الثورات عبر
التاريخ فعل إنسانيّ مُنظّم، أو عفويّ يَهدف للكشف عن موقف شعبيّ وسياسيّ وإنسانيّ
تجاه قضيّة ما، أو جملة قضايا داخليّة وخارجيّة! وشهدت الساحة العراقيّة منذ تأسيس
الدولة بداية عشرينيّات القرن الماضي عشرات المظاهرات الشعبيّة والحزبيّة والعسكريّة،
وبعضها تطوّر لثورات ضخمة.
ونذكر هنا أبرز
الثورات الشعبيّة، دون الانقلابات العسكريّة والحزبيّة:
-
ثورة العشرين
(1920): تعتبر أشهر الثورات الشعبيّة بالتاريخ العراقيّ الحديث، واندلعت بداية
حزيران/ يونيو 1920 ضدّ الاحتلال البريطانيّ وسياسة الانتداب، وانطلقت شرارتها من
الفرات الأوسط بمشاركة واسعة من العشائر ورجال
الدين، وكانت حصيلة قمعها نحو 10 آلاف شهيد وآلاف الجرحى، وقد مهّدت لاحقاً لقيام "المملكة
العراقيّة" في (23 آب/ أغسطس 2021)!
- وثبة كانون في
كانون الثاني/ يناير 1952: ثورة طلابيّة شعبيّة واسعة ضدّ السلطة الملكيّة
والسياسات الاقتصاديّة، وتسببت بفرض الأحكام العرفيّة، واستشهد خلالها نحو 400
شخص، وأُصيب ألف متظاهر!
كسرت ثورة تشرين "هيبة المليشيات" ومحاولاتها الدمويّة لترهيب الناس، وبالتالي تراجع دورها وسطوتها في تخويف الناس، والتوغّل بمؤسّسات الدولة!
- الحراك الشعبيّ
في العام 2012: يعتبر الحراك الشعبيّ الذي اندلع أواخر العام 2012 واستمرّ طيلة العام
2013 خلال مرحلة الاحتلال الأمريكيّ من أشدّ المظاهرات السلميّة
الشعبيّة التي هزّت كيان الدولة بعد العام 2003، وشمل الحراك محافظات: الأنبار، ونينوى،
وصلاح الدين، وديالى، وكركوك، وبغداد!
وجاءت المظاهرات
كرفض لسياسات حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وإفراطها باستخدام "المادّة
4 إرهاب" وإجراءات المساءلة والعدالة، والتهميش السياسيّ، وحملات الاعتقالات
العشوائيّة "الطائفيّة"، وانتهت بفضّها بالقوّة المميتة بالأنبار وكركوك
وغيرهما نهاية العام 2013، وخلّفت 200 شهيد وآلاف الجرحى!
- ثورة تشرين
2019:
لا يمكن للكتاب
والصحفيّين والمؤرّخين القفز على ثورة تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، التي نظمها آلاف
الشباب، وخصوصاً من مدن الجنوب، ضدّ الخراب العام في الدولة والسياسات السقيمة لحكومة
عادل عبد المهدي، وكذلك للمطالبة بالإصلاح السياسيّ، ومحاربة
الفساد الماليّ،
وتحسين الخدمات وغيرها!
وقد استشهد -وبالأسماء-
على يد القوّات الحكوميّة والمليشيات نحو 1132 شهيداً وشهيدةً وفقاً لجمعيّات ومنظّمات
حقوقيّة، بينما تؤكّد الحكومة استشهاد نحو 560 شابّاً وشابّة، وإصابة نحو 22 ألف
شخص، واعتقال الآلاف!
وجميع المظاهرات لم
تَظهر ثمارها مباشرة، باستثناء ثورتي العشرين وتشرين فقد برزت ثمارهما خلال عدّة
أشهر.
ويهمنا الوقوف
عند أبرز ثمار ثورة تشرين، ومنها:
1. تعتبر صبغة
تشرين الشبابيّة من أبرز العوامل التي أعطتها المهابة في قلوب القوى السياسيّة
والعالم، كون غالبيّة الشباب الثوّار ولدوا ونشأوا بعد العام 2003، وبالتالي يَصْعُب
اتّهامهم بأيّ اتّهامات ظالمة وباطلة، وخصوصاً العلاقة بالنظام السابق وغيرها!
2. ثورة تشرين قلبت المعادلة العراقيّة،
وأحرجت الاحتلال والقوى السياسيّة، لكشفها خدعة الديمقراطيّة؛ حيث إنّ المليشيات، وبثياب
مدنيّة، توغّلت بين المتظاهرين بساحة التحرير في بغداد بحجّة حمايتهم، ولكنّ
المعتدين القتلة هُم -حقيقة- من "المليشيات"، وذلك ضمن مؤامرة شريرة ومسرحيّة
سخيفة لم تنطل على أكثريّة المتابعين!
ومع ذلك لم تعتقل
حكومة عبد المهدي الذين تورّطوا بدماء الأبرياء، لتنكشف بذلك ازدواجيّة السلطة في
تعاملها مع العدالة والقانون والمليشيات والمتظاهرين!
3. اضطرّت القوى
السياسيّة، نتيجة للضغوط الدوليّة والشعبيّة والقانونيّة، لتغيير حكومة عبد المهدي
للتهرّب من ملاحقة القتلة والمسؤولين وبينهم رئيس الحكومة، وهذه الاستقالة تُعدّ حادثة
نادرة؛ ولكنّ المؤلم أنّ أيّ مسؤول لم يُقدّم، حتّى اليوم، للعدالة مع ثبوت القتل
العمد لنحو 1100 متظاهر!
4.
كسرت ثورة تشرين "هيبة المليشيات" ومحاولاتها الدمويّة لترهيب الناس،
وبالتالي تراجع دورها وسطوتها في تخويف الناس، والتوغّل بمؤسّسات الدولة!
يفترض إيقاف هذا الانحدار السياسيّ والاقتصاديّ قبل الوصول لثورة "عام الخبز الأسود" عام 1947، وثورة تشرين عام 2019 كون الظروف التي أدّت لقيامهما متوفّرة اليوم بوضوح، وحينها ستنقلب المعادلة، ولا يمكن لأحد إيقاف ثورة ملايين الفقراء!
5. فتحت الثورة الباب على مصراعيه لقول
الحقيقة بوسائل الإعلام وبلا رتوش ومن داخل
العراق، وأكثريّة المحلّلين السياسيّين،
الذين يدّعون أنّهم من الكتّاب ويظهرون على القنوات الفضائيّة، لم نسمع لهم -ولو هَمْساً-
أيّ موقف معارض للأوضاع قبل العام 2019، وبعضهم يَتباهون اليوم بأنّهم يقولون
الحقيقة، والواقع أنّ هذه الجرأة من ثمار ثورة تشرين النقية!
لقد زرعت هذه الفعاليات
الشعبيّة، وخصوصاً "الحراك الشعبيّ وثورة تشرين"، روح التغيير لدى
غالبيّة العراقيّين؛ وهكذا، وفي ظلّ الظروف الصعبة الراهنة، ورفع الحكومة للسعر الرسميّ
لصرف الدولار يوم 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر الجاري، والتظاهرات الحاليّة لعشرات آلاف
الخرّيجين ببغداد للمطالبة بالتعيين رغم تنامي معضلة التوظيف العشوائيّ، وبقيّة الآفات
الإداريّة والاقتصاديّة المستعصية، فإنّ هذه الوقائع المعقّدة والمحرجة تضع العراق
على أعتاب "ثورة الفقراء" التي حَذّرْت منها مراراً.
إنّ ترك الفقراء
أمام أمواج العوز والغلاء والبطالة وتقلّبات الدولار بينما يشاهدون أمامهم الثراء
الفاحش لكافّة السياسيّين، ولأكثريّة المقرّبين من السياسيّين والإعلاميّين وبقيّة
الخواصّ، سيؤجّج الموقف، وهي لعبة خبيثة لمحاربة الناس بأرزاقهم!
يفترض إيقاف هذا الانحدار السياسيّ والاقتصاديّ قبل الوصول
لثورة "عام الخبز الأسود" عام 1947، وثورة تشرين عام 2019 كون الظروف
التي أدّت لقيامهما متوفّرة اليوم بوضوح، وحينها ستنقلب المعادلة، ولا يمكن لأحد إيقاف
ثورة ملايين الفقراء!
لا تُحاربوا
الناس بأرزاقهم، فَتَتَسَاوَى لديهم احتمالات الأمل والقنوط، والحياة والموت،
ويومها تنطلق مرحلة مواجهة
الفقر والخراب وصولاً للتغيير الحتميّ والمرتقب!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.