رغم سعي الحكومات
العراقية منذ سنوات لاعتماد سياسة النأي بالنفس بعيداً عن زج البلاد في الصراعات القائمة في المنطقة، إلا أن موقع العراق الاستراتيجي وتشابك مصالح الدول الفاعلة لطالما جعلا منه ساحة للحرب بالوكالة.
ورغم تجديد إدارة البيت الأبيض تأكيد دعمها لرئيس الوزراء العراقي في تحقيق رؤيته، إلا أنه على ما يبدو فإن الرهان الأمريكي على علي
الزيدي انهار بعد موافقته على تمكين قوى
الفصائل المتحالفة مع
إيران داخل أجهزة الحكومة.
اظهار أخبار متعلقة
ووفقاً لقراءة معهد "
منتدى الشرق الأوسط" الأمريكي، فإن ما يجري هو عكس توقعات واشنطن من الزيدي الذي احتفظ بموظفين ومستشارين مرتبطين بفصائل مسلحة، وعوّض أحزاباً خاسرة في الانتخابات بمناصب من خلال نظام الحصص السياسية والطائفية.
وبحسب تقرير لإذاعة "
صوت أمريكا"، شددت الولايات المتحدة على أهمية الحد من نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في العراق، محذرةً من أن الاختبار النهائي لاستراتيجية الزيدي يتمثل في مدى قدرته على منع الهجمات ضد الدول المجاورة.
تحذير شديد اللهجة
وفي تطور جديد قد يشير إلى تراجع في الثقة، كشف موقع "ذا كرايدل" عن إبلاغ الحكومة الأمريكية رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي نيتها "شن هجمات عسكرية إضافية على إيران خلال الأيام القليلة المقبلة".
ونقل تقرير للموقع عن مسؤولين عراقيين أكدوا له أن إبلاغ واشنطن تضمن "تحذيراً شديداً من تدخل العراق في الضربات المقبلة ضد إيران"، موضحين "واشنطن قالت للزيدي إن أي تدخل من جانب العراق سيؤدي إلى تبعات تؤثر على النظام السياسي والدولة العراقية".
وبحسب تقرير للكاتب في الشؤون السياسية في صحيفة "معاريف" العبرية، ونقلاً عن مصدر سياسي مقرب من "الإطار التنسيقي" في العراق، فإن الإدارة الأمريكية أبلغت علي الزيدي بوجود خطة لتنفيذ هجوم ضد إيران خلال الأيام المقبلة.
ووفق التقرير، نقل رئيس الوزراء العراقي مضمون الرسالة الأمريكية إلى قيادات "الإطار التنسيقي"، محذراً من أن أي تدخل للفصائل المسلحة العراقية في المواجهة سيُواجَه بإجراءات حكومية وفقاً للقانون.
الالتزام بالوفاء بالتعهدات
وبحسب تصريحات أدلى بها مسؤول في الخارجية الأمريكية لشبكة "
روداو"، فإن واشنطن ما زالت تنتظر من رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الوفاء بالتزاماته التي قطعها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماعهما في وقت سابق من شهر يوليو/ تموز.
وتتوقع الولايات المتحدة من الزرفي الوفاء بالتزاماته المتعلقة بمكافحة الإرهاب، فضلاً عن "منع الهجمات داخل الأراضي العراقية ومن الأراضي العراقية"، وبناء شراكة أمريكية عراقية تخدم مصالح البلدين".
وفقاً لما ذكره المتحدث الأمريكي فإن "هدف واشنطن هو عراق ذو سيادة، آمن، ومزدهر، قادر على تحقيق أفضل النتائج لشعبه وإفادة المنطقة"، وجاء هذا التصريح بعد أيام من حصول الوزراء ونوابهم المتبقين في حكومة الزرفي على ثقة البرلمان.
إغلاق المعابر الحدودية مع إيران
اللافت أن التحذير الأمريكي تزامن مع قيام الحكومة العراقية بإغلاق المعابر الحدودية مع إيران استجابة لطلب مباشر من إدارة ترامب التي وافقت على استثناء معبرين فقط، بحسب ما أفادت وكالة رويترز الدولية ووكالة فرانس برس.
وكشفت الوكالة أن المعابر بدأت بالإغلاق بشكل تتابعي، حيث أُغلق معبر الشيب في محافظة ميسان حتى إشعار آخر، مع بدء إجراءات إغلاق باقي المنافذ الحدودية تباعاً والمتوقع أن تكتمل خلال الأيام القليلة القادمة".
وأضافت "مصادر أخرى من الحكومة العراقية أبلغت وكالة رويترز ، أن أوامر الإغلاق أتت بشكل مباشر من مكتب الزرفي، وبضغوط مباشرة من الإدارة الأمريكية التي اعتبرت أن هذه المنافذ تُستخدم لتهريب الأسلحة والأموال من وإلى إيران".
يذكر أن قيمة التبادل التجاري بين العراق وإيران من خلال المعابر الحدودية السبعة التي تربط البلدين، بحسب وكالة فرانس برس، تجاوزت العشرة مليارات دولار خلال العام الماضي، مؤكدة أن الحكومة الإيرانية لم تتلقَ إشعاراً رسمياً من العراق بإغلاق المنافذ.
"وحدة الساحات" خلف إغلاق المعابر
بعد يومين على إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران، نقلت صحيفة "المدى" العراقية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن خطوة الإغلاق لا ترتبط بـ"عطل فني" وعدم جاهزية المنفذ كما أعلنت الحكومة رسمياً، بل يتعلق الأمر بمخاوف أمنية متزايدة من عودة "فصائل الظل" لنشاطها.
وتلفت المصادر إلى أن الأجهزة الأمنية تخشى من استغلال هذه المجموعات الصغيرة، التي تتألف من 5 إلى 10 أفراد، جغرافية محافظة ميسان كساحة انطلاق لشن هجمات على دول الخليج في ظل تصاعد التوتر بالمنطقة، ضمن ما يعرف بـ"وحدة الساحات".
وبحسب المصادر، كثفت الجهات الأمنية خلال الأسبوعين الأخيرين مراقبتها لمواقع يُشتبه بإمكان استخدامها في تنفيذ هجمات، بعد انتقال عمليات استهدفت السعودية من مناطق في صحراء النجف خلال تموز، إلى محيط منفذ الشيب في ميسان خلال أيلول الفائت.
وتشير التقديرات التي نقلتها المدى إلى أن الجماعات المسلحة غيرت من تكتيكاتها التقليدية، ورغم استبعاد التقييمات الأمنية عودتها للعمل من المواقع ذاتها بسبب المراقبة والتشديد، إلا أن ميسان تعتبر ساحة التجربة الأولى لهذا النمط من عمل "فصائل الظل".
"العراق منصة إيران لإيصال رسائل الردع"
ومع اشتداد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، رأى الخبير الأمريكي، روس هاريسون، أن طهران عازمة على تعزيز نفوذها الإقليمي عبر إيصال رسالة ردع قوية باستخدام قدراتها العسكرية الذاتية المباشرة، بدلاً من الاقتصار على الاعتماد على وكلائها الإقليميين.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح هاريسون، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيتسبرغ ومؤلف كتاب "فك شفرة السياسة الخارجية الإيرانية"، أن طهران تسعى لاستغلال دول الخليج وربما العراق كمنصات لإيصال رسائل الردع تلك، وهو ما سيعزز من حضورها وتأثيرها في الإقليم.
وفيما يخص الساحة العراقية، لفت هاريسون إلى أن دور إيران وفصائل الحشد الشعبي أصبح متجذراً في النسيج العراقي منذ عام 2014 إبان الحرب ضد تنظيم داعش، مما يجعل العراق ساحة تنافس واحتكاك مستمر بين واشنطن وطهران.
وخلص هاريسون إلى "استحالة تقييم التداعيات النهائية أو التنبؤ بمسار الاستقرار السياسي والأمني قبل أن تضع الحرب الحالية أوزارها وتتوقف دوامات التصعيد الإقليمي والهجمات المتبادلة".