طورت جماعة الحوثيين في
اليمن قدراتها العسكرية خلال السنوات الأخيرة، ولم
تعد تعتمد بالدرجة نفسها على استيراد الأسلحة والمكونات من إيران، بعدما تمكنت من
تصنيع أجزاء متزايدة من منظوماتها داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، بالتزامن مع
محاولات للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة أكثر تقدما.
أكدت صحيفة "
نيويورك تايمز" في تقرير أعده نيكولاس كوليش، أن الصورة
الذهنية الشائعة عن الحوثيين ترتبط عادة بمقاتلين يعتلون شاحنات صغيرة ويطلقون نيران
بنادق "إي كي 47" في الصحراء، إلا أن الجماعة شنت في المقابل هجمات صاروخية
بعيدة المدى استهدفت إسرائيل التي تبعد أكثر من ألف ميل، كما استخدمت مسيّرات بحرية
لاستهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وتابعت "نيويورك تايمز" أن الأدلة المتاحة تشير إلى تنامي طموح الحوثيين
في استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى لإنتاج أسلحة أكثر تطورا بأنفسهم، وهو ما
من شأنه تقليل اعتمادهم على داعميهم الإيرانيين.
ورغم الدعم الذي يتلقاه
الحوثيون من إيران، ظلت الجماعة لعدة أشهر بمنأى عن
القتال الدائر في المنطقة خلال العام الحالي، لكن هذا الوضع تغير في تموز/ يوليو، عندما
أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية.
وأضافت الصحيفة أن قوات الحوثيين تقدمت منذ ذلك الحين باتجاه الجنوب، وتمكنت
الأسبوع الماضي من الاستيلاء على مدينة المخا الساحلية التاريخية، كما سيطرت على جزر
قريبة من مضيق باب المندب، الأمر الذي عزز قبضتها على هذه النقطة الاستراتيجية الحساسة
عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن تيموثي أ. ليندركينغ، المبعوث الأمريكي
الخاص السابق إلى اليمن، قوله خلال حديثه في منتدى نظمه "معهد الشرق الأوسط"
يوم الجمعة، إن الحوثيين "يستغلون كل فرصة لبناء قدراتهم واختبارها"، إلى
درجة أصبحوا معها، بحسب تقديره، الجهة الفاعلة غير الحكومية الأكثر فتكا في منطقة الشرق
الأوسط بأكملها.
وأشارت الصحيفة إلى تقرير أصدرته شركة "أنثروبيك" الأسبوع الماضي
حول إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، ذكر أن "خلية من الجهات الفاعلة التي تشكل
تهديدا، وتتخذ من شمال اليمن مقرا لها"، وهي المنطقة التي تعد معقلا للحوثيين،
استخدمت نموذج "كلود" في "جهد مستمر لتطوير أسلحة موجهة".
وبحسب التقرير، تمكنت الخلية، رغم تدابير الحماية التي تفرضها "أنثروبيك"،
من مواصلة جهودها حتى وصلت إلى مرحلة إجراء تجربة إطلاق صاروخ موجه.
وتابعت "نيويورك تايمز" أن الحوثيين ما زالوا يعتمدون على داعميهم
الإيرانيين في الحصول على المكونات الأكثر تعقيدا الخاصة بمسيّراتهم وصواريخهم الباليستية،
لكن تقرير "أنثروبيك" أشار في الوقت نفسه إلى أن الجماعة حققت خلال السنوات
الأخيرة تقدما كبيرا في بناء أنظمة أسلحة خاصة بها.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت الصحيفة أن هذا التطور منح الحوثيين مرونة أكبر في مواصلة القتال ضد خصومهم
اليمنيين والسعوديين، ومهاجمة حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وتهديد أهداف
إسرائيلية وأمريكية، حتى في ظل الحصار الذي تفرضه البحرية الأمريكية منذ أشهر على مضيق
هرمز.
وأشارت إلى أن الحوثيين ومستشاريهم الإيرانيين كانوا يجرون تجارب على الزوارق
السطحية غير المأهولة منذ عقد من الزمن، موضحة أن الجماعة المسلحة استخدمت في عام
2017 زورقا موجها عن بعد ومحملا بالمتفجرات لمهاجمة فرقاطة سعودية، ما أسفر عن مقتل
شخصين.
وأضافت الصحيفة أنه بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014،
قادت السعودية تحالفا عسكريا لدعم الحكومة اليمنية ومحاربة المسلحين. ورغم إعلان وقف
إطلاق النار عام 2022، يرى خبراء أن الجماعة استغلت السنوات التي تلت ذلك لتطوير قدراتها
بصورة هائلة.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن ليندركينغ أن الهدنة منحت الحوثيين وقتا
من أجل "إعادة تنظيم الصفوف، وإعادة التدريب، وتجديد العتاد، وتكديس الإمدادات".
وفي السياق ذاته، قال بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد في كلية الشؤون الدولية
والعامة بجامعة كولومبيا، والذي درس عن كثب عمليات تصنيع الأسلحة لدى الحوثيين، إن
كميات البضائع التي تنقل إلى اليمن بهدف تصنيع الأسلحة، وكذلك عدد المسارات المستخدمة
في نقلها، "تزايدت بشكل هائل" عقب الإعلان عن الهدنة في اليمن عام 2022.
وقالت الصحيفة إن اليمن كان في البداية بمثابة مختبر لمساعي إيران الحربية،
لكنه تحول بصورة متزايدة إلى مصنع أيضا، مشيرة إلى أن سالزبري أوضح أن أجزاء كبيرة،
مثل هياكل الصواريخ، أصبحت تصنع الآن داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين بدلا من
شحنها من إيران.
وأضاف سالزبري، بحسب "نيويورك تايمز"، أن إيران وحزب الله استثمرا
بكثافة في مواصلة رفع كفاءة الحوثيين في تصنيع الأسلحة واستخدامها، موضحا أن الجماعة
أصبحت قادرة بصورة متزايدة على توطين إنتاج العديد من المعدات، ومنها المسيّرات الانتحارية
"أحادية الاتجاه".
ووفقا لفرزين نديمي، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن
قطاع الصناعات الدفاعية الإيراني يخصص مكاتب تصميم ومصانع لإنتاج أنظمة أسلحة مصممة
خصيصا للقوات الوكيلة، مثل الحوثيين، بحيث تكون "بسيطة التجميع، وسهلة النقل،
وسهلة التحضير للإطلاق، وسهلة الاستخدام".
وأشارت الصحيفة إلى أن الإيرانيين شجعوا الحوثيين أيضا على تطوير سلاسل توريد
إضافية للحصول على المكونات من أماكن مثل الصين، التي توفر مصانعها العديد من أجزاء
المسيّرات المستخدمة حول العالم.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن كيفن دونيغان، القائد السابق للأسطول الخامس
الأمريكي، الذي كانت منطقة مسؤوليته تشمل الخليج والبحر الأحمر، والذي أسس أول خلية
لدمج المعلومات الاستخباراتية لدراسة الدعم الإيراني للحوثيين، قوله إن هناك الكثير
من الأشياء التي لم يعد الحوثيون بحاجة إليها، بسبب قدرتهم على استخدام سلاسل توريد
السوق السوداء العالمية للحصول على معظم احتياجاتهم.
وأضاف دونيغان أن الحوثيين ما زالوا بحاجة إلى مكونات رئيسية، خصوصا تلك الخاصة
بالصواريخ لضمان فعاليتها، مشيرا إلى أن لديهم مسارات تهريب سرية قادرة على جلب هذه
المكونات لأنها ليست قطعا ضخمة الحجم.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح سالزبري أن هذه المكونات قد تشمل أنظمة التوجيه، ومحركات الصواريخ، وأطراف
الأجنحة والزعانف، وهي أجزاء تتطلب مستوى عاليا من الهندسة الدقيقة.
وتابعت الصحيفة أن الحصار الذي تفرضه البحرية الأمريكية يركز على سفن الحاويات
وناقلات النفط الكبيرة، بينما يمكن تهريب المكونات الأصغر حجما عبر سفن متوسطة الحجم،
مثل سفن "الداو"، وهي المراكب الشراعية التقليدية التي تجوب مياه المنطقة.
وأضافت أن الشحنات يمكن إرسالها مباشرة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين
في اليمن، أو نقلها عبر منطقة القرن الأفريقي، أو حتى نقلها من سفينة إلى أخرى في المياه
قبالة سواحل الصومال.
ووصف سالزبري هذا الوضع بأنه "لعبة خداع كبرى"، تشبه لعبة الاحتيال
بورق اللعب المعروفة باسم "ثلاث أوراق مونتي".
وأكدت "نيويورك تايمز" أن تزايد اعتماد الحوثيين على قدراتهم الذاتية
لا يعني بالضرورة وصولهم إلى مرحلة الاستقلال الكامل عن الجهات الراعية لهم في
"الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني.
ونقلت عن نديمي قوله: "أعتقد أنهم لا يزالون بحاجة ماسة إلى الكثير من
المساعدة من الحرس الثوري"، معربا كذلك عن اعتقاده بوجود "أعداد كبيرة"
من ضباط الحرس الثوري المشاركين في تخطيط وتنفيذ المرحلة الحالية من القتال في اليمن.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحاجة إلى المستشارين الإيرانيين والمكونات الأكثر تطورا
قد تفسر الكيفية التي اندلع بها القتال المتجدد في اليمن هذا الصيف في المقام الأول.
وقالت إن وفدا حوثيا سافر إلى طهران في تموز/ يوليو لحضور مراسم جنازة المرشد
الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، ثم استقل الوفد رحلة جوية للعودة إلى صنعاء
على متن طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية، وهي شركة تخضع لعقوبات
فرضتها الحكومة الأمريكية.
وتابعت "نيويورك تايمز" أن السعودية والحكومة اليمنية تعتقدان أن
الطائرة كانت تنقل أفرادا عسكريين وأسلحة إيرانية.
وأضافت أن الغارات الجوية حالت دون هبوط الطائرة في مطار صنعاء الدولي، ما دفع
الرحلة إلى تغيير مسارها والهبوط في موقع آخر داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وعقب ذلك، شن الحوثيون هجمات انتقامية استهدفت مطار أبها الدولي في جنوب المملكة
العربية السعودية.
وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك كان أول هجوم يشنه الحوثيون على السعودية منذ عام
2022، ومهد الطريق أمام مرحلة جديدة وغير متوقعة من القتال ضد خصم أمضى سنوات في التخطيط
وتطوير تكتيكاته وتقنياته.
وإذا كان تقرير شركة "أنثروبيك" دقيقا، فإن المجموعة التي كانت تستخدم
نموذج "كلود" في شمال اليمن حاولت تطوير صاروخ باليستي متعدد المراحل يتجاوز
مداه 1,200 ميل، إلى جانب مركبة انزلاقية "رأس صاروخ" فرط صوتية.
وتابعت الصحيفة أن مصممي الأسلحة المحتملين حرصوا على الالتفاف على تدابير الحماية
التي تفرضها الشركة، إذ أخفوا الغرض الحقيقي من أنظمة التوجيه التي كانوا يصممونها
عن النظام نفسه الذي كان يساعدهم في عملية التصميم.
وذكرت "أنثروبيك" أنه لا يوجد دليل على نجاح المجموعة في "إنتاج
جهاز قابل للتشغيل الميداني".
وأضاف تقرير الشركة أن المستخدمين استفسروا من أداة "كلود كود" عن
سبب فشل اختبارهم الميداني، إلا أن التقرير أشار في الوقت نفسه إلى وجود أدلة على أن
هؤلاء الأطراف كانوا قد أعدوا بالفعل مجموعة أدوات للمحاكاة تعمل دون اتصال بالإنترنت
ولا تعتمد على نموذج "كلود" للذكاء الاصطناعي.
وأكدت المعطيات الأخيرة، بحسب "نيويورك تايمز"، أن الحوثيين سيواصلون
العمل على تعزيز قدراتهم.
وفي ختام التقرير، نقلت الصحيفة عن ليندركينغ، المبعوث الأمريكي السابق إلى
اليمن، قوله: "ضعوا في اعتباركم أن الحوثيين دائمو الحركة والتنقل، وهم يتمتعون
بروح مبادرة عالية للغاية".