عندما تصبح حقوق الإنسان "خيانة".. ماذا يخشى النظام المصري؟

أدهم حسانين
"مجرد المشاركة في مؤتمر سياسي لا يثبت وحده التبعية التنظيمية أو وجود تمويل سري"- فيسبوك
"مجرد المشاركة في مؤتمر سياسي لا يثبت وحده التبعية التنظيمية أو وجود تمويل سري"- فيسبوك
شارك الخبر
لم تعد الحملة الإعلامية المصرية على منظمة "Justice Matters" مجرد خلاف عابر حول مؤتمر أو نشاط سياسي في هولندا؛ ما يجري يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف العمل الحقوقي/ السياسي المستقل بوصفه تهديداً أمنياً، وإلى تحويل كل انتقاد للسلطة المصرية إلى دليل على العمالة أو التآمر أو الارتباط بأجهزة استخبارات أجنبية.

خلال أيلول/سبتمبر 2026، ظهرت في وسائل إعلام مصرية اتهامات واسعة ضد "Justice Matters" ربطتها بجماعة الإخوان المسلمين، وبشخصيات معارضة مقيمة في أوروبا، وبمؤتمر مرتقب في لاهاي. غير أن معظم ما نُشر في هذا السياق جاء على هيئة مزاعم إعلامية وتصريحات سياسية، لا على هيئة أدلة قضائية منشورة أو تحقيقات مستقلة مكتملة. وحتى التقارير التي حاولت رسم شبكة واسعة بين المنظمة وكيانات أخرى أقرت، في مواضع مهمة، بأن مجرد المشاركة في مؤتمر سياسي لا يثبت وحده التبعية التنظيمية أو وجود تمويل سري.

المسألة إذن ليست فقط: ماذا فعلت "Justice Matters"؟ بل أيضاً: لماذا تُعامل منظمة حقوقية/ سياسية تعمل من هولندا كما لو كانت غرفة عمليات لإسقاط الدولة المصرية؟

الجواب الأقرب إلى الواقع هو أن المنظمة، مثل غيرها من المنصات السياسية، الحقوقية والإعلامية العابرة للحدود، تمس ثلاث مناطق شديدة الحساسية بالنسبة إلى النظام المصري: شرعية المؤسسة العسكرية، وسجل حقوق الإنسان، والقدرة على التحكم في الرواية السياسية خارج الحدود.

من النقد إلى "التهديد الوجودي"

تقوم الأنظمة السلطوية عادة على معادلة سياسية بسيطة: الدولة هي النظام، والنظام هو الجيش، ومن ينتقد النظام يهدد الدولة، ومن يهدد الدولة يُعامل كعدو. في هذه المعادلة، تختفي الحدود بين الحكومة والوطن، وبين المؤسسة العسكرية والكيان السياسي، وبين المحاسبة والخيانة.

تلك هي الخلفية التي تفسر الهجوم على "Justice Matters"؛ فالمنظمة لا تحتاج إلى امتلاك جيش أو جهاز استخبارات أو قناة تلفزيونية ضخمة حتى تصبح مزعجة، يكفي أن توفر مساحة للمعارضين، أو أن تستضيف نقاشاً عن الاعتقال السياسي، أو أن تساعد في نقل روايات الضحايا إلى المؤسسات الأوروبية. بالنسبة إلى نظام يعتمد على ضبط المجال العام، يصبح توثيق الانتهاكات فعلاً سياسياً، حتى لو كان سلمياً وقانونياً.

لقد اعتادت السلطات المصرية ووسائل الإعلام الموالية لها استخدام قاموس متكرر: "الإخوان"، "التمويل الأجنبي"، "إسقاط الدولة"، "الأجندات الخارجية"، "المخابرات"، "الفوضى". وظيفة هذا القاموس ليست إثبات الجريمة، بل إلغاء النقاش قبل بدايته. فإذا اتُّهم الخصم بالعمالة، لم يعد مطلوباً من السلطة أن تجيب عن أسئلته بشأن السجون أو المحاكمات أو الاختفاء القسري أو تضييق المجال العام.

وهنا تكمن قوة الاتهام وضعفه في آن واحد؛ إنه قوي دعائياً لأنه يثير الخوف الوطني ويستدعي ذاكرة العنف السياسي، لكنه ضعيف تحقيقياً إذا لم يُدعّم بأسماء، ووثائق، ومسارات مالية، وأحكام قضائية، وشهادات قابلة للتحقق.

لماذا هولندا؟

تكتسب هولندا أهمية خاصة لسببين متناقضين؛ الأول أنها دولة أوروبية ذات تقاليد راسخة في حرية التنظيم والتعبير واللجوء، والثاني أنها تستضيف مؤسسات دولية ومحاكم ومنظمات حقوقية، بما يجعل لاهاي منصة طبيعية للمعارضة المصرية وللضغط القانوني والدبلوماسي.

بالنسبة إلى المنفيين والمعارضين، تمثل هولندا مكاناً يمكن فيه عقد مؤتمر أو إطلاق حملة أو التواصل مع البرلمان الأوروبي والإعلام الدولي دون المرور عبر أجهزة الدولة المصرية. وبالنسبة إلى النظام المصري، فإن هذا النشاط يتحول إلى امتداد خارجي للمعركة الداخلية.

في تقرير مصري نشر في أيلول/سبتمبر 2026، رُبطت "Justice Matters" بشخصيات وبكيانات سياسية وحقوقية أخرى، مع الإشارة إلى أن صعوبة التمييز بين النشاط الحقوقي والسياسي تجعل شفافية التمويل والحوكمة أمراً مهماً. وهذه نقطة مشروعة من حيث المبدأ، لكنها لا تتحول إلى إدانة إلا إذا تبعتها أدلة محددة على التزوير أو غسل الأموال أو التبعية التنظيمية أو التحريض على العنف.

لماذا الآن؟

التوقيت ليس عشوائياً؛ تزامنت الحملة مع الحديث عن المؤتمر الوطني الأول في لاهاي، ومع إعادة تداول ملفات تتعلق بنشطاء مصريين في أوروبا، من بينهم رئيس مجلس إدارة جاستيس ماترز هولندا شخصيا وأعضاء من المؤسسة، ومنهم كاتب هذه السطور والشقيقان أنس وطارق حبيب اللذان ورد اسماهما في تقارير إعلامية مصرية في سياق وقائع وتحقيقات في بلجيكا وهولندا من قبل. لكن الإعلان عن توقيف أو التحقيق مع أفراد لا يُثبت، بذاته، مسؤولية منظمة بأكملها، ولا يثبت أن كل المشاركين في مؤتمر ما يعملون لحساب جماعة واحدة.

التوقيت يخدم أكثر من هدف:

- تعبئة الجمهور الداخلي ضد عدو موجود خارج الحدود.

- تحذير الحكومات الأوروبية من استقبال أو دعم المعارضين المصريين.

- خلق انطباع بأن انتقادات حقوق الإنسان جزء من مشروع لتفكيك الدولة.

- تحويل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية إلى معركة أمن قومي.

- إحكام السيطرة على المجال الإعلامي المصري عبر تخويف الصحفيين من الاقتراب من الرواية البديلة.

تحتاج الأنظمة التي تواجه ضغوطاً اقتصادية أو سياسية إلى عدو دائم، وحين لا يكون العدو قادراً على شن حرب، يمكن تقديمه بوصفه "شبكة" أو "غرفة عمليات" أو "واجهة مدنية" لمشروع خارجي. هكذا تصبح مؤسسة سياسية حقوقية جزءاً من سردية ضخمة عن المؤامرة الدولية.

هل هزّت "Justice Matters" عرش الاحتلال العسكري؟

يحتاج هذا التعبير إلى قدر من الدقة؛ لا توجد، في المواد المتاحة، أدلة تثبت أن المنظمة هزّت فعلياً بنية الحكم المصري أو أنها تملك القدرة على إسقاط النظام؛ منظمة سياسية/ حقوقية مهما كان تأثيرها، لا تمتلك وحدها أدوات تغيير نظام سياسي راسخ يمتلك الجيش وأجهزة الأمن والإعلام الرسمي وشبكات اقتصادية واسعة. لكن المنظمة قد تكون قد هزّت شيئاً آخر: احتكار النظام للرواية التي يظن أنه يملكها وحده.

وهذا الاحتكار أكثر أهمية مما يبدو؛ السلطة تستطيع إغلاق صحيفة، أو منع مظاهرة، أو اعتقال ناشط، لكنها تجد صعوبة أكبر في السيطرة على مؤتمر يعقد في أوروبا، أو تقرير يُرفع إلى مؤسسات دولية، أو شهادات تصل إلى صحفيين وبرلمانيين أجانب. لذلك لا يكون الخطر في عدد أعضاء المنظمة، بل في قدرتها على نقل النقاش من القاهرة إلى لاهاي، ومن الإعلام المحلي إلى المؤسسات الأوروبية.

في الداخل المصري، تستطيع السلطة أن تصف معارضيها بالخونة. أما في الخارج، فعليها أن تواجه أسئلة أكثر صعوبة: هل توجد محاكمات عادلة؟ هل يسمح القانون بالمعارضة السلمية؟ هل تُستخدم قوانين الإرهاب لإسكات الصحفيين؟ هل توجد آلية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات؟ هل تستطيع المنظمات الحقوقية التسجيل والعمل دون تدخل أمني؟ هل يمكن للمعارض المصري أن يعود إلى بلاده دون خطر الاعتقال؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل النشاط الحقوقي/السياسي مؤلماً للسلطة؛ ليس لأنه يهدد الدولة، بل لأنه يهدد المسافة الآمنة بين الدولة وأفعالها.

سلاح "الإخوان" في الإعلام

تحاول وسائل الإعلام المصرية وضع "Justice Matters" داخل إطار واحد: الإخوان المسلمين. من الناحية السياسية، هذا الاتهام مفهوم ضمن تاريخ الصراع بين الدولة والجماعة، لكن من الناحية الصحفية، فإن اختزال كل معارضة في الإخوان يخلق مشكلة خطيرة: فهو يطمس الفروق بين الإسلاميين، والليبراليين، واليساريين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين المستقلين، والضحايا الذين لا ينتمون إلى أي تنظيم. وفي الوقت نفسه، يجب ألا تقع المنظمات الحقوقية في الجهة المقابلة من الخطأ. فمن حق الجمهور أن يعرف: من يمول المنظمة؟ من يديرها؟ ما طبيعة عضويتها؟ هل لها صلات مباشرة بحزب أو جماعة؟ هل تخلط بين التوثيق الحقوقي والدعاية السياسية؟ هل تدين العنف من جميع الأطراف؟ هل تنشر وثائق قابلة للتحقق أم تكتفي بالشعارات؟

هذه الأسئلة لا تخدم النظام وحده؛ بل تحمي العمل الحقوقي من التسييس. فالمنظمة التي ترفض الشفافية تمنح خصومها هدية مجانية، وتسمح للسلطة بتحويل شكوك مشروعة إلى اتهامات شاملة.

لكن الشفافية المطلوبة يجب أن تكون متبادلة، فإذا كان من حق الدولة أن تسأل عن تمويل المنظمات، فمن حق الصحفيين أن يسألوا عن تمويل وسائل الإعلام التي تشن الحملات ضدها، وعن صلاتها بالأجهزة الرسمية، وعن مصادر معلوماتها، وعن سبب تجاهلها رد المنظمة أو منحها فرصة للرد.

سوابق مصرية: عندما يصبح الصحفي جاسوساً

لا تأتي هذه الحملة من فراغ، فقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية حملات مماثلة ضد صحفيين وحقوقيين أجانب ومصريين، خصوصاً عندما عملوا على ملفات حساسة أو نقلوا روايات لا توافق الرواية الرسمية.

في عام 2014، تحولت قضية صحفيي الجزيرة إلى نموذج صارخ على كيفية استخدام اتهامات "نشر الأخبار الكاذبة" و"التعاون مع جماعة إرهابية" ضد العمل الصحفي. كما تعرضت الصحفية الهولندية رينا ناتشيس للاشتباه والاتهام في سياقات أمنية، ثم غادرت مصر بعد إدراج اسمها في قضية مرتبطة بصحفيين اتُّهموا بالإرهاب ونشر الأخبار الكاذبة. ووصفت منظمات حقوقية القضية آنذاك بأنها جزء من حملة أوسع على حرية التعبير.

المغزى ليس أن كل اتهام مصري كاذب بالضرورة، ولا أن كل صحفي أو ناشط فوق المساءلة؛ المغزى أن تكرار الاتهامات الأمنية دون تقديم أدلة علنية يجعل كلمة "إرهابي" تفقد قيمتها القانونية وتتحول إلى أداة لإعدام السمعة.

عندما يقال عن منظمة ما إنها تعمل مع المخابرات، يجب أن يكون السؤال التالي فورياً: أين الوثيقة؟ أين الحساب البنكي؟ أين التسجيل؟ أين الحكم القضائي؟ أين التحقيق المستقل؟ أما الاكتفاء بظهورها في مؤتمر أو تواصلها مع معارضين أو عملها في ملف حقوقي، فليس دليلاً على التجسس.

الحق في المعارضة ليس إسقاطاً للدولة

الخلط بين نقد الحكومة وإسقاط الدولة هو جوهر الخطاب الذي يحمي السلطة من المساءلة، فالدولة المصرية ليست ملكاً لحكومة بعينها، ولا لمؤسسة عسكرية، ولا لحزب أو تيار؛ الدولة أوسع من السلطة، والسلطة قابلة للنقد والتغيير.

قد تكون بعض جماعات المعارضة المصرية راغبة فعلاً في إزالة النظام، وهذا حق سياسي ما دام سلمياً، ولا يجوز تحويل النية السياسية إلى جريمة، ولا تحويل المعارضة إلى إرهاب لمجرد أنها تطالب بانتخابات أو إطلاق سراح سجناء أو إنهاء الحكم العسكري.

الأخطر من ذلك أن الدولة حين تساوي بين الاستقرار والصمت، فإنها تنتج استقراراً هشاً. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على غياب الأصوات المعارضة، بل على وجود مؤسسات قادرة على استيعابها ومحاسبتها والرد عليها بالحجج.

هولندا ليست "تورابورا أوروبا"

وصفت بعض التغطيات الإعلامية هولندا بأنها "تورابورا أوروبا"، في تشبيه شديد القسوة يساوي بين مساحة سياسية وحقوقية مفتوحة وبين معقل إرهابي. هذا الوصف ليس تحليلاً، بل شتيمة جيوسياسية، وهو يكشف طبيعة الحملة أكثر مما يكشف طبيعة هولندا أو "Justice Matters".

هولندا ليست ملزمة بتبني الرواية المصرية، كما أن إتاحة المجال للمعارضة لا تعني منحها حصانة من القانون. إذا وجدت أدلة على تمويل غير مشروع أو تحريض على العنف أو التخطيط لعمل إرهابي، فالقضاء الهولندي يملك أدوات التحقيق والملاحقة، أما مطالبة الحكومة الهولندية بإغلاق المجال العام أمام معارضين مصريين فقط لأن النظام يصفهم بالخونة، فتعني عملياً تصدير القمع المصري إلى أوروبا.

وهنا يبرز الفارق بين الدولة القانونية والدولة الأمنية: الأولى تحقق في الفعل، والثانية تعاقب على الهوية؛ الأولى تقدم الدليل، والثانية تطلب من الجمهور أن يثق في الاتهام؛ الأولى تفتح الملف أمام القضاء، والثانية تفتحه أمام المذيع.

ما الذي ينبغي أن يفعله الصحفي الغربي؟

على الصحفيين الغربيين ألا يكتفوا بتكرار الرواية المصرية، لكن عليهم أيضاً ألا يقدموا "Justice Matters" بوصفها جهة محايدة دون تدقيق. المطلوب هو صحافة تحقق في الطرفين:

- مراجعة السجل القانوني للمنظمة في هولندا.

- معرفة أعضاء مجلس إدارتها ومصادر تمويلها.

- التحقق من صلاتها المعلنة بالمنظمات الأخرى.

- التواصل معها للحصول على رد واضح على كل اتهام.

- فحص أسماء المشاركين في المؤتمرات وأوراقهم السياسية.

- التمييز بين الدعوة إلى تغيير النظام بالوسائل السلمية وبين التحريض على العنف.

- مراجعة الوثائق القضائية الأصلية، لا عناوين البرامج التلفزيونية.

- مقارنة الاتهامات المصرية بمصادر هولندية وأوروبية مستقلة.

هذه ليست مجاملة للمنظمة، بل دفاع عن المعايير الصحفية. فالنقد الحقيقي لا يحتاج إلى شيطنة خصمه، والاتهام الخطير لا يثبت بالصراخ.

الخلاصة

ربما لا تملك "Justice Matters" القدرة على إسقاط الدولة المصرية، ولا توجد أدلة منشورة تكفي لإثبات أنها "واجهة مخابراتية" أو غرفة عمليات لجماعة الإخوان. لكن الحملة عليها تكشف شيئاً مهماً: النظام المصري يرى في المجال السياسي/ الحقوقي الخارجي تهديداً لأنه يفتح نافذة على ملفات تريد السلطة إبقاءها داخل إطار الأمن القومي.

لقد هزت المنظمة -إن صح التعبير- ليس عرش الحكم العسكري، بل جدار الصمت المحيط به. وهذا الجدار هو الذي تحاول وسائل الإعلام المصرية ترميمه بالاتهامات الجاهزة: عميل، خائن، إرهابي، إخواني، ممول أجنبي.

لكن الدولة القوية لا تخشى منظمة سياسية/ حقوقية، ولا تخشى مؤتمراً، ولا تخشى صحفياً؛ الدولة القوية ترد بالوثائق، وتفتح السجون للمراقبة، وتسمح بالمعارضة، وتحاكم من يرتكب جريمة أمام قاضٍ مستقل. أما حين تصبح كل مطالبة بالشفافية مؤامرة، وكل نقد خيانة، وكل حقوقي عميلاً، فالمشكلة لا تكون في المنظمة التي تتحدث؛ بل في السلطة التي لم تعد تحتمل أن يسمع أحد صوتاً آخر.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)