أمام كشك
البقال في حارة قديمة، وقف موظف كهل يمسك بورقة المائة جنيه يقلبها ذات اليمين
وذات الشمال كأنه يفحص لوحة لـ"بيكاسو"، نظر إلى البقال وقال بصوت
مخنوق: "يا حاج، دي كانت بتشيل البيت أسبوع كامل، النهاردة فكتها تشتري إزازة
زيت وكيلو سكر، وأرجع للمدام بباقي فكة ما يكملش ثمن تذكرة ميكروباص!"
الواقع
يفرز معادلته الصادمة؛ ورقة البنكنوت لم تعد أداة شراء بل وثيقة إدانة للتضخم
الزاحف الذي يلتهم الدخول قبل أن يجف حبر التوقيع على كشوف المرتبات، ومع نهاية
النصف الأول من الشهر، يجد المواطن نفسه يطارد بقايا الأيام بجيوب خاوية، بينما
تخرج المنصات لتبشره بحزم الحماية الاجتماعية وزيادات الدعم التي تبتلعها الأسواق
قبل أن تصل إلى الأيدي الخشنة!
يقف "مفروم
أفندي صابر" متكئا على عصاه البلوطية متمتما بلسانه السياسي العتيق: "المرتب
عندي بيتبخر بنظام التبخير الفوري السريع، والزيادات اللي بتعلنها مكبرات الصوت
بتوصل لجيوب التجار قبل ما توصل لمحفظتي المصرفية، أنا بقيت مواطن ماشي بقوة الدفع
الذاتي وعايش على بند الستر الجميل لحد ما الشهر يخلص"!
المرتب
يزور الجيب كضيف خفيف لدقائق ثم يغادر، تاركا وراءه طابورا من
الفواتير الثابتة
وأقساط الإيجار التي لا ترحم؛ في واقع تآكلت فيه القيمة الفعلية للأجور بنسبة
تتجاوز 70 في المئة بفعل الموجات المتلاحقة.
يطل "عبده
مشتاق" بوجه يشع نضارة خلف منبر المؤتمر الصحفي السنوي، مشيرا إلى لوحة
بيانية ضخمة: "لقد حققنا طفرة غير مسبوقة في تدشين منافذ السلع المدعمة، وحزم
الرعاية الاستثنائية التي قدمناها تمثل درعا واقيا يعبر بالأسرة الحضرية المتوسطة
إلى بر الأمان بكل أريحية واستقرار"!
مشتاق
يتأمل الأسواق عبر شاشات العرض المكيفة، ويرى طوابير المواطنين الباحثين عن السلع
كمجرد تظاهرة تأييد لنجاح خططه الورقية؛ متجاهلا الأرقام الرسمية الصادرة عن
الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي تسجل استقرار معدل التضخم السنوي
العام عند مؤشرات حادة تتراوح بين 25 في المئة إلى 26.2 في المئة.
تنزوي "الست
صابحة المايسترو" في ركن غرفتها، تحسب تكلفة تذكرة المترو وفاتورة دواء
السكر: "كنا زمان بنقول التعليم والصحة بالمجان، والنهاردة بقيت أدفع نص
الدخل عشان دروس العيال والنص التاني في كشف العيادة والروشتة اللي سعرها بيتغير
بين الصبح والعصر، الدعم اللي بيتكلموا عنه في التلفزيون شكله راكب قطار سريع
وإحنا واقفين على الرصيف مش عارفين نلحقه"!
صابحة
تدير ميزانية بيتها بـ"الفوتوشوب الحسابي"، ناسية أن مجموعة
"الطعام والمشروبات" وحدها قفزت بمعدل تضخم قطاعي سنوي قياسي تخطى حاجز
الـ32 في المئة وفقا لبيانات البنك المركزي، مما يفسر تبخر الدخول قبل الأسبوع
الأول.
يخرج "مسعد
بيه ترزي اللوائح" من حقيبته الدبلوماسية مقترحا تنظيميا جديدا: "مواجهة
فجوة
الأسعار تتطلب تفعيل آليات الرقابة الدفترية وتشكيل مجالس عليا لضبط الأسواق
الاسترشادية، فالأزمات الحالية في كتالوج الإدارة تحل بالقرارات الفوقية والتقارير
الإحصائية التي تثبت تراجع منحنى التضخم بنسب مئوية مطمئنة"!
الترزي
يرى أن المواطن يشبع من قراءة مؤشرات الهبوط النظري، متناسيا أن بطن الجائع لا
تفهم لغة المنحنيات الهندسية، وأن تراجع التضخم رقميا يعني تباطؤ سرعة الارتفاع
فقط، بينما الأسعار الفعلية ثابتة عند قمتها الفلكية.
يمر "عم
بهنسي الفلاح" بجلبابه الطيني، ينظر إلى لافتات المعارض الاستهلاكية ويتحسر
بمرارة الأرض: "كنا بنبيع الأردب والوجبة من الغيط بالقرش ونأكل بلد،
والنهاردة بنزل السوق أشتري كيلو الطماطم واللحمة المستوردة بأسعار فلكية تخلي
الواحد يحس إنه غريب في غيطه، هما يكتبوا التقارير بالألوان وإحنا بندفع الثمن
بالدم الكاش"!
بهنسي يرى
الأرض تنتج الذهب، بينما جيبه لا يحصد سوى رماد الوعود العائمة التي يطلقها جيل
المنصات الرقمية؛ في سوق ارتفعت فيه تكاليف المدخلات والخدمات والسلع الأساسية
بنسب تراكمية تخطت الـ40 في المئة.
يصيح "الأستاذ
حلبة الحصالة" وهو يجمع اشتراكات مجموعات الدعم من أولياء الأمور: "العلم
سلعة استراتيجية، ومن يريد تأمين مستقبل أولاده عليه أن يدفع تمن الخدمة بكفاءة،
المنظومة التعليمية والطبية الخاصة هي الملاذ الحقيقي الآن، والحصالة لازم تملي
لضمان الجودة"!
حلبة يرى
في أزمة الغلاء فرصة ذهبية لمضاعفة تعريفة الجباية التعليمية، معتبرا جيوب مفروم
أفندي بئرا بترولية لا تنضب، ومستغلا خروج قطاعي التعليم والرعاية الطبية بأرقام
تضخمية متباينة تلتهم ما يتراوح بين 35 في المئة إلى 45 في المئة من متوسط الدخل
السنوي للأسرة المتوسطة.
وتظل
معادلة الشارع قائمة بوضوح مذهل؛ حين يحل منتصف الشهر وتنكشف الأرقام الصماء، يترك
"ترزي اللوائح" و"عبده مشتاق" ليتأملوا جداول النمو ومؤشرات
الاستقرار الاقتصادي الزائف خلف المنصات، بينما تطبخ الأيدي الخشنة بـ"بقايا
الفكة" معركة الصمود اليومي الصامت أمام بوابات الأسواق.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.