"الكارما"

سيلين ساري
"العسكري، في وعيه بنفسه، لا يرى سلطته حادثاً طارئاً فرضته لحظة تاريخية بعينها، بل يراها حقاً أصيلاً"- AI
"العسكري، في وعيه بنفسه، لا يرى سلطته حادثاً طارئاً فرضته لحظة تاريخية بعينها، بل يراها حقاً أصيلاً"- AI
شارك الخبر
ثمة أفكار لا تُقرأ، بل تُصغي إلى صمتها وهي تسير خلفك في الممر المظلم، فلا تراها، لكنك تسمع وقع خطواتها تقترب. "الكارما" واحدة من هذه الأفكار.

كلمة تبدو شرقية بريئة، طقسية، تخص المعابد والبخور، لكنها في حقيقتها محكمة كاملة، بلا جدران، وبلا قاضٍ، تصدر أحكامها منذ الولادة.

في الهندوسية، لا تجيب الكارما عن سؤال "ماذا فعلتَ؟"، بل عن سؤال أعمق وأقسى: "لماذا أنت أنت، لا غيرك؟". لماذا وُلد هذا في القصر، وذاك على الرصيف؟

الجواب الذي تقدمه هذه الفلسفة ليس عزاءً، بل حكماً مؤجلاً: أنت هنا لأنك، في حياة أخرى لا تتذكرها، صنعتَ هذا المصير بيديك. فيكبر الفقير حاملاً ذنباً لم ترتكبه يداه، لكنه يُصدّقه لأن التصديق أسهل من التمرد. فهو يرى في فقره عدلاً كونياً، وفي صبره ثمناً يُسدَّد عن جريمة لم يقترفها.

وعلى الطرف الآخر، يولد الغني وهو يرى ثروته كشهادة ميلاد أخرى: "لستُ محظوظاً، أنا مستحِق". فيتحول المال إلى برهان أخلاقي، ويتحول الامتياز، بانسيابية مخيفة، إلى حق. وما إن يصبح حقاً، حتى يسقط عنه واجب التبرير.

نحن لا نتحدث هنا عن استعارة عابرة، ولا عن مثال نظري، بل عن واقع معيش، يخص العسكر المصري بذاته: مؤسسة بعينها، تحكم بلداً بعينه منذ عقود طويلة، وتمارس هذا المنطق الكارمي، لا كفكرة تُروى في كتاب، بل كسياسة تُدار بها الدولة يوماً بعد يوم

لكن الأخطر ليس أن تسكن هذه الفكرة معبداً، الأخطر أن تهرب من المعبد وتتسلل إلى قصر الحاكم، حين تتحول العقيدة إلى مؤسسة.

في البداية، لا يبدو الأمر كارما على الإطلاق، بل يبدو أقرب إلى سهو إداري لطيف: باب يُفتح لك قبل أن تطرقه، ومعاملة تُختصر لأن اسمك يسبقك، وغرامة تتبخر لأن صاحبها "ذو نفوذ".

تفصيل صغير، بلا أهمية تُذكر، لكن التفاصيل الصغيرة، حين لا يوقفها أحد، لا تبقى صغيرة. الاستثناء يتكرر فيصبح عُرفاً، والعرف يتكرر فيصبح قاعدة غير مكتوبة. والقاعدة، إن صمدت جيلاً كاملاً، تتحول إلى ما يشبه القانون الطبيعي: بديهية لا يسأل عنها أحد، تماماً كما لا يسأل أحد لماذا يسقط الماء إلى أسفل.

وهنا، بالضبط، تولد اللحظة الأخطر في تاريخ أي سلطة: ليست لحظة الحصول على الامتياز، بل لحظة نسيانه. حين يتوقف صاحب القوة عن رؤية ما بين يديه هبةً عابرة، ويبدأ برؤيته إرثاً طبيعياً، كأنه وُلد به، كما يُولد المرء بلون عينيه. عندها يكتمل الانقلاب في الوعي: "أنا أقوى، إذن أستحق أكثر"؛ لم تعد جملة يقولها طاغية، بل يقيناً هادئاً يسكن صدره دون أي شعور بالذنب، كما يسكن الهواء الرئتين.

الكارما وهي تتقمّص جسداً

الكارما في مصر لها شأن آخر؛ فهي لم تبقَ حبيسة رأس فرد يؤمن بها، بل صارت كياناً. لم تظل على صورتها الأصلية، مجرد فكرة معلّقة في الغيب تمنح كل إنسان نصيبه من الحياة، بل هبطت من الغيب وتلبّست جسداً من لحم ودم وزي رسمي، وكفّت عن كونها تفسيراً للمصير، وأصبحت مبرراً للفعل. صارت مؤسسة تدير وتحكم، وتمنح وتمنع، ولها أتباع مقرَّبون مرضيٌّ عنهم، وآخرون مبعَدون مغضوب عليهم.

نحن لا نتحدث هنا عن استعارة عابرة، ولا عن مثال نظري، بل عن واقع معيش، يخص العسكر المصري بذاته: مؤسسة بعينها، تحكم بلداً بعينه منذ عقود طويلة، وتمارس هذا المنطق الكارمي، لا كفكرة تُروى في كتاب، بل كسياسة تُدار بها الدولة يوماً بعد يوم.

فالعسكري، في وعيه بنفسه، لا يرى سلطته حادثاً طارئاً فرضته لحظة تاريخية بعينها، بل يراها حقاً أصيلاً: فثمة من يُولد سيداً، وثمة من يُولد محكوماً، وهذا أمر مقضيّ، بلا إمكانية للاستئناف.

العسكري ينظر إلى الدولة لا بوصفها أمانة استودعها لحين، بل بوصفها امتداداً لجسده هو. لا فرق، في وعيه، بين حدود الوطن وحدود سلطته؛ فحين يتوسع نفوذه، يشعر أنه يستعيد أرضاً كانت من حقه منذ البدء، لا أنه يبسط يده على ما ليس ملكه.

وإذا كان هذا نصف الكارما، فالنصف الآخر أشد قسوة، لأنه يُطلَب من الطرف الآخر أن يُصدّقه بمحض إرادته، لا أن يُفرَض عليه فرضاً.

فالشعب المصري، في هذا التصور، ليس ضحية مؤامرة يعيها، بل مطلوب منه أن يقتنع، من الداخل، بأنه الفقير المُدان، الذي وُلد وعليه ذنب لا يعرف اسمه، وأن الذل الذي يُطلب منه ليس قهراً يُمارَس عليه، بل توبة يستحقها.

وهذه هي الحيلة الكبرى، التي تفوق في دهائها كل قمع مباشر: أن يتحول القهر الخارجي إلى قناعة داخلية، فلا يعود المحكوم بحاجة إلى من يُخضعه، لأنه أخضع نفسه بيده، ظناً منه أنه بذلك يُصالح الكون على ذنب لم يقترفه.

فالمواطن الذي يقف في طابور لا ينتهي، أو يُغلَق في وجهه باب كان يجب أن يُفتح له بحكم القانون، أو يُطلب منه أن يشكر على فتات كان من حقه أن يناله كاملاً، لا يرى في هذا كله ظلماً واضح المعالم، بل يراه، مع تكرار المشهد جيلاً بعد جيل، جزءاً من نظام كوني لا خللاً فيه.

وهذه ليست فرضية فلسفية نظرية نصوغها، بل كارثة حقيقية، ملموسة في تفاصيل الحياة اليومية لملايين المصريين: في راتب لا يكفي بينما تتضخم ثروات لا تُسأل عن مصدرها، وفي فرصة عمل تُمنح لا بالكفاءة، بل بالانتماء إلى الزي أو القرابة منه، وفي صوت يُخفَت قبل أن يُسمع، وسؤال يُجهَض قبل أن يُصاغ. وفي جيل كامل يكبر وهو يظن أن هذا الترتيب هو النظام الطبيعي للأشياء، لا نتاج قرارات اتُّخذت وسياسات فُرضت وأجيال أُقنعت، الواحد تلو الآخر، بأن السؤال نفسه تجاوز لا حق.

وهنا يكمن الخطر الأعمق في هذه الكارما المصرية: أنها لا تكتفي بإخضاع جيل واحد، بل تُورَّث، كما يُورَّث كل شيء في منطقها، إلى الجيل الذي يليه.

فالطفل الذي يكبر رائياً أن صاحب الرتبة يمر من كل باب دون طابور، وأن صاحب الزي يُعفى مما يُحاسَب عليه غيره، يتشرب هذا المشهد قبل أن يملك أدوات مساءلته. ومع الوقت، يكف عن رؤيته استثناءً يستحق الغضب، ويبدأ في رؤيته قاعدة تستحق التسليم، فينتقل الوهم من جيل إلى جيل، لا بالقوة وحدها، بل بالتكرار الهادئ الذي يشبه غسل الأدمغة أكثر مما يشبه القهر المباشر.

هكذا تكتمل الكارما في صورتها الأبشع، في أرضها المصرية: لا حين يُقهر الشعب، بل حين يبرر لنفسه قهره، ولا حين يستأثر العسكر بالسلطة، بل حين ينسون أنهم استأثروا بها أصلاً، ويظنون أنها كانت لهم منذ فجر الخليقة.

هكذا تكتمل الكارما في صورتها الأبشع، في أرضها المصرية: لا حين يُقهر الشعب، بل حين يبرر لنفسه قهره، ولا حين يستأثر العسكر بالسلطة، بل حين ينسون أنهم استأثروا بها أصلاً، ويظنون أنها كانت لهم منذ فجر الخليقة

وبين هذين النسيانَين، نسيان العسكر لأصل قوتهم ونسيان الشعب لأصل ضعفه، تكتمل الدائرة، ويصبح السؤال "من أين لكم هذا؟" أشبه بلغة منقرضة، لا أحد يذكر كيف يُنطق بها.

المفارقة

ومع ذلك، تبقى هناك مفارقة تستحق التوقف عندها طويلاً: نحن، في مصر، لسنا هندوساً، نحن لا نؤمن بالكارما. ومن هنا بالتحديد، يصبح هذا الوضع أشد غرابة، وأشد استحقاقاً للتغيير: أن نعيش وفق منطق يرفضه ديننا، منطق دخيل علينا، استعرناه من مكان آخر وألبسناه ثوباً محلياً. فإذا بحثنا في تاريخنا الإسلامي، لا نجد أثراً لفكرة أن القوة تمنح صاحبها حق عدم المساءلة. بل نجد العكس تماماً.

خالد بن الوليد

بلغ عمر بن الخطاب أن خالداً أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف درهم، فكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أمراً لا يحتمل التأويل: أن يُقام خالد أمام الناس، فتُنزع قلنسوته، ويُقيَّد بعمامته، ثم يُسأل: من مالك أجزت، أم من مال المسلمين؟

صعد أبو عبيدة المنبر، وأُقيم خالد بين يديه. تقدم بلال بن رباح، فنزع عمامته وقيّده بها، وسأله بصوت لا يعرف المجاملة: "من أين أجزت الأشعث؟ من مالك، أم من إصابة أصبتها؟"، فأجاب خالد بلا تلعثم: "بل من مالي"؛ فأُطلق سراحه فوراً.

تأمل المشهد: فاتح الشام، سيف الله المسلول، الرجل الذي لم يذق طعم الهزيمة؛ يقف مكبّلاً، لا بسيف عدو، بل بعمامته هو، أمام سؤال؛ لم يحمِه اسمه، ولا انتصاراته، ولا تاريخه المهيب.

خالد بن الوليد لم يكن فوق السؤال، فكيف صار السؤال، بعد قرون، أكبر من أن يُوجَّه إلى من لا يملكون من تاريخ خالد شيئاً، ولا من انتصاراته شيئاً، ولا من مكانته عند الله والناس شيئاً؟ لماذا نعجز اليوم عن توجيه سؤال كان يُوجَّه قبل قرون إلى أعظم قادة المسلمين؟

فمن أين لكم هذا؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)