كتاب عربي 21

ترامب المرشح.. وترامب الرئيس

شهيد بولسين
1300x600
1300x600
طوال حملته الانتخابية، وأنا أتخيل أن المرشح ترامب مجرد شخصية خيالية! أو دور تمت كتابته وفقا لأبحاث تسويقية دقيقة تستهدف أكثر قطاعات المواطنين سخطا لأنهم الأنشط انتخابيا في الولايات المتحدة. وقبل الانتخابات مباشرة، تم تأكيد هذه المعلومة بشكل أو بآخر من خلال جملة قالها ترامب في مقابلة، عندما قال إنه إن لم يفز، فسيعتبر هذه الأشهر الـ18 الماضية وكأنها "خسارة كبيرة"، لأن كل فعله كان من أجل الفوز.

أي مرشح آخر كان سيقول شيئا من قبيل: "إن لم أفز، فإن الأمر كان يستحق كل العناء الذي بذل من أجله؛ لأنني ساهمت في الخطاب السياسي، وفي عرض القضايا، وأعطيت صوتا لأناس لم يكن في إمكان أحد أن يسمعهم لولا ذلك".. وهكذا دواليك.

ولكن هذا لم يكن هو الحال بالنسبة لترامب، فحملته لا علاقة لها بأي من كل هذا. حملته كانت متعطشة وعدوانية... افعل كل ما في وسعك، وقل كل ما في وسعك، وبِع ما لديك بأكثر الطرق عدوانية لكي تحصل على هذا المنصب. فكانت مثل استعراض درامي أحادي الشخصية يعرض نسخة من كتابه "فن إتمام الصفقات". وعلينا أن نعترف، لقد كانت الحملة رائعة؛ بلا مبادئ، وغير أخلاقية، وفاسقة وغير لائقة... ولكنها رائعة.

لقد كلفت حملته أقل من 100 مليون دولار، وهذا شيء لم يحدث أبدا من قبل! ولكنه كان يعرف كيف سيحصل، في الواقع، على التغطية الإعلامية الكبيرة واللانهائية والمجانية. وكلما كانت الصحافة المحلية الشهيرة تسخر منه، كلما كان يعزز هذا ويقوي من لب دائرته الانتخابية؛ لأنهم لا يثقون في وسائل الإعلام الرسمية، وفريق ترامب يعرف كل هذا بالتأكيد.

لا أعتقد أن ترامب يكره المسلمين، أو المهاجرين غير الشرعيين، أو حتى هيلاري كلينتون. ولا أعتقد أنه حتى عنصري. بل أعتقد أنه مجرد شخص معتل اجتماعيا، على استعداد لتعزيز الكراهية من أجل حشد الأصوات، فهو لديه درجة متساوية من الازدراء لأي شخص على الأرض ليس مليارديرا.

التناقض الصارخ بين ترامب المرشح وترامب الرئيس المنتخب بدأ في الظهور على الفور. فخلال كلمته التي ألقاها لقبول المنصب قال إن هيلاري كلينتون تستحق احترام أمريكا وامتنانها من أجل خدماتها التي قدمتها للبلاد، وهذا يخالف تماما ما قاله عنها من قبل، عندما قال إن مكانها الذي تستحقه هو السجن. أما عن خطته لحظر المسلمين من الولايات المتحدة، فقد تم رفعها من موقعه على الإنترنت. وأنا متأكد من أن الكثير من مواقف حملته الأخرى ستتغير بشكل جذري، لأنها كانت كلها عبارة عن حيل ووسائل خداع، وجزءا من استراتيجيته للفوز بالبيت الأبيض. وحصد دعم فصيل من الناس قد لا يرغب أبدا أن يُشَاهَد معهم علانية في الحياة الحقيقية. هناك أناس يكرهون ترامب لأنه مهرج فاشي، وهناك أناس يحبونه لأنه مهرج فاشي... وكلا الفريقين تم خداعهم على حد سواء! فترامب ليس مهرجا فاشيا.

ولكن بطبيعة الحال، لأنه كان يمثل دور المهرج الفاشي من أجل الفوز، فقد أساء للمجتمع. فقد ارتفع عدد الهجمات ضد المسلمين بحوالي 80 في المجتمع، وارتفعت الهجمات العنصرية والمعادية للمسلمين منذ انتخابه، وهذا بخلاف أن المهرجين الفاشيين الحقيقيين في الولايات المتحدة أصبحوا أكثر جرأة. وقد يحاول هو (أو قد لا يحاول) أن يخمد هذه الأحداث، وهذا يتوقف على ما إذا كان يرى هذا الأمر مفيدا أو غير مفيد بالنسبة له. ولكنني أعتقد أنه من الخطأ بالنسبة للديمقراطيين والليبراليين أن يغلقوا الباب تماما على فرصة أن تكون رئاسته ستحقق فعلا بعض التغييرات الإيجابية.

وها نحن نرى أول رئيس، منذ عقود طويلة، لا يدين بالفضل لممولي الشركات؛ عقود طويلة جدا بحيث لا أحد على قيد الحياة يمكن أن يتذكر أي الرئيس لم يكن كذلك! لقد تمكن من كسر اليد الحديدية التي تقبض بها المؤسسة السياسية على العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة، مع وجود 25 في المئة فقط من الناخبين يؤيدونه (حيث أن ما يقرب من نصف المواطنين لم يصوتوا). فعن طريق تبني حملة سلبية وقبيحة بشكل لا يصدق، كل ما حدث هو أن من كان في إمكانهم منعه من الفوز اختاروا التخلي عن العملية بالكامل؛ لأنهم شعروا بالقرف والاشمئزاز منه، أدى هذا إلى تضخيم قوة التصويت في دائرته الانتخابية الأساسية، وبهذا أصبح قادرا على الفوز تقريبا ضد رغبات هيكل السلطة. حتى وإن فعل هذا من خلال تكتيكات مناورة شيطانية، إلا أنه شيء مذهل حقا، وهناك في الواقع شيء يبعث على التفاؤل في كل هذا... وهو أنه من الممكن أن يتم انتخاب شخص ليس جزءا من المؤسسة السياسية.

لا أحد يعرف ماذا سيفعل! وهذا شيء مخيف، ولكنه أيضا مثير نوعا ما! ولنكن منصفين، فسواء بالنسبة لبيل كلينتون، أو بوش، أو أوباما، فقد كنا نعرف إلى حد كبير بالضبط ما يمكن توقعه، تماما كما كنا نعرف ما يمكن توقعه مع هيلاري: وهو تقريبا المزيد من "نفس الشيء" في كل هذه الحالات. أمريكا لديها الآن أول رئيس مستقل منذ أجيال، وهذه بكل صراحة، نقطة تحول في التاريخ.

إذا نفذ ترامب فعلا السياسات الاقتصادية الحمائية، وتبع سياسة خارجية أكثر انعزالية، أعتقد أن هذا سيكون جيدا جدا بالنسبة للولايات المتحدة، بل وبالنسبة للعالم. أما إذا نفذ سياسات شبيهة بريغان، مثل رفع القيود وتطبيق المزيد من التخفيضات على ضرائب الشركات وخفض الضرائب على الأثرياء، فطبعا سيكون هذا شيئا ضارا جدا. ولكنني أعتقد، وهذه هي النقطة، أننا حقا لا نعرف ما سيفعله؛ لأنه أيا كان ما قاله خلال حملته الانتخابية، فهو لا يمكن أن يؤخذ حقا كمؤشر على موقفه الحقيقي. كل ما علينا ببساطة أن نفعله هو أن ننتظر ونرى، ومن المهم أن نفعل هذا... أن ننتظر ونرى... بدلا من أن نبدأ بشكل تلقائي واستباقي في مهاجمة رئاسته على أساس طبيعة حملته الانتخابية.
التعليقات (0)