كتاب عربي 21

عودة إلى زمن الامتيازات الأجنبية!

1300x600

وها هو عهد "الامتيازات الأجنبية" يعود من جديد!

فلا يمكن فهم قانون "معاملة كبار قادة القوات المسلحة"، إلا من خلال العودة لزمن الامتيازات التي كانت ممنوحة للأجانب في مصر، سواء كانوا تجاراً، أو قناصل، أو مواطنين عاديين. وهي مرحلة بدأت في سنة 1579، وانتهت في سنة 1937 كنتاج لثورة 1919 بقيادة سعد زغلول، والتي استهدفت الاستقلال الوطني. وجاءت معاهدة سنة 1936 لتقر فيها بريطانيا بسيادة مصر على جميع الأجانب المقيمين فيها، وتعهدت بالعمل على مساعدة المحروسة في إلغاء الامتيازات الأجنبية. وبعد ذلك بعام عقدت معاهدة مونتريه بين مصر والدول صاحبة الامتيازات، حيث تم الاتفاق على إلغاء الامتيازات التشريعية والمالية والقضائية، واستردت مصر سيادتها في القضاء الجنائي على جميع المقيمين على الأرض المصرية من مصريين وأجانب!

لا يمكن فهم قانون "معاملة كبار قادة القوات المسلحة"، إلا من خلال العودة لزمن الامتيازات التي كانت ممنوحة للأجانب في مصر


وكان المعمول به في عهد الامتيازات الأجنبية أنه إذا ثار نزاع بين مصري وأجنبي؛ كان الفصل في الدعوى من اختصاص قنصل بلد الأجنبي وحده، ومن هنا صدر قانون العقوبات لينفذ على الجميع. وبعد اثنتي عشرة سنة، تم إلغاء المحاكم المختلطة التي كانت تدار من قبل الأجانب!

ومنذ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1949، ألغيت الامتيازات الأجنبية، وإذا كان قانون "معاملة كبار قادة القوات المسلحة" خاص بقيادات من الجيش المصري، فإنه يتفق مع ما سلف في كونه يدخل في سياق الامتيازات التي لم يحصل عليها القادة العسكريين، بعد حركة ضباط الجيش في 23 تموز/ يوليو 1952، كما لم يقر لهم امتيازاً في المعاملة القانونية بعد انتصار الجيش في تشرين الأول/ أكتوبر 1973. وعندما يأتي الآن عبد الفتاح السيسي فيمرر هذا المشروع، فلا نلام إن ذكّرنا بزمن الامتيازات الأجنبية التي طوته مصر بفضل ثورة 1919، وبفضل النضال التاريخي بعد ذلك للزعيم مصطفى النحاس.

فالامتياز بقانون أمر ليس مسبوقاً في مصر منذ إلغاء المحاكم المختلطة، وإقرار قانون العقوبات في سنة 1937، لكن عبد الفتاح السيسي ذكرنا بهذه المرحلة الآن!

القانون، أو مشروع القانون للدقة، نص على استدعاء الضباط من كبار قادة القوات المسلحة لخدمة القوات المسلحة مدى حياتهم، وهو لم يحدد من هم هؤلاء القادة، وإنما ترك الباب موارباً لسلطة السيسي نفسه، فهو من يصدر قرارا بأسمائهم، وهو إجراء احترازي، حتى يقطع الطريق على الجنرالات المتقاعدين من خوض الانتخابات الرئاسية، بعد تجربة الفريق سامي عنان الذي لا يزال في السجن الحربي إلى الآن؛ بعد إعلانه أنه سيخوض الانتخابات الرئاسية، وقيل وقتها إنه لا يجوز له هذا لأنه في مرحلة الاحتياط، وهي حجة أضحكت الثكالى؛ لأنه بمقتضى كونه ضمن المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد الثورة، فقد أدرج في كشوف الناخبين، وأدلى بصوته مع زملائه أعضاء المجلس في الانتخابات ،الرئاسية، فأراد السيسي بهذا المشروع أن يمنعه (مدى الحياة) من الترشح. وكون الرجل مسجوناً إلى الآن، فمعنى هذا أنه لم يتراجع ولم يخضع بالقول ليطمع الذي في قلبه مرض!

وهذا المانع ينطبق على الفريق أحمد شفيق، وغيره، وكل من يفكر في خوض الانتخابات القادمة، بالذات من العسكريين، لتصبح عقدة النكاح بيد السيسي وحده، لا سيما وأن كل البدائل له إلى الآن تنتمى إلى المؤسسة العسكرية. ويلاحظ أن النص مفتوح ولم يحدد الرتب أو المواقع العسكرية، كما لم يحدد المقصود بكبار قادة القوات المسلحة!

والنص السابق، يحمل تكريما لأصحاب "القسمة والنصيب"، كما يمنع من تسول له نفسه خوض الانتخابات الرئاسية من ذلك، ويكون التعويض لهؤلاء وهؤلاء بمعاملتهم "بالمعاملة المقررة للوزير"


والنص السابق، يحمل تكريما لأصحاب "القسمة والنصيب"، كما يمنع من تسول له نفسه خوض الانتخابات الرئاسية من ذلك، ويكون التعويض لهؤلاء وهؤلاء بمعاملتهم "بالمعاملة المقررة للوزير، ويتمتعون بجميع المزايا والحقوق المقررة للوزراء في الحكومة"، كما تحدد بقرار من السيسي أيضاً؛ المزايا والمخصصات الأخرى التي يتمتع بها المخاطبون بأحكام هذا القانون، ويجوز الجمع بين المزايا والمخصصات المقررة بناء على أحكام هذا القانون وبين أي ميزة مقررة بموجب أي قانون آخر!

كما "يتم منح المشار إليهم في المادة الأولى، بقوة هذا القانون الأوسمة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية".. و"لا يجوز مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق أو اتخاذ أي إجراء قضائي في مواجهة أي من المخاطبين بأحكام هذا القانون عن أي فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسببها، إلا بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، كما يتمتعون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات الخاصة المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية طوال مدة الخدمة وكذا مدة استدعائهم!

المستهدف حماية شركاء السيسي في المجازر، التي شهدتها مصر في الفترة من بيانه العسكري في 3 تموز/ يوليو 2013، إلى تشكيل مجلس النواب، وهي الفترة التي شهدت المذابح


وهنا نكون قد وصلنا إلى بيت القصيد، فالمستهدف حماية شركاء السيسي في المجازر، التي شهدتها مصر في الفترة من بيانه العسكري في 3 تموز/ يوليو 2013، إلى تشكيل مجلس النواب، وهي الفترة التي شهدت المذابح بداية من مذبحة الحرس الجمهوري، ومرورا برابعة والنهضة ومسجد الفتح، وانتهاء بغيرها من المذابح التي تعد جريمة ضد الإنسانية؛ لا تسقط بالتقادم. وهو هنا لا يسبغ فقط عليهم حماية داخلية، ولكن يريد أن يحصنهم من القضاء الدولي، بقيام وزارة الخارجية باتخاذ كافة الإجراءات على النحو الوارد في المادة السادسة من مشروع القانون، أي أن الوزراة ستصدر لهم جوازات سفر دبلوماسية!

ولنا على هذا "الخطل" هذه الملاحظات:

الملاحظة الأولى: أن القضاء الدولي له ضوابطه الخاصة فيما يتعلق بالحصانة الدبلوماسية، ولا يخضع في هذا للقوانين المحلية، لا سيما من أنظمة تسيء استخدام سلطة التشريع. وقد شاهدنا كيف أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية قطعت زيارتها لبريطانيا وعادت سريعاً خوفاً من إجراء قضائي ضدها، مع تمتعها بالحصانة الدبلوماسية.

الملاحظة الثانية: أن هذه الامتيازات حصل عليها قادة بالقوات المسلحة في مواجهة أحداث بعينها، وهو إجراء كاشف عن أزمة داخل النظام الحاكم، فلا يشعر بقدرته على الاستمرار في الحكم. ومن هنا فإنه يؤمن نفسه من أي احتمال قادم، سواء كانت الإطاحة به بثورة، أو بتفاهمات دولية واقليمية!

من الواضح أن هناك أزمة فجرها عزل وزير الدفاع صدقي صبحي، والذي لم يظهر للناس إلى الآن


الملاحظة الثالثة: أنه من الواضح أن هناك أزمة فجرها عزل وزير الدفاع صدقي صبحي، والذي لم يظهر للناس إلى الآن. والرجل متورط مع السيسي في انقلابه وما أنتجه من جرائم، وربما يصدر هذا المشروع في إطار صفقة معه، بمقتضاه يرضى بالأمر الواقع، وقد مُنح الحصانة الدبلوماسية. والأمر سيستفيد منه حتماً كل أعضاء المجلس العسكري المعزولين، بحسب تقديرات السيسي؛ الذي هو في هذا القانون "مولانا ولي النعم"، فيحدد قائمة "كبار الضباط" ومن منهم يعامل المعاملة المقررة للوزير، وكافة الامتيازات الأخرى، ومن بينها الحصانة الدبلوماسية!

ويلاحظ هنا أن القوم لا يمكنهم الدفاع عن هذه الامتيازات؛ لأنه لم يستفد منها كل الضباط الكبار بالجيش مثلاً. ولعل اللافت هنا هو هذا التمييز في المراكز القانونية المتساوية بين "كبار قادة القوات المسلحة" و"كبار قادة وزارة الداخلية"، فهو امتياز لم يمنح للأولين؛ لأنهم خاضوا حرباً ضد الأعداء. فالحرب ضد الارهاب خاضها معهم رجال الشرطة كتفاً بكتف، لكن التمييز في الحماية والحصانة يعود بنا إلى مربع عدم استقرار الحكم!

قد يكون تغيير النظام أمراً سابقاً لأوانه، لكن السيسي بطبيعته "يحتاط" لنفسه ويخاف القادم المجهول ، وشركاؤه في الإثم يريدون تأمين حياتهم الآن


الثورة وحدها هي التي يمكنها ألا تعترف بالقوانين، باعتبار الثورات في حد ذاتها عملاً خارج القانون، شريطة ألا تكون في "مكارم أخلاق" ثورة يناير؛ لأن هذه الثورة مثلها مثل تغيير النظام بتفاهمات دولية وإقليمية، فقد يكون المقرر عودة الجيش لثكناته، وإلى مرحلة مبارك، أو أن يكون بإبعاد كل من شاركوا في الانقلاب، فإن هذا يكون مقابل اتفاق يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلا يقترب الحاكم الجديد من امتيازات الجيش ومنها الامتيازات الأخيرة، مقابل العودة للثكنات!

وقد يكون تغيير النظام أمراً سابقاً لأوانه، لكن السيسي بطبيعته "يحتاط" لنفسه ويخاف القادم المجهول ، وشركاؤه في الإثم يريدون تأمين حياتهم الآن، فكان هذا القانون الذي يعد كاشفا عن عدم استقرار الحكم ، على عكس ما يتم الترويج له.

أليس الصبح بقريب؟!