إن
المتابع لأحوال
مصر هذه الأيام، وما يحدث فيها من جرائم جنائية وأخلاقية،
ليَنْقَبِض قلبُه، وتَجِفُّ جوارحُه من هول ما سينتهي إليه الحالُ في مصر إذا
استمر الوضع على ما هو عليه. فلا شك أن
ما يجري في مصر الآن، ولا تخطئه عين، يُبَيِّن أن مصر تمر بحالة سيولة قد تنتهي -لا
قدر الله - إلى فوضى وانهيار.
فبعد أن
كان الشعب مترابطاً بالمودة والرحمة والتكافل، وتتميز الأسرة المصرية بتماسكها
وقوتها في السَّرَّاء والضَّرَّاء، تتقاسم لقمة العيش مهما بلغ أمرُها، وكانت
نتيجةُ ذلك تماسكَ
المجتمع، وتكون كتلته الصلبة أهمَّ عوامل القوة الناعمة ضد
أعدائه. فماذا حدث
في العقد الأخير، وتحديداً بعد انقلاب 3 يوليو وإزاحة أول رئيس منتخب؟
المتابعُ
لحركة التاريخ وضعف الأمم وانهيارها إلى هوة سحيقة سوف يرى أن هذا
الانهيار سببه
الرئيسي هو تفكيك المجتمع. إن انهيار الدول وتفكك المجتمع لا يأتي فجأة، ولا هو
وليد الصدفة، بل إنه يتفكك كما تتفكك عُقدُ الحبلِ خيطاً بعد خيط، وينهار المجتمع
حجراً بعد حجر في صمت، ويكون السؤال: متى تحين لحظة الانهيار؟
انهيار الأسرة والعلاقات الاجتماعية هو أولى الخطوات، والسبب هو غياب القيم، فيحدث فراغ هائل، فتأتي أسوأ الأخلاق لتملأه
يقول
التاريخ إن انهيار الأسرة والعلاقات الاجتماعية هو أولى الخطوات، والسبب هو غياب
القيم، فيحدث فراغ هائل، فتأتي أسوأ
الأخلاق لتملأه. فيحل الكذب محل الصدق، ويصبح
هو اللغة الرسمية لأعلى مستويات الدولة، ولا يكاد الواحد يصدق الآخر، ويصبح الجميع
تنتابهم الشكوك، فلا يكاد المواطن يفرق بين الصدق والخداع، فتنعدم الثقة داخل
الأسرة، بين الآباء والأبناء، وبين الرجل وزوجته.
وينتقل هذا بين كل المستويات،
ويصل إلى الإعلام الذي يتغنى بالكذب فلا يصدقه أحد، حتى تصل إلى رأس الدولة الذي
يستمرئ الكذب حتى يتلبَّسه، ويكون جزءاً من حديثه اليومي، وينكث وعودَه، فتفقد
الثقة بين المواطن والحاكم، وينهار العقد بين الحاكم والمحكوم، ليتحول المجتمع إلى
أفراد منعزلين، كل يعيش في كهفه يبحث عن مصلحته حتى لو كانت على حساب الآخرين،
وحتى لو وصلت به الأمور إلى ارتكاب جرائم السرقة والقتل.
ثم يأتي
عامل آخر، وهو ضياع الأمانة، ويحل محلها الخيانة. ومن أعظم مظاهر ضياع الأمانة أن
يُوسَدَ الأمرُ لغير أهله، فيتبوَّأ أرفع المناصب المنافقون والسارقون والكاذبون،
ويُنَحَّى الشرفاءُ أصحابُ الكفاءة، فينعدم الأمل في الإصلاح، ويصبح الوصول إلى
السلطة ممهداً للمنافق السارق الكاذب، ولا يبقى لأصحاب الكفاءات الأمناء الشرفاء
إلا الخروج من البلد للبحث عن فرصة تناسب كفاءاتهم العلمية، أو الانعزال والانكفاء
على الذات.
هناك أيضاً
غياب العدالة وانتشار الظلم في كل مناحي الحياة، في الأسرة ومؤسسات الدولة،
انتهاءً برأس الحكم. حين تنقسم العدالة إلى فئتين، يُترَك فيها أصحاب السلطة
ويُحاسَب فيها الضعفاء، ويُكال فيها بمكيالين، فهنا ينفضح المجتمع بتفكك منظومة
العدل، وأهم أسبابها توليةُ قضاة غير مؤهلين علمياً ولا أسوياء أخلاقياً، قضاة
مرتشين منحرفين يحمون الأغنياء ويظلمون الفقراءَ المستضعفين. ثم عندما
تنعدم الثقة بين أفراد المجتمع، وينتشر التجسس حتى بين الجار وجاره، وبين زملاء
العمل، والكل يريد رضا رئيسه، فيُبْلِغ عن جاره أو زميله ولو ببلاغ كاذب.
العامل
الرابع في تفكك المجتمع وانهياره هو انتشار الفساد حتى يصبح من سمات المجتمع،
فتكون الرشوة إكرامية، والمحسوبية خدمة مشروعة، وينتشر المنكر فلا يجد من ينكره،
بل تُجرى محاولات لتطبيع المنكر ليصبح معروفاً، فهنا يغيب حتى الإنكار بالقلب،
ويموت الضمير الجمعي، ويكون التفكك أمراً حتمياً.
والمحطة
الأخيرة التي يُهْدَم فيها آخر حصون تماسك المجتمع، أن تكون لقمةُ العيش هي همّ
المواطن وشاغله الأكبر في توفيرها له ولعائلته، يلهث وراءها يوماً بعد يوم حتى
تنقطع أنفاسه. تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وقد بلغت نسبة الفقر في النصف
الأول من عام 2026 نحو 33 في المئة، وهو ما يعني أن بين كل 10 أشخاص هناك ما يقارب
3.3 أشخاص -أي أكثر من ثلاثة- تحت خط الفقر، وهو ما يعني أنهم لا يجدون مسكناً ولا
ما يكفيهم من الطعام ومستلزمات الحياة من تعليم وملبس ودواء، بينما كانت في آخر
سنة لحكم حسني مبارك عام 2010 نسبة الفقر 11 في المئة، أي تضاعفت ثلاث مرات في 15
عاماً، منها 13 عاماً في ظل نظام الحكم الحالي.
وارتفع
معدل التضخم إلى 14.9 في المئة، وكان في آخر عام لحسني مبارك 11 في المئة. وقد
ساعدت أحداث المنطقة من حروب وغيرها في زيادة هذه النسبة.
أما عن
الدين الخارجي، فقد تضاعف خمس مرات خلال 13 عاماً، حيث بلغ في نظام مبارك 35 مليار
دولار، بينما وصل هذا العام إلى 165 مليار دولار حسب تصريحات البنك المركزي.
أسوأ ما يمر به الشعب المصري الآن هو انهيار منظومة القيم، وانتشار حالة اللامبالاة، وانكفاؤه على ذاته، والتشرذم على أنقاض الوطن، وانتشار الفوضى غير الخلاقة، وهو ما سيؤدي حتماً إلى انهيار شامل سينتهي بأن تحكم الفوضى والعصابات الدولةَ
نعم، هناك
جهود من الدولة ومشروعات خاصة في مجال الطرق والنقل (وإن كانت لم تقلل من نسب
حوادث الطرق)، وبالتوازي هناك مشروعات تم الإنفاق عليها دون تخطيط، مثل العاصمة
الإدارية التي ما زالت في دور البناء، ونسب الإقبال عليها ضعيفة.
أوشكنا أن
نعود إلى مجتمع النصف في المائة، وتتلاشى الطبقة الوسطى، ويصبح غالبية الشعب تحت
خط الفقر، ويتحول المجتمع إلى مستنقع جوع تضيع فيه كل القيم، ويصبح الشعار:
"أنا والطوفان من بعدي"، فتنهار القيم والمثل والأخلاق على جدار معدة
خالية، فهنا نكون قد وصلنا إلى نقطة النهاية.
إن
التاريخ يحدثنا أن الأمم لا تنهار بالهزائم العسكرية مهما كانت ساحقة، ولكنها
تنهار بتفكك المجتمع وانتشار الظلم الاجتماعي والفساد، وغياب منظومة العدل، وتغييب
المصلحين في السجون.
لقد تلقت
اليابان هزيمة ماحقة في الحرب العالمية الثانية، لكن تماسك الأسرة والمجتمع حصنها
من الانهيار، فسارعت في إعادة بنائها وعادت أقوى مما كانت. وهو ما حدث لمصر عقب
هزيمة يونيو 1967، فرغم قسوة الهزيمة ومرارتها، إلا أن الشعب بتماسكه ووحدته
والتفافه حول جيشه وقائده استطاع تجاوز مرحلة التفكك، وتحويل الهزيمة إلى نصر
أكتوبر 1973.
إن أسوأ
ما يمر به الشعب المصري الآن هو انهيار منظومة القيم، وانتشار حالة اللامبالاة،
وانكفاؤه على ذاته، والتشرذم على أنقاض الوطن، وانتشار الفوضى غير الخلاقة، وهو ما
سيؤدي حتماً إلى انهيار شامل سينتهي بأن تحكم الفوضى والعصابات الدولةَ.
ولا شك أن
غياب التيار الإسلامي الإصلاحي في السجون والمهجر ترك فراغاً كبيراً ملأه أهل
الفساد. لكن يبقى الأمل والإصلاح باقياً، فالمجتمعات التي لها جذور في التاريخ لا
تستسلم، قد تضعف وتكون على شفا الانهيار، ثم تنهض على يد جيل من المصلحين.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.