ماذا ينتظر مصر في حالة زوال النظام القائم؟

محيي عيسى
"إما نهضة مدنية شاملة تحقق استقراراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، أو سقوط في هاوية قد تستغرق عقوداً للخروج منها"- إكس
"إما نهضة مدنية شاملة تحقق استقراراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، أو سقوط في هاوية قد تستغرق عقوداً للخروج منها"- إكس
شارك الخبر
لم يذكر التاريخ بقاء نظام فاشي أو عسكري في الحكم، وقد تطول فترة بقائه، لكنه حتماً إلى زوال. ومصر الآن تمر بمرحلة فارقة، وبقاء النظام يعقّد المشهد ويراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

من المتوقع أن سنوات استمرار النظام الحالي باتت قليلة، حيث أوشك على استنفاد كل رصيده، سواء على المستوى الداخلي؛ إذ فشل في الوفاء بأي من وعوده للشعب، وتآكلت الطبقة المتوسطة، وأصبحت النسبة الأعلى من الشعب تحت خط الفقر. وعلى المستوى نفسه، فشل في التعليم والصحة، واستشرى الفساد في جميع المؤسسات.

أما على المستوى الخارجي، فتضاءل دور مصر وانعدم دورها الإقليمي، وحلت محلها دول صغيرة، ولم تعد أمريكا، الداعم الأكبر، في حاجة إلى هذا النظام. فهذا النظام، مهما ترسخت أركانه، لن يستمر؛ فليس الاستمرار مرتبطاً ببقاء فرد، بل بصلابة المؤسسات. وحين تتداعى الدولة وتتراكم المظالم، يصير السؤال المحتوم: ماذا بعد زوال الحكم العسكري؟

في لحظة رحيل النظام -سواء بانتفاضة شعبية أو بتحول داخلي- تبرز ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل مصر:

1. التغيير الشكلي (استمرار النموذج العسكري):

انتقال السلطة إلى جنرال جديد، إما بتعيين نائب، أو انقلاب عسكري، أو دعم الجيش لانتفاضة شعبية (كما حدث في يناير). هنا يتغير الوجه، لكن تبقى المنظومة نفسها بكل تشابكاتها الاقتصادية والأمنية، وسنستمر في نفس الحلقة التي منذ خمسة وسبعين عاماً، فقد ثبت يقيناً فشل حكم العسكر.

2. التحول المدني المنظم (السيناريو الطموح):

انتقال السلطة إلى قوى مدنية تعيد بناء الدولة من الصفر، عبر:

- تفكيك مؤسسات "الدولة العميقة" وإعادة تركيبها.

- حوار وطني شامل يُعد دستوراً جديداً توافقياً.

- إصلاح جذري للجيش والشرطة: تحويلهما إلى مؤسستين دفاعية وخدمية، مع تقليص النفوذ الاقتصادي للجيش (الذي يسيطر على 25-40 في المئة من الاقتصاد).

- مساءلة القيادات الفاسدة، مع الاحتفاظ بالكفاءات الصغيرة لإعادة الهيكلة.

- إصلاح اقتصادي مؤلم لكن ضروري: تحرير السوق، وخصخصة أصول الدولة، وجذب الاستثمار، مع مصارحة الشعب.

3. الفوضى والانهيار (السيناريو القاتم):

في حال فشلت القوى المعارضة (إسلامية ومدنية وعلمانية) في الاتفاق على مجلس رئاسي انتقالي يملأ الفراغ الموجود، فقد يحدث فراغ سلطة، وصراع نفوذ، وانهيار اقتصادي، تستغله "الدولة العميقة" لإشعال فوضى أمنية تمهد لعودة الجيش مجدداً.

والأخطر أن يتم استغلال هذه الفرصة من العدو في الجبهة الشرقية، الذي ما زالت عينه على سيناء كدولة بديلة للفلسطينيين، وهو ما يفسر تضافر القوى الصهيونية في مصر من إعلاميين في الهجوم على النظام، ليس لوجه الوطن، بل لاستدعاء حالة من الفوضى تمكن العدو من اختراق الأمن المصري.

وهو ما يجب أن تنتبه إليه المعارضة بتجهيز سيناريو بديل يملأ فراغ السلطة فوراً، ولا يعطي مجالاً لأي اختراق من الدولة العميقة ومن القوى الصهيونية في مصر.

وهنا تأتي مفاتيح النجاح لأي انتقال حقيقي:

- إعادة تعريف دور الجيش: من لاعب سياسي-اقتصادي إلى مؤسسة دفاعية تحت رقابة مدنية.

- تفكيك الدولة العميقة: تغيير عقيدة الأمن من القمع إلى الحماية، وإنهاء الإفلات من العقاب.

- إعادة بناء الاقتصاد: كسر احتكار الدولة، وتحرير الاستثمار، وتقليص الدعم تدريجياً.

العقبات القائمة:

- المعارضة (في الداخل والخارج) لم تتوحد بعد على رؤية موحدة أو خطة واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية.

- غياب شخصية سياسية مقبولة شعبياً وإقليمياً ودولياً لتقود التغيير.

- يحتاج تنظيم الإخوان والقوى الإسلامية إلى حسم موقفها من المشاركة السياسية، عبر ميثاق يحدد دورها التنفيذي لا القيادي.

إن مصر الآن تقف أمام مفترق طرق:

- إما نهضة مدنية شاملة تحقق استقراراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

- أو سقوط في هاوية قد تستغرق عقوداً للخروج منها.

السنوات القادمة ليست مجرد مرحلة، بل هي مصرع أو ميلاد للأمة.

حفظ الله مصر شعباً وأرضاً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)