تواجه منطقة
الخليج مرحلة متصاعدة من الاضطراب الأمني والسياسي، مع اتساع رقعة الصراعات الإقليمية وتراجع الثقة بقدرة التحالفات التقليدية على ضمان الاستقرار.
وبين تداعيات الحرب على
إيران، وتصاعد المواجهة مع
الحوثيين في
اليمن، وتزايد المخاطر التي تهدد البنية التحتية الحيوية والمصالح الاقتصادية، تجد دول المنطقة نفسها أمام واقع جديد تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع التحولات الجيوسياسية، وتتعرض فيه حسابات الأمن والازدهار الاقتصادي لاختبارات متزايدة.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "الغارديان" تقريرا، قالت فيه أن الخليج دخل مرحلة جديدة وطويلة الأمد من عدم الاستقرار، محذرة من أن قادته سيخطئون إذا افترضوا إمكانية مواصلة الاعتماد على التحالفات القديمة.
واعتبرت أن الهجوم الدامي الذي شنه الحوثيون على العاصمة السعودية الرياض، السبت، يمثل منعطفا خطيرا في صراع إقليمي متصاعد، وهو الهجوم الأكثر دموية على دولة خليجية منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير.
وأضافت أن ارتفاع حصيلة القتلى يمثل أمرا لافتا في السعودية، التي لم تعتد مثل هذه الخسائر البشرية، وقد يدفع إلى رد أكثر دموية.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم أن الحديث عن دخول المنطقة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد يبدو مبالغا فيه، خصوصا أن الخسائر البشرية ظلت منخفضة نسبيا مقارنة بما شهدته غزة وإيران، ترى الصحيفة التآكل التدريجي لمفهوم السلام والأمن في السعودية وقطر والإمارات غير واقع الخليج بصورة أعمق مما يرغب قادته في الاعتراف به.
وتؤكد أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العام الماضي تشير إلى مرحلة طويلة الأمد يصعب التراجع عنها.
من استهداف قطر إلى اتساع رقعة الحرب
تعود إحدى أبرز محطات هذا التحول إلى ما يزيد قليلا على عام، عندما أطلقت إيران صواريخ على قاعدة جوية في قطر تستضيف قوات أمريكية، ردا على الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآتها النووية.
وأضاءت الصواريخ سماء الدوحة، فيما تناثرت شظاياها، في مشهد أثار قلق القطريين الذين سعوا إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران.
ومع ذلك، أشارت التحذيرات والتنسيقات التي سبقت الهجوم إلى أنه كان إجراء إيرانيا لحفظ ماء الوجه.
لكن المشهد تغير لاحقا في عام 2025، عندما شنت إسرائيل، من دون تحذير أو تنسيق مماثل، غارة على الدوحة استهدفت عناصر من حركة حماس، وأسفرت عن مقتل خمسة فلسطينيين وقطري واحد.
وترى مالك أن تلك الضربة شكلت بداية انهيار المفهوم الراسخ بشأن حماية أرواح سكان الخليج واحترام سيادة دوله، وهو مفهوم حافظت عليه المنطقة سابقا من خلال إدارة علاقاتها مع إيران والاستناد إلى تحالفاتها مع الولايات المتحدة.
وجاءت الحرب التي شنها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إيران لتدفع دول الخليج بصورة نهائية إلى قلب المواجهة.
اظهار أخبار متعلقة
وردا على ما اعتبرته طهران دعما سياسيا وعسكريا ولوجستيا للهجوم عليها، شنت إيران ضربات استهدفت السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وعمان.
ولم تقتصر الهجمات على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه، مستهدفة بنية تحتية حيوية تشكل ركنا أساسيا في اقتصادات هذه الدول. وأدى ذلك إلى أضرار جسيمة واضطرابات في الحياة اليومية، شملت إغلاق المدارس لأشهر، وتعطل المطارات، وإغلاق المجال الجوي.
تداعيات اقتصادية وتهديد لمشروعات الانفتاح
إلى جانب الخسائر والأضرار المباشرة، تبرز تداعيات الحرب على مساعي دول الخليج لتعزيز اندماجها في المجتمع الدولي بوصفها وجهات للسياحة والتجارة والرياضة والترفيه. وترى الكاتبة أن هذه التداعيات تمثل إحدى أخطر النتائج من وجهة نظر حكام المنطقة، الذين استثمروا مليارات الدولارات للحصول على حقوق استضافة بطولات الفورمولا 1 والغولف والملاكمة وغيرها من الفعاليات.
وأصبحت هذه الاستثمارات عرضة للمخاطر مع تصاعد الهجمات، إذ باتت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على تهديد مشروعات اقتصادية وترفيهية ضخمة، استثمرت دول الخليج موارد كبيرة في بنائها وتعزيز حضورها الدولي من خلالها.
وفي موازاة ذلك، أسهمت الحرب في إعادة تنشيط صراعات إقليمية ظلت حدتها منخفضة نسبيا خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها الحرب الأهلية اليمنية، التي دخلت مرحلة جديدة من التصعيد مع تغير موازين القوى والتحالفات في المنطقة.
اليمن والحوثيون.. صراع قديم في سياق جديد
بدأت الحرب الأهلية اليمنية عام 2014، عندما سيطر الحوثيون المدعومون من إيران، والذين كانوا يطمحون إلى مزيد من الحكم الذاتي في مناطقهم ذات الأغلبية الشيعية، على العاصمة صنعاء. وفي عام 2015، قاد تحالف دولي بقيادة السعودية حملة عسكرية لإخراجهم من المناطق التي سيطروا عليها، ما أدى إلى تفاقم الحرب وأفضى إلى مقتل مئات الآلاف وحدوث كارثة إنسانية.
وانخفضت حدة المواجهات عام 2022، مع نشوء تقسيم فعلي، وإن لم يكن رسميا، للبلاد بين الحوثيين وحكومة معترف بها دوليا ومدعومة من السعودية. وأعقب وقف إطلاق النار تقارب بين الرياض وطهران، ساهم في تهدئة التوترات بين الجانبين.
غير أن الحرب على إيران عام 2026 فتحت، بحسب التقرير، مسارات استراتيجية جديدة وأعادت تشكيل بعض الولاءات السياسية، الأمر الذي ساهم في تصاعد تحركات الحوثيين داخل اليمن، فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى زيادة حركة الملاحة التجارية على طول الساحل اليمني، ما أتاح للحوثيين فرصة للتقدم والاستيلاء على أراض، وتعزيز قدرتهم على التحكم بمضيق باب المندب في البحر الأحمر.
وبعد مرور خمسة أشهر على اندلاع الحرب، بلغت التوترات مستوى جديدا، مع تكثيف السعودية غاراتها على الحوثيين، وقصف الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية.
وترفض مالك اختزال هذه التطورات في كونها مجرد تحركات لجماعة تسعى إلى استغلال الصراع الأوسع بين إيران والغرب وإفساده، مؤكدة أن الحوثيين، رغم تلقيهم الدعم الإيراني، ليسوا مجرد وكلاء لطهران، بل يمتلكون طموحات داخلية وعداوات إقليمية خاصة، ولا سيما تجاه آل سعود، الذين ينظرون إليهم باعتبارهم سادة متغطرسين لن يخضعوا لهم أبدا.
وفي هذا الإطار، نقل التقرير عن مسؤول حوثي بارز قوله إن هجوم السبت جاء "ليدرك العالم" أن البنية التحتية المدنية اليمنية كانت ولا تزال مستهدفة من قبل السعودية، في إشارة إلى شعور لدى بعض الحوثيين بأن الرياض لا تبالي بأرواح اليمنيين.
تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية
وتربط الصحيفة التحولات الراهنة بسلسلة الحروب التي أعقبت هجمات حماس على دولة الاحتلال في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وما تلاها من مواجهات في غزة ولبنان وإيران.
وترى أن التوازن الإقليمي الهش فقد آخر عناصر الاستقرار التي كانت تدعمه، عندما قرر ترامب، وفق توصيفها، تقديم حربه على إيران على سلامة وأمن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.
وجعل هذا الموقف حدود الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية أكثر وضوحا أمام الحلفاء والخصوم على حد سواء، في وقت تواجه فيه دول الخليج تهديدات مباشرة لأراضيها ومنشآتها الحيوية.
اظهار أخبار متعلقة
وتشير مالك إلى أن إدارة ترامب رفضت، خلال الشهر الماضي، تقديم مساعدات عسكرية للسعودية في حربها ضد الحوثيين، وذلك بعد اجتماع مسؤولين أمريكيين مع ممثلين عن الجماعة أكدوا خلاله أنهم لن يستهدفوا السفن الأمريكية في البحر الأحمر، بل السفن السعودية فقط.
وتحذر الصحيفة من أن السعودية تواجه بذلك حربا طويلة ومعقدة مع خصم يتمتع بالمهارة والاستعداد لتحمل خسائر كبيرة، بطرق قد يصعب على الرياض مجاراتها ما لم تتكيف بصورة كاملة مع متطلبات الحرب.
واستنادا إلى تجربة الحملة العسكرية التي بدأت عام 2015، ترى أن تجدد المواجهة قد يؤدي إلى سقوط آلاف القتلى، مع احتمال ضئيل لتحقيق نتيجة حاسمة.
الخليج أمام واقع إقليمي متغير
في المحصلة، ترى الصحيفة أن السعودية، ومعها منطقة الخليج بأكملها، تنجرف بصورة متزايدة إلى دوامة من الصراعات التي يصعب احتواؤها. فالحرب على إيران لا تزال من دون نهاية واضحة، وغزة ما زالت تمثل جرحا مفتوحا، فيما تواصل دولة الاحتلال قصف لبنان واحتلال أجزاء منه.
وفي ظل هذه الظروف، يمثل صعود الحوثيين وتوسع قدرتهم على التأثير في مسارات الملاحة والصراع الإقليمي جزءا من واقع جديد يتسم بالفوضى واستنزاف الأرواح والموارد.
وتخلص الصحيفة إلى أن دول الخليج باتت عالقة بين تحالفات تقليدية لم تعد توفر الضمانات السابقة، وعداوات متصاعدة تفرض تحديات كبيرة يصعب مواجهتها بالاعتماد على الأدوات والسياسات القديمة وحدها.