كتاب عربي 21

الحاجة لرؤية استراتيجية لمكافحة الإرهاب عوض الرد الغريزي

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600
بقدر ما كانت العملية الإرهابية في سوسة غير مسبوقة من حيث عدد الضحايا بقدر ما هي مكررة من حيث طبيعة المجرم. كان متوقعا من رئيس الحكومة أن تتم عملية إرهابية في شهر "رمضان"، رغم أن رئيس الجمهورية اعتبرها "غير متوقعة" واعتبر أن الترتيبات الأمنية يجب أن تنطلق وسط رمضان ( 1 جويلية). 

أدت العملية إلى حالة صدمة وأسى كبيرين في الرأي العام التونسي. قيادات السلطة، في المقابل، قررت أن تتماشى مع ردود الفعل العاطفية وأن تركز على مواطن غير معنية بالإرهاب. 

تركيز بعض قيادات السلطة كان بداية على حملة للمطالبة بالشفافية في الطاقة (وينو البترول)، بل تعرضت لمبدأ المعارضة في حد ذاته ونقد الحكومة، وانتقل إلى التهديد بسحب تصريح "حزب التحرير" الذي ينشط وفقا للقانون وبشكل سلمي (لا يحمل بالضرورة فكرا مطابقا للدستور) والتضييق على نشاطه، وإغلاق ما تبقى من مساجد لا تخضع لسيطرة مباشرة لوزارة الشؤون الدينية، ثم عزل أئمة يختلفون سياسيا مع رئيس الجمهورية والحزب الأغلبي، بسبب ذلك كتبت منذ أيام  الباحثة الأمريكية الشابة في المسألة السلفية في تونس مونيكا ماركس في "الغارديان" البريطانية، عن أن "الغريزة الاستبدادية" للسلطة الحاكمة الآن ستعمق ولن تحد من ظاهرة الإرهاب. 

هذه "الحلول" تنبع على الأرجح من تصور للإرهاب يعتبر أن أي تفكير ديني "سلفي" أو "أصولي" يعني بالضرورة "تمهيدا للإرهاب". وعليه مشروع مكافحة الإرهاب لا يصبح مشروعا محددا لحصر ظاهرة استعمال العنف ضد الدولة بمضامين دينية، بل يصبح أكثر تعقيدا ومرهونا بفرضية فكرية هلامية عوض أن يكون متعلقا بتصور براغماتي عملي.

 التشخيص الدقيق مرحلة أساسية في إعداد تصد استراتيجي لمكافحة الإرهاب، وفقط حينها يمكن تجاوز ردود الفعل العصبية التي لا يمكن تقبلها عندما تصدر من عموم المواطنين، و-حتما- ليس من قبل أجهزة الدولة. المشكل هنا أن هناك مقترحا استراتيجيا تم العمل عليه من مصالح مختلفة للدولة، وفي سياق المجلس الأعلى للأمن بإشراف الرئيس السابق الدكتور المنصف المرزوقي، وفي تعاون بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة سنة 2014. غير أنه يتعرض للتجاهل من السلطة الحالية، بل علق المكلف بالإعلام في رئاسة الحكومة منذ أيام أنه لا أثر لهذه الاسترتيجيات في أروقة رئاسة الحكومة. 

وكنت ذكرت رئيس الجمهورية الحالي بما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة في رسالة مفتوحة منذ أيام بصفتي مديرا عاما سابقا للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية: "ساهمنا سنة 2014 باسم رئاسة الجمهورية وبتنسيق من رئاسة الحكومة في فترة السيد مهدي جمعة بالمساهمة عبر أحد باحثي المعهد المختصين في بحث "السلفية الجهادية"، الأستاذ سامي براهم، في مجموعة عمل ضمت ممثلين عن وزارات مختلفة من داخلية ودفاع وعدل وشؤون دينية. وأفرز فريق العمل وثيقة منهجية مفصلة بمشاريع قوانين وسياسات محددة في أكثر من مجال، وتضع تصورا استراتيجيا غير مسبوق يمكننا من مفارقة التخبط والعشوائية في مواجهة الإرهاب، بناء على أسس عملية وعلمية في الوقت ذاته. 

وقد حرصت عندما التقيت السيد رئيس الحكومة الحبيب الصيد بصفتي الحزبية عندما التقى قيادات الأحزاب في مارس وجوان 2015 على تذكيره بوجود هذه الوثيقة، وبالبناء عليها لبناء استراتيجيات لمقاومة الإرهاب. وأعلم علم اليقين أن رئيس الحكومة اتصل بمنسق فريق العمل على هذه الاستراتيجيات، وهو عضو في الحكومة الحالية، وتأكد من وجودها. وكانت الوثيقة من ضمن الوثائق التي سلمها السيد مهدي جمعة إلى السيد الحبيب الصيد عند نقل السلطة بينهما."

أهمية التشخيص الدقيق مسألة عملنا عليها في إطار المعهد والعديد من الخصائص التي تكشفت في إطار البحث حول المسالة، التي تم نشرها في ديسمبر 2014 في كتاب "السلفية الجهادية في تونس: الواقع والمآلات" يمكن نراها في العناصر الإرهابية التي تقوم بالعمليات الأخيرة. مثل سيف الدين الرزقي المسؤول الأساسي على عملية سوسة، الذي كان يعيش حياة مزدوجة فيها الجانب العقائدي الديني المتطرف وفيها أيضا تعلقه بعادات جيله، التي لا تتطابق بالضرورة مع الضوابط الدينية، وبهذا المعنى يمكن أن نفهم استهلاكه للمخدرات بشكل منتظم، وتحديدا "الكوكايين" عند قيامه بالعملية. الشخصية القاعدية للإرهابي الذئب المنفرد والنموذج الراهن للأعمال الانغماسية بوصفها شخصية هشة "شكيزوفرينية" التزامها العقائدي مكمل وليس الدافع الأهم. 

في كتاب "السلفية الجهادية في تونس" تم تخصيص البحث النفسي الموسوم بـ"عامل العُصابيّة في الشخصيّة السلفيّة في علاقته مع بعض المتغيّرات" (العربي النفاتي)، وهو بحث يركّز على تحليل البناء النفسي للشخصيّة السلفيّة من وجهة علاقتها بالعُصاب (Névrose) من حيث هو عدم توافق انفعالي مزمن، يجد ترجمته في احتداد مشاعر القلق والغضب والعدائيّة والاكتئاب والتقدير السلبي للذّات والاندفاع، وهو بحث يعد أيضاً بالكشف عن الفروق الجوهريّة في مكوّنات البناء النفسي للشخصيّة السلفيّة ومدى تأثّرها بعدّة متغيّرات (الحالة الاجتماعيّة والعمر والمستوى الدراسي والجنس والوسط واستهلاك الموادّ المخدّرة والسّجن)، بالاعتماد على استبيان الشخصيّة، وهو ما يجعلنا أقرب إلى فهم طبيعة الشخصيّة السلفيّة في تونس، علاوة عن التفكير في صياغة إطار نظري حول موضوع السلفيّة وأن يفيد من الناحية التطبيقيّة أصحاب القرار على فهم الظاهرة والتعامل معها. 

في هذا البحث وغيره تبرز حاجة شباب مهمش للانتماء لجماعة تدعي حلم "التمكين" على أساس تقويض الدولة القائمة بكل تفاصيلها بما في ذلك تركيبتها الديمقراطية. هذا الشعور المعادي للدولة بما هي منظومة كاملة من الممارسات هو الدافع الرئيسي لانضمام هذا الشباب "العصابي" للإرهاب. الفكر الديني الذي يشدد على ممارسة العنف ضد الدولة، هو مزوقات وديكور يبرر لهذا الشعور ويضفي شرعية إضافية فحسب. 

بهذا المعنى فإن الرجوع إلى ردة الفعل الغريزية التي مارسها بن علي بشكل فاشل لأكثر من عشرين سنة، والقاضية مواجهة أطراف ليس لها علاقة بالإرهاب، ويتم حشرها في هذه الزاوية لأنها تشترك معه في الالتزام الديني الظاهر، إنما يخدم بالأساس طروحات الإرهاب. وهذا أمر معلن وعبر عنه بشكل دقيق الإرهابي أبو بكر الحكيم في أحد الأعداد الأخيرة لمجلة "دابق"، حينما اعتبر سياسة بن علي في التضييق على الممارسات الدينية عاملا مشجعا لانتشار الجماعات التكفيرية، بما أنها توفر مرشحين إضافيين من الملتزمين دينيا. بالمناسبة لا يؤكد تميز تونس في "تصدير الإرهاب"  منذ فترة بن علي فقط "وثائق سنجار" التي كشفتها المخابرات الأمريكية سنة 2007، بل أيضا شهادة الجنرال باترايوس في الكونغرس الأمريكي سنة 2009 مثلما كشف بسام بونني في مقال منذ أيام في "الديالي ستار".

سياسة بن علي في محاربة الإرهاب فاشلة، وما نعانيه الآن يرجع في جزء كبير إليه، ولكن يضاف إليه أيضا ارتباك ومحدودية أفق الحكومات الانتقالية المتعاقبة بعد الثورة. التفعيل العملي الأكثر قربا لهذا الفشل يمكن أن نراه لدى سلطة الانقلاب في مصر، حيث إن الشعب المصري يواجه مع استبدادها إرهابا متعاظما في سيناء، مقابل خسارة حرياته وتغول السلطة إلى حد تصفية معارضيها باغتيالهم في منازلهم بدم بارد. 

هناك رؤيتان في مكافحة الإرهاب، الأولى تضمر الاستبداد وتستثمر في ردة الفعل العصبية الغرائزية للمواطن الذي يحتاج أمان الدولة من الرعب الذي يبثه الإرهاب، وتعتبر كل من يحمل خطابا دينيا سلفيا أو إسلاميا عموما، وتعتبر المسجد ذاته، وحتى اللحية والقميص أصولا للإرهاب، وبالتالي هي رؤية توسع المرشحين للانضمام لدائرة الإرهاب ولا تقلص فيهم. 

الثانية استراتيجية تنبع من تصور دولة ديمقراطية فعالة تحارب الإرهاب بناء على تشخيص دقيق وشفاف، لا يخضع للحسابات الإيديولوجية الهلامية وهو ما تحتاجه تونس، ويتجاهله حتى الآن للأسف الرئيس الحالي.  
التعليقات (0)