قضايا وآراء

في محاورة النخب "اللائكية" التونسية

1300x600
لقد جاءت بطولة العالم لكرة القدم لتؤكد (على الأقل فيما يخص الدولة التونسية) قاعدتين؛ يمكننا أن ننطلق منهما في محاورة النخبة "اللائكية" في بلادنا. فأما أولى القاعدتين فهي مشهورة في الفكر السياسي الفرنسي الكلاسيكي، وهي تقول إنّ "كل شيء مرتبط جذريا بالسياسة"، ولكن علينا أن نتذكر دائما أنّ "سياسة المدينة" لا تنفصل عند النخبة "الحداثية"، بيمينها ويسارها، عن الفلسفة السياسية "اللائكية"، باعتبارها الشكل "الأمثل" للعلمانية وليس باعتبارها شكلا تاريخيا من الأشكال المتعددة للعلمانية، أي شكلا "بشريا" (لا مقدسا) من أشكال إدارة العلاقة بين الديني والسياسي في الفضاء الدولاني الحديث. وأمّا القاعدة الثانية التي تتحكم في الأغلب الأعم بالنخبة العلمانية؛ فهي انشدادها إلى الزمن الدستوري-التجمعي من جهة إشكالياته وخياراته ورهاناته وحلوله، أي من جهة منطقه الكلّي. وليس التعاطي مع كرة القدم، ومع غيرها من المواضيع، إلا مظهرا من مظاهر الخضوع (الواعي أو اللاوعي) لهاتين القاعدتين.

ومهما كان تحديدنا للقيمة المعرفية لأغلب الخطابات المتحكمة في الفضاء العام في تونس، فإننا لن نختلف في أنها خطابات مُسيّسة، وإن لم تكن متحزّبة بالضرورة. والتسييس قاعدة عامة لا تنحصر في الخطابات"اللائكية"، بل تفيض لتشمل خطابات الإسلاميين الذين ما زالت "العلمانية" عندهم (كما قال المرحوم عبد الوهاب المسيري) كلمة "سيئة السمعة". ولا شك في أن جانبا مهما من "سوء سمعة" العلمانية (أو اللائكية) عندنا لا يرجع إلى تنزيل المفهوم في سياقه الفرنسي الأصلي، بقدر ما يرجع إلى "بؤس" عملية الاستنبات أو "التَّونسة" التي حاولت أن تجعل من "مبادئ الجمهورية الفرنسية" قاعدة لما يُسمّى بـ"النمط المجتمعي التونسي".

بصورة شبه نسقية، أنتجت أغلب النخب "اللائكية" في تونس (قبل الثورة وبعدها) خطابات معادية للتدين الجماعي، بل معادية للدين ذاته بصرف النظر عن تجسيداته وتأويلاته التاريخية المختلفة؛ (أي معادية للعقيدة والشريعة والقيم والرموز والمخيال والتاريخ"الإسلامي" بما هو "إسلامي"، وليس بما هو "إسلام سياسي" مثلا)، وهي بهذا السلوك المعرفي- السياسي "تُتونس" منطق اللائكية الفرنسية التي ورثت (لأسباب تتعلق بسياق نشأتها ذاتها) عداوة مرضية للمؤسسة الدينية؛ بحكم ارتباط الكنيسة الفرنسية بالإقطاع وبالمؤسسة الملكية التي قامت عليها الثورة. ولذلك، فإن العداوة التي تظهرها أغلب النخب اللائكية لمظاهر التدين، ودعك في هذا الموضع من عداوتها للإسلام السياسي، لا يمكن أن تُفهم إلا بأنها (في أسوأ الحالات) نوع من المحاكاة البافلوفية للأصل الفرنسي المسكون بعداء الكنيسة و"السلطة ذات الرأسين"، أو أنها (في أفضل الحالات) نوع من الخوف على "الثورة" وعلى الفلسفة السياسية الحديثة من "كنيسة الإسلام"، أي من الإسلام السياسي.

لو شئنا أن نختزل السمات الغالبة على دور النخب اللائكية بعد الثورة، فإننا نستطيع اختزالها في دورين: دور أول "لا وظيفي" من جهة استحقاقات الثورة (استحقاق إعادة توزيع السلطة والثروات المادية والرمزية على أساس أكثر عدلا من الناحيتين الجهوية والفئوية)، ودور ثان هو دور "رجعي" من جهة علاقة النخب اللائكية بالقطيعة التي كان من المفترض أن تحدثها الثورة في العقل/الحقل السياسي ما بعد الاستبدادي. ولو شئنا أن نختزل هذين الدورين في دور واحد لقلنا إن الدور الأساسي للنخب "اللائكية" كان هو "التلهية"، أي حرف الرأي العام عن مدارات الصراع الاقتصادية الاجتماعية، وترسيخ الاستقطاب الهووي باعتبارها أداة لتجميع الفرقاء (داخل ما يُسمّى مجازا"العائلة الديمقراطية")، وأداة لتحديد "التناقض الرئيسي" الذي تحول بفضل هذه النخب "اللائكية" من منظومة الاستبداد إلى حركات الإسلام السياسي (سواء أكانت داخل الحكم أم في المعارضة أو حتى في المجتمع المدني). وحتى لا نطيل في حقيقة الدور الذي أدته النخب "اللائكية" بعد الثورة وفي طبيعة الجهات المستفيدة منه، يمكننا أن نطرح سؤالا واحدا قد نعود إليه بالتفصيل في مقال مستقل: هل استطاعت النخبة "اللائكية" التونسية أن تتجاوز "الزمن الاستبدادي"؟ أي هل استطاعت أن تمارس التفكير بعيدا عن احتياجات الدولة العميقة واستراتيجياتها الرامية إلى إعادة الدولة إلى مربع المركب الأمني- المالي- الجهوي المتحكم في تونس منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا؟

إن الإجابة على هذا السؤال، وهي إجابة تتأسس على استقراء مواقف النخب العلمانية واصطفافاتها قبل الثورة وبعدها، ستجعلنا نقف على حقيقة مهمة؛ ألا وهي الحقيقة التالية: إن العقل السياسي الذي ما زال مشدودا إلى لجان التفكير التجمعية (حتى إن يكن منها واقعيا أو عارضها "صوريا") وإلى استراتيجيات "تجفيف منابع الإرهاب" التجمعية (التي تحوّلت واقعيا في ممارسة النخب"اللائكية" وتنظيراتها إلى استراتيجيات لـ"تجفيف منابع التدين" وليس الإرهاب فقط). إن هذا العقل لا يمكن إلا أن يكون عقلا ثقافويا من جهة الإشكالات، عقلا يحجب الرهانات الحقيقية للصراع على الثروات المادية والرمزية، رجعيا من جهة الحلول، بحكم اصطفافه إلى جانب ورثة المنظومة القديمة، وذلك بصرف النظر عن ادعاءاته التقدمية والإنسانية، ولا وظيفيا من جهة العلاقة بالجمهورية الثانية، أي جمهورية المواطنة الكاملة، لا جمهورية المواطنة المشروطة أو ما دون المواطنة. ولذلك، فإن "استثمار" النخب العلمانية لحدث بطولة العالم لكرة القدم،من أجل خلق سجال ثقافوي هووي يخفف الضغط على الحلفاء ويستهدف خصما سياسيا معينا، هو استثمار متوقع، كما أن أغلب الردود على هذا الاستثمار هي ردود متوقعة، وإن كانت لا تُعبر بالضرورة عن "الإسلاميين" بقدر تعبيرها عن "الإسلام العفوي" لأغلب التونسيين.

وقد لا يكون من المُجانب للصواب أن نقول إنّ مخاوف النخب العلمانية (وهي مخاوف مشروعة أحيانا ومبالغ فيها أحيانا أخرى)، تدور حول خوف أصلي تُشتق منه جملة من المخاوف الفرعية؛ الخوف من "أسلمة المجال العام"، أي الخوف من تحوّل الإسلام، بفضل "الإسلام السياسي" وبمعناه المؤسس للاجتماع التقليدي السابق للاجتماع السياسي الحديث، إلى مرجعية للدولة، أو تحوّله إلى "المرجعية الأساسية" لتونس، مما يعني، عند النخبة، تهديد "النمط المجتمعي التونسي" القائم أساسا على جملة من المكاسب والحريات الفردية والجماعية، التي قد لا تجد تأصيلا لها بالضرورة في المتن الفقهي. إنه خوف "مشروع"، ولكنه أيضا خوف مبالغ فيه بحكم موازين القوى الحالية، بل بحكم المراجعات الجذرية التي قامت بها حركة النهضة من جهة أولى، وبحكم فشل الحركات السلفية التكفيرية، من جهة ثانية، في اختراق النسيج المجتمعي التونسي بصورة ثابتة وخطيرة على أسس العيش المشترك.

بصرف النظر عن ادعاءاتها الذاتية، فإن خطابات النخب اللائكية التونسية هي خطابات لا تنفصل عن سياق"الانتقال الديمقراطي"، وهي بهذا المعنى خطابات "انتقالية"، أي خطابات مفتوحة على أكثر من إمكان: فإما (1) أن تفشل في الالتحاق بالثورة بأن تبقى مصرّة على منطق"الإنكار"، فكأنّ الثورة عند هذه النخب اللائكية لم تحصل، أو كأنها مجرد لحظة تعديلية لمنظومة حكم "جيدة" لأنها كانت "فقط" تستثني الإسلاميين، بل تستهدفهم بصورة منهجية، وستجذّر النخبة العلمانية بذلك بعدها "اللاوظيفي"، كما ستخسر ما تبقّى من مصداقيتها معرفيا وأخلاقيا، وستفقد جزءا مهما من قدرتها على "الاقتراح" وعلى المساهمة في بناء الجمهورية الثانية من موقع "تشاركي". وإمّا (2) أن تتدارك النخبُ اللائكية أسباب فشلها وتعترف بالقطيعة البنيوية التي حصلت بعد الثورة التونسية، بما يعنيه ذلك من تواضع معرفي، وما يعنيه أيضا من تحرر من أحادية الصوت، بل بما يعنيه أساسا من اعتراف بالأنساق الفكرية أو المنظومات السلوكية المخالفة حتى الإسلامية منها، ما دامت تشتغل ضمن دائرتي الدستور والقانون، كاعتراف نهائي، وغير قابل للتفاوض مع القوى الانقلابية، بالإرادة الشعبية، بعيدا عن الترذيل والتشكيك كلما خالفت هوى "النخبة" وانتظاراتها.