا الموقف، باعتبار أن العلوم هي أمر غير مرئي وغير ملموس، ويتم الحديث عنها بلغة غامضة ومعقدة يصعب فهمها. فالعلماء عادة لا يظهرون على شاشات التلفزيون، بل يعكفون على دراسة أشياء يصعب تصديقها، وتبدو لوهلة كأنها محض خيال. في الأثناء، يعتبر بعض المتحيزين ضد العلم أن هؤلاء العلماء ليسوا سوى مشعوذين، ويتهمونهم بأنهم يعملون في مختبراتهم من أجل مواصلة الحصول على المنح والتمويلات.
 
واعتبر الكاتب أن العلم يمثل ثورة حقيقية، وهو موجود في كل مكان في عصرنا الحالي. وإذا ما كان غير مرئي، فإن السبب هو أننا لا نلاحظ كل التكنولوجيا المحيطة بنا، التي ابتكرها علماء ومهندسون. والجدير بالذكر أن السيارات والقطارت والهواتف الذكية والكهرباء والبلاستيك والملابس والغذاء، كلها تم تطويرها انطلاقا من الأبحاث العلمية. وحتى أن قراءتك لهذه التدوينة في هذه اللحظات، هو نتيجة دراسة وعمل وتفكير عدد كبير من الأشخاص من أجل تطوير الشاشات الرقمية والشرائح والاتصالات اللاسلكية.
 
وأورد الكاتب فائدة أخرى للعلوم، وهي معجزة تحسن أمل الحياة عند الولادة خلال القرن العشرين، إذ أنه في الولايات المتحدة على سبيل المثال، تطور معدل سنوات الحياة بمقدار 29.2 عاما خلال الفترة بين سنة 1900 وسنة 1999، وانخفضت نسبة وفيات الأطفال فيها من 30.4 بالمائة إلى 1.4 بالمائة.
 
وأفاد الكاتب أن من المعجزات الأخرى التي حققها العلم، هو اكتشاف دور الكائنات الدقيقة في انتشار الأمراض في نهاية القرن التاسع عشر، وهو ما سمح بتطبيق إجراءات جديدة للحفاظ على الصحة والنظافة الشخصية، وتطوير المضادات الحيوية وتطبيق برامج التلقيح. وبفضل هذه التطورات، كانت الأمراض على غرار الخناق والكزاز وشلل الأطفال والجدري والحصبة الألمانية في السابق فتاكة، قبل أن يتم القضاء عليها فعليا.
 
كما مهدت الأبحاث العلمية لظهور الثورة الخضراء، التي سمحت بمضاعفة إنتاج الحبوب في البلدان النامية خلال الفترة الممتدة بين سنة 1961 وسنة 1985. وأدت العلوم لابتكار طائرات أسرع ورحلات أرخص حول العالم، وسمحت لنا بحمل جهاز كمبيوتر صغير في جيوبنا، وطلب الطعام من المنزل، وقيادة سيارات كهربائية، وشراء غرض من بلد بعيد من خلال بضع نقرات على الحاسوب.
 
وعلى الرغم من كل هذه الإنجازات، قد يحتج البعض قائلا إنه لم تكن كل الأبحاث العلمية التي تم إجراؤها، مفيدة. فعلى سبيل المثال، لم تكن الأبحاث في مجال علم الكونيات أو فيزياء الجسيمات نافعة، باعتبار أن تحديد مكان النجم الزائف (الكويزار)، لا يمكن استخدامه لإطعام شخص جائع. كما أن الكثير من الابتكارات التي يتم العمل عليها يكون مصيرها في النهاية الفشل.
 
وفي رده على هذا الرأي، أورد الكاتب أنه قبل إيجاد تطبيق عملي للعلوم، يجب القيام بالأبحاث وفهم آليات عمل الأشياء، والمفاهيم الأساسية للعالم. وعموما، يكون ذلك في البداية بدافع الفضول، دون وضع موعد محدد للتوصل إلى نتيجة. وفي الواقع، يسمى هذا المجال العلوم الأساسية، التي تختلف عن العلوم المطبقة الموجهة منذ بدايتها لتطبيقات ملموسة.
 
وقال الكاتب إن الأفراد أصبحوا يستخدمون في الوقت الراهن نظام تحديد المواقع "جي بي إس"، من أجل معرفة الطريق، متناسين أنه في بداية القرن الماضي، كان ألبيرت أينشتاين هو من وضع نظرية النسبية، التي تمثل حجر الأساس لهذا الإنجاز. ولم يكن أينشتاين حينها يفكر في هذه الاستفادة من أبحاثه، باعتبار أن أول قمر صناعي تم إطلاقه خلال سنة 1957. ولكن بفضل حساباته، التي بدت تافهة وغير مفيدة في ذلك الوقت، فإننا نعلم اليوم كيفية عمل الزمكان لنتمكن من تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية.
 
وأشار الكاتب إلى وجود نوع آخر من المشككين في جدوى العلوم، وهم أولئك الذين لازالوا لا يصدقون أن الإنسان تمكن من الهبوط على سطح القمر، أو الذين يتمسكون بأن الأرض مسطحة ويصدقون الخصائص السحرية للطب المثلي. في المقابل، كان برنامج أبولو، الذي سمح لرائد فضاء بوضع العلم الأمريكي فوق القمر، في الواقع نتاجا لتجنيد العديد من القدرات العلمية والتكنولوجية والصناعية على نطاق واسع.
 
وقد مكنت التطورات التي تحققت في إطار هذا البرنامج من ابتكار العديد من الأدوات الأخرى، على غرار ميزان الحرارة، معدات الاتصال اللاسلكي، تقنية حفظ الغذاء عبر التجفيف، العزل، مقبض التوجيه في الطائرات، مجسات كشف الدخان.
 
وأكد الكاتب على أهمية فهم العالم المحيط بنا، حيث أن دور العلوم لا يقتصر فقط على تحسين صحتنا وجودة حياتنا، بل تتمثل مهمته الأساسية في استيعاب نظام الكون، الذي توجد فيه العديد من العناصر التي لا نعلم سبب وجودها، ولكننا متأكدون من أنها تتحرك في إطار قوانين علمية محددة. وبفضل هذه الأبحاث العلمية، أصبحنا اليوم نطرح أسئلة حول أشياء غريبة لم نكن نسمع عنها في الماضي، على غرار الثقوب السوداء، المجرات، الكواكب الخارجية، الإنسان البدائي، الانفجار العظيم، الذرة والخلية.
 
وأشار الكاتب إلى أنه على الرغم من كل هذه المميزات، لا يعد البحث العلمي بمعزل عن نقاط الضعف المعروفة لدى الإنسان، حيث لا يخلو هذا المجال من الفساد والطموحات الفردية، كما أنه قد يرتبط أحيانا بالمصالح السياسية والاقتصادية. في المقابل، تبقى العلوم الأكثر موثوقية ودقة، باعتبار أنها تخضع للفحص والتدقيق يوميا من قبل ملايين العلماء حول العالم.
 
وفي الختام، اعتبر الكاتب أن البحث العلمي هو الطريق الوحيد أمامنا لتجنب المخاطر التي تحيط بنا في المستقبل. ومن دون استثمار الجهد والمال في الأبحاث العلمية، لن يكون ممكنا محاربة ?فات الجوع والتلوث، أو حماية البيئة والسيطرة على الزيادة السكانية والتغيير المناخي.