كتاب عربي 21

هل ينجح مهدي جمعة في إعادة الخليجيين إلى تونس؟

صلاح الدين الجورشي
1300x600
1300x600
كتب صلاح الدين جورشي: يؤدي رئيس الحكومة التونسي مهدي جمعة على رأس وفد جولة تقوده إلى دول الخليج. وبالرغم من الطابع الاقتصادي الطاغي على هذه الزيارة، إلا أن دلالاتها السياسية، تعكس إلى حد كبير محاولة إعادة إحياء ثوابت الدبلوماسية التونسية القائمة على عدم التدخل في شؤون الغير، ومحاولة كسب صداقة الجميع.

من المؤكد أن الثورة التي حدثت في تونس، وما ترتب عنها من تداعيات إقليمية، قد غيرت من نظرة دول الخليج لهذا البلد الصغير والذي كان مدللا لديها منذ عهد الرئيس بورقيبة. البلد الوحيد الذي رحب كثيرا بما حصل، واندفع نحو التعبير عن تقديم الدعم هي قطر، ولكن قيادته صدمت بالموقف المتحفظ لجزء من النخب التونسية المناهضة لحركة النهضة، والتي وجهت انتقادات قوية ضد الدوحة.

كانت دول الخليج تنظر باستمرار إلى تونس باعتبارها " دولة معتدلة "، وحليفة للغرب. لهذا لم تستسغ تحولها إلى بلد ثائر، تعمل نخبه على إثارة شعوب المنطقة ضد أنظمتها. ومما ساعد على مزيد التحفظ الحماية التي وفرتها السعودية للرئيس السابق بن علي، ولجوء بعض أفراد أسرته إلى دول أخرى خليجية. وبالرغم من أن الباجي قايد السبسي عندما كان وزيرا أول، حاول أن يطمئن هذه الدول، لكن مع الصعود السياسي لحركة النهضة، تعقدت العلاقة، غير أنها لم تنقطع أو تزداد سوء، حيث حاول رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي أن يطرق أبواب هذه الدول، وفي مقدمتها السعودية، وأن يحاول احتواء الأزمة الصامتة، لكن النتائج بقيت محدودة جدا. 

تتنزل جولة مهدي جمعة في ظروف سياسية مختلفة نسبيا في بعض الجوانب. فالرجل يمثل حكومة محايدة حزبيا لا لون سياسي لها، بحكم أنها تتشكل من تكنوقراط. كما أعلن بوضوح بكونه لا ينوي من جهته التطرق إلى الملف السياسي الخاص بالرئيس السابق وبمن معه، وهي مسألة كانت تحرج كثيرا الحكومات الخليجية. هدفه الأساسي هو تحسين العلاقات، وتشجيع الخليجيين على الاستثمار في تونس.

حتى الأزمة المفتوحة بين معظم دول الخليج وحركة الإخوان المسلمين لم تؤثر سلبيا على أجواء هذه الزيارة. فالإخوان لا يملكون في تونس كحليف قوي إلا حركة النهضة، وذلك باعتبار العلاقات التاريخية التي تربط بين الطرفين. لكن مع ذلك، فقد حاول الغنوشي أن يوجه رسائل مطمئنة إلى السعودية.  فعندما سألته وكالة الأنباء التركية الأناضول عن موقفه من تصنيف السعودية والإمارات والبحرين " الإخوان " كحركة إرهابية، أكد على أن حركة النهضة " تنظيم تونسي وحزب تونسي محكوم بقانون الأحزاب التونسي، وقرارنا ليس عليه سلطة إلا لمؤسسات الحركة "، مضيفا بالخصوص " نحن لسنا معنيين بأي مسألة تنظيمية مصرية ". 

لقد حرص بذلك على اتخاذ مسافة تجاه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي تربطه بحركة النهضة علاقات قديمة، لكن المصالح الحيوية للحركة وموقعها على الساحتين المحلية والدولية يفرضان على الغنوشي العمل على تفويت الفرصة على كل الأطراف التي ترغب في التخلص من حركته، وتعمل على عزلها داخليا وخارجيا. ولهذا نراه قد حرص في هذا السياق على حماية الحركة من تداعيات المعركة الطاحنة الدائرة بين النظام المصري المدعوم بعدد من دول الخليج، وبين الإخوان. ولكنه في الآن نفسه رفض الإقرار بالتهمة التي ألصقت بحلفائه، عندما اعتبرا أن الإخوان ينتمون إلى التيار الوسطي في الحركة الإسلامية . 

هذا الموقف يندرج ضمن النزعة البرغماتية التي صبغت مواقف الرجل في الفترة الأخيرة من أجل إخراج حركة النهضة من المآزق التي واجهتها بعد تورطها في السلطة. كما أنه موقف عقلاني، يريد من خلاله أن يعيد بناء الجسور بينه وبين دول الخليج، التي لم تغفر له وقوفه إلى جانب صدام حسين بعد غزوه الكويت، وتوقعاته باحتمال زوال الأنظمة الملكية في تلك المنطقة بعد ثورات الربيع العربي. وبمعنى آخر، لا يريد أن تكون حركة النهضة عقبة في إمكانية تحسين العلاقات التونسية الخليجية ، خاصة في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به الاقتصاد التونسي. لأنه إذا تحركت هذه العلاقات في الاتجاه الإيجابي، فإن الحركة يمكنها أن تبني على ذلك عند عودتها إلى الحكم بعد الانتخابات القادمة، حيث يعتقد قادتها بأنهم سيحققون نتائج جيدة من شأنها أن تسمح لهم بتشكيل القوة المركزية في البرلمان، وهو ما سيجعلهم المحددين لأي حكومة ائتلافية ستتشكل خلال السنة المقبلة.

إن الجولة الخليجية لمهدي جمعة، والتي تسبق زيارته إلى واشنطن بأسبوعين، تشكل محطة هامة في مسعاه لإنقاذ الاقتصاد التونسي من حالة الركود التي يواجهها منذ ثلاث سنوات. كما أنها توفر فرصة أمام الخليجيين للعودة بقوة إلى الساحة التونسية، ليس فقط للاستثمار فيها،ولكن أيضا لتثبيت موقع قدم داخل هذا البلد الاستراتيجي، مما سيجعل منهم قوة مالية مؤثرة في صناعة السياسات المحلية خلال المرحلة القادمة. فانسحابهم الهادئ أفقدهم وزنهم السابق، وجعل تأثيرهم محدودا على حد الآن. 
التعليقات (0)