عندما يكون الطاغية غبيا!

محيي عيسى
جيتي
جيتي
شارك الخبر
عبر التاريخ، لم يتشابه الطغاة في أساليبهم ولا في طبائعهم، رغم اشتراكهم جميعاً في ارتكاب الظلم وامتهان كرامة البشر. غير أن المتأمل في سِيَر هؤلاء يكتشف أن الطغيان يأخذ ثلاثة أشكال مختلفة: طاغية ذكي يوظف دهاءه لترسيخ سلطته، وطاغية غبي يهلك نفسه بغبائه، وطاغية مجنون يقطع كل صلة له بالعقل والمنطق. هذا المقال يستعرض هذه الأنواع الثلاثة مع أمثلة تاريخية دالة على كل منها.

ولنبدأ بالطاغية الذكي، فهل يمكن أن يجمع الطاغية بين طغيان وذكاء؟ الإجابة باختصار: نعم، إذا استطاع أن يوظف طغيانه لمصلحة بقائه ولمنفعة من يحكمهم.

فالطاغية الذكي هو الذي يعرف حدود قدراته ويدرك مخاطر المحيطين به، فيستخدم عقله وأدواته بعناية للحفاظ على سلطته. وكما أشار الكاتب الإسباني إنريكي غارثيا-ميلا، فإن الطغاة، للبقاء على قمة الطغيان، لا بد أن يكونوا أذكياء، فالذكاء والبرود المرتكزان على إلحاق الأذى بالآخرين يخلقان السلاح الأكثر فعالية للطاغية: الخوف. الطاغية الذكي يعرف متى يتراجع ومتى يتقدم، ويحيط نفسه بشبكات من المخبرين والجواسيس، ويستخدم الجماليات والمظاهر لترهيب شعبه، كما فعل ستالين وهتلر اللذان لجآ إلى "الجماليات" لبث الرعب في نفوس رعاياهما.

من أبرز الأمثلة على هذا النوع: الإمبراطور الروماني المقدس فريدريك الثاني (1194–1250م)، الذي أجمع المؤرخون على أنه كان "نابغة من تواريخ الزمان ذكاءً وقّاداً"، وقد امتلك مكتبة حافلة بكتب في الهندسة والفلك والفلسفة والطب، واستخدم معرفته الواسعة في إدارة مملكته والتفاوض مع خصومه. كذلك يُعد ستالين مثالاً على الطاغية الذكي بوصفه "آلة حسابي" و"سيد البيروقراطية" الذي طلب آراء مستشاريه لكنه احتفظ بالكلمة الأخيرة دائماً.

أما الثاني فهو الطاغية الغبي، وهو نموذج للطغاة العرب وعلى راسهم النظام المصري.. الطاغية الغبي هو الذي لا يعي ما يفعل، ويصدر قرارات عبثية تضر بشعبه وبسلطته في آن واحد. والفرق الجوهري بينه وبين الطاغية الذكي أن الذكي يعرف حدوده ومخاطره، أما الغبي فيظن نفسه منيعاً لا يُمس، فيتحول إلى "مهووس عظمة مثير للسخرية"، يستمتع بالمديح المفرط والولاء المصطنع. وهؤلاء الطغاة غالباً ما يسقطون على أيدي أقرب المقربين إليهم، إذ وصف الكاتب الإسباني هذه النهاية بأن "الطاغية الأبله يسقط دائماً على أيدي أتباعه".

من أشهر الأمثلة في التراث العربي الإسلامي: بهاء الدين قراقوش، أحد قادة صلاح الدين الأيوبي، الذي وُصف بأنه "الحاكم الباطش الغبي الذي لا يعي ما يفعل". ومن أحكامه العجيبة أنه لما سُبق في سباق بفرسه حلف ألا يعلفه ثلاثة أيام، فقال له السابق: "يا مولاي يموت"، فرد قراقوش: "اعلفه ولا تعلمه أنني دريت بذلك". وحين شكا صاحب حق مماطلة غريمه، حكم قراقوش بحبس صاحب الحق نفسه حتى يحصل المدين على شيء يدفع منه. وقد صار "حكم قراقوش" مثلاً يضرب به لكل حكم ظالم أقرب إلى العبث منه إلى المنطق.

وفي التاريخ السياسي الحديث، يُقدم نيكولاي تشاوشيسكو (1918–1989م) مثالاً صارخاً على الطاغية الغبي. فقد قضى سنوات يستمع إلى المديح والثناء المتنقل، حتى تجذّر في ذهنه أنه لا يُهزم، ولم يخطر بباله يوماً أن نهايته قد تأتي على أيدي رفاقه أنفسهم. وعندما سمع حكم الإعدام في محاكمة سريعة، تحول من مصدر للرعب إلى كائن يرتجف من شدة الخوف، وصوّب رفاقه بأيديهم البنادق نحو صدره وصدر زوجته إيلينا.

وحديثا، يبقى النظام المصري الحالي نموذجا فريدا للغباء، والظلم والطغيان، بداية من ارتكابه مجازر في رابعة واعتقال عشرات الآلاف وعدم تجاوبه لأي مبادرات فردية أو جماعية للإفراج حتى عمن أعلن تبرؤه من الجماعة ورفضه لأي مصالحة وطنية أو انفتاح سياسي أو إصلاح اقتصادي. وجميع قرارته عكسية تضر به وبالوطن.

أما الثالث فهو الطاغية المجنون، وهو الذي يفقد كل صلة بالواقع، فيدّعي ما لا يصلح لبشر، ويحكم بمزاج مريض لا يخضع لأي منطق. وكما لاحظ الأطباء في حالة الإمبراطور الروماني كاليجولا، فإن مرضاً دماغياً أصابه غيّر شخصيته تماماً؛ من قائد محبوب إلى طاغية دموي لا يعرف للرحمة طريقاً. الجنون عند هؤلاء لا يعني مجرد الغرابة في السلوك، بل انقطاع الحاكم عن الواقع بالكامل حتى ليصبح رهينة لأوهامه وأهوائه.

كاليجولا (حكم 37-41م) هو أشهر مثال على الطاغية المجنون في التاريخ الإنساني. فقد ادّعى الألوهية، ولم يكتف بذلك بل حاول تقمص صفات الآلهة، من إحياء الموتى والتحكم في غروب الشمس وشروقها. وقفل مخازن الحبوب حتى يعيش الشعب في مجاعة راح ضحيتها أعداد مهولة، وكان يجد متعته في مشاهدة موت الناس، بل وصل به الجنون إلى تعيين حصانه عضواً في مجلس الشيوخ الروماني. وقد قتل نفسه في النهاية بعد ثورة ضده.

أما نيرون (حكم 54–68م)، فقد "أحرق روما" واتُّهم بإشعال الحريق الكبير الذي دمّر المدينة عام 64م، ثم انتحر بعد أن ثار عليه الشعب والجيش، وانتهت حياته "التي أرهقت روما بمجونه وجنونه وقتل الآلاف من شعبه".

وفي التاريخ الروسي، يبرز إيفان الرهيب (1530–1584م) الذي وُصف بأنه "أعظم الوحوش في التاريخ وأقسى رجل؛ لأنه كان مصاباً بجنون العظمة ويعدم أي شخص يعتقد أنه غير مخلص"، وكان أول حاكم روسي يستخدم الإرهاب الجماعي كأداة سياسية منظمة.

وفي العصر الحديث، يظهر اسم معمر القذافي كنموذج لمن أصابهم جنون الطغيان، فتلبس ثوب المفكر العبقري فألّف الكتاب الأخضر وجثم على صدر شعبه أربعين عاما من الطغيان والجنون.

إن الطغيان ليس وجهاً واحداً، بل ثلاثة وجوه: وجه يبتسم بعقل ويدمّر بذكاء، ووجه يضحك بغباء ويسقط بأيدي أتباعه، ووجه يصرخ بجنون فيقتل نفسه بيده. وفي كل الأحوال، يبقى التاريخ شاهداً على أن نهاية الطغاة، على اختلاف أنواعهم، مأساوية، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن باهظاً في كل مرة.

إن الطغيان لا يطال فقط الدول بل قد يصل إلى الجماعات والحركات الإسلامية والسياسية. وهنا يكون مكمن الخطر، حيث يتلبس الطغيان لباس الدين والدين والشرع ويأخذ قداسته من قداسة الدين والشرع، بل قد يصل إلى بيوتنا فالأب الطاغية المستبد هو تدمير للأسرة والبيت.

وقد حذر مفكرون عرب كبار من آثار الطغيان المدمرة ومن خطورة السكوت عنها. فالشاعر والأديب والسياسي محمود سامي البارودي اعتبر مقاومة الاستبداد والدفاع عن حرية الوطن ومساواة الناس واجب مقدس.

أما المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي فقد تحدث عن الاستبداد بعمق في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، معتبراً إياه أصل كل فساد والعدو الأول لنهضة الأمم.

واعتبر الكواكبي أن الطاغية المستبد له طبيعة خاصة، فهو شخص لا يخشى سوى الحقيقة والوعي، ولذلك فهو يسعى دائماً إلى تقريب الجاهلين وإبعاد أهل العلم.

والمؤرخ العربي عبد الرحمن بن خلدون، في كتابه الشهير "مقدمة ابن خلدون" وتحت عنوان: "فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران"، قال: "إن الظلم مُخرّب للعُمْران، وأن عَائده الخرَاب في العُمران على الدولة بالفساد والانْتِقاض".

لن ينصلح حال هذه الأمة إلا بانتهاء حقبة الطغاة والمستبدين، وعسى أن تكون قريبا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)