في الحارة
عندنا، ليلة الفرح، كان العريس واقفا بالبدلة المكوية وفي جيبه منديل مطوي بعناية،
والزينة معلقة، والعروس جاهزة من أسبوع، وفجأة جاء صاحب الشقة وهو يمسح عرقه قائلا
بدم خفيف مباغت: "الشقة مش جاهزة يا جماعة، السباك لسه ما جاش، والكهربا
محتاجة تظبيط!"، سأله أبو العروس بذهول: "ما إنت واخد سنة كاملة يا حاج!"،
فرد عليه بثقة تنموية: "وإنت كنت عايزني أعرف إزاي من سنة؟ ما كنتش أعرف إن
الميعاد هييجي!".
هذا
المشهد العبثي يلخص ما جرى أمس؛ إذ استيقظ المجتمع قبل ساعات من الموعد المحدد
لبدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، أحد أهم التشريعات
المنتظرة، على جلسة طارئة لمجلس النواب أقرت إرجاء العمل به عاما كاملا، بناء على
مشروع تقدم به النائب هشام الحصري وعدد من زملائه، بدعوى أن البنية اللازمة لبعض
أحكامه لم تكتمل بعد. وكأن المعنيين بالتنفيذ اكتشفوا عند خط النهاية أن
"السيرفر" ناقص السلك والفيشة، فتحولت حزمة الضمانات المنتظرة للمحبوسين
احتياطيا إلى فرح مؤجل قبل الزفة بليلة!
يقف "عاشور
العايق" متكئا على عصاه البلوطية متمتما بلسانه السياسي العتيق: "قديما
كانت القوانين الكبرى تناقش لسنوات وتدخل حيز التنفيذ في وضح النهار.. والنهارده
نصحى على (قانون نص الليل)، ونعرف قبل التطبيق بأربع وعشرين ساعة إن الجاهزية
التقنية لسه ناقصة، فتتحول الإصلاحات المنتظرة إلى وعود مؤجلة!".
وجاءت
الجلسة الطارئة لتحسم الأمر قبل أن يسري القانون تلقائيا في موعده، فأغلق باب
الاختيار بسرعة تثير من الأسئلة أكثر مما تجيب.
يطل "عبده
مشتاق" خلف المنبر مشيرا إلى إقرار التأجيل لعام إضافي ينتهي في 1 تشرين
الأول/ أكتوبر 2027 بلغة حماسية: "لقد حققنا إنجازا برلمانيا سريعا، وهذا
التحرك يعكس مرونة المنظومة في تلافي التعقيدات الفنية قبل أن يطبق القانون
تلقائيا!".
ويصفق
مشتاق للقرار متسائلا: هي من إمتى أصلا الحكومة بتكون جاهزة؟! ثم يعلن أن مد
الموعد 365 يوما إضافية يمنح الكوادر مهلة أطول لإجراء الاختبارات العملية.
يخرج "مسعد
بيه"، خبير اللوائح، من حقيبته الدبلوماسية مبررات التأجيل كما وردت في مذكرة
المشروع، برطانته الجافة: "
التحول الرقمي، والتقاضي عن بعد، والإعلان
الإلكتروني منظومة تكنولوجية معقدة تتطلب استكمال البنية التحتية وتأهيل الكوادر،
ومد الموعد لعام إضافي لا يضر بمصالح المتهمين".
والسؤال
الذي يتجنبه مسعد بيه: ماذا جرى في المهلة الكاملة التي منحت للجهات المعنية منذ
صدور التشريع؟ فتعديل نص في ساعة واحدة ممكن، أما ربط المحاكم إلكترونيا فلم يتحقق
في عام كامل.
يندب "مفروم
أفندي صابر" حظه وهو ينظر إلى أبواب السجون المغلقة، متأملا "بصيص
الأمل" الذي طال انتظاره: "كنا فاكرين إن الصباح الجديد هيجيب معاه
تقليص مدد الحبس الاحتياطي، فإذا بالسيستم يتعطل في اللحظة الأخيرة، وتتحول آمال
المحبوسين احتياطيا المنتظرين لتفعيل نصوص القانون إلى مادة للتأجيل بآليات دفترية
باردة!".
ومفروم
أفندي يخشى أن يعني غياب الجاهزية التقنية بقاء قريبه عاما آخر في الانتظار، رغم
التأكيد الرسمي أن التأجيل لا يضر المتهمين؛ ويتساءل بمرارة: هو أنا ابن مفروم
أفندي محبوس احتياطي ولا محبوس إلكتروني عشان ننتظر تحديث الشاشة؟!
يمر "عم
بهنسي الفلاح" بجلبابه الأسمر وينظر إلى مبنى العاصمة الجديدة قائلا: "كنا
زمان بنعرف ميعاد الحصاد باليوم، والنهارده أجهزة الكمبيوتر مش عارفة تحدد ميعاد
نفاذ القانون، وإحنا عيالنا عمرهم بيتحرق ورا الباب الصاج، واللي مش جاهز النهارده
مش هيبقى جاهز بكره، ببساطة لأن محدش بيسأل نفسه كان بيعمل إيه السنة اللي فاتت!".
المواطن
البسيط يرى الساعات تدق يوما بيوم، بينما ساعة الاستعدادات متوقفة على نفس
الدقيقة؛ وإذا كانت الجهات المعنية تحتاج لسنة إضافية لاستكمال الأجهزة والتدريب،
فمن يعوض المنتظرين أعمارهم؟
يرد "الحاج فهيم منظرة" مدافعا عن التبريرات الرسمية: "الاستعجال في تطبيق التحول
الرقمي قد يؤدي إلى ارتباك في الإعلانات القضائية وضياع
الحقوق، والتأجيل الحكيم
بروفة ضرورية لإجراء الاختبارات العملية وتفادي الأخطاء التنفيذية!".
وحجته،
وإن كانت وجيهة في ظاهرها، تتجاهل أن الحقوق والحريات ليست مفتاح كهرباء نرجئه متى
شئنا ونشعله متى توفرت الوصلات.
وتظل
معادلة العدالة قائمة بوضوح؛ حين تدق ساعة النفاذ وتنكشف فجوة الاستعدادات الفنية،
يظل "عبده مشتاق" و"مسعد بيه" خلف المنصات يتبادلان الحديث عن
ضمانات العام القادم وجماليات التقاضي الافتراضي، بينما يطوي العريس بدلته المكوية
في صمت، وتجلس الأم التي علمت يوم الفرج على نتيجة الحائط تحسب الأيام من جديد
بقلم رصاص ممحو، لتكتشف أن القانون كان مستعجلا جدا في الصدور، لكنه حتما ليس
مستعجلا في الجاهزية.
(الشخصيات
الواردة في هذا المقال خيالية، وأي تشابه بينها وبين شخصيات حقيقية مصادفة محضة..
والتفاصيل الإجرائية مأخوذة من تقارير صحفية عن جلستي اللجنة التشريعية والمجلس).
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.