استولى
الحوثيون
على جزيرة "بريم" الواقعة في قلب
مضيق باب المندب، في هجوم خاطف أعاد
الجماعة إلى واجهة المشهد الإقليمي، ورفع المخاطر المحيطة بأحد أهم ممرات الطاقة
والتجارة في العالم.
وأكدت صحيفة
"وول ستريت جورنال" أن الحوثيين في
اليمن، تمكنوا في هجوم خاطف مطلع الأسبوع
من الاستيلاء على ممر بحري استراتيجي ضيق وحيوي، بعد أشهر من بقائهم بعيدًا عن الصراع
مع إيران، في خطوة رفعت المخاطر المحيطة بإمدادات الطاقة العالمية، ورسخت موقع الجماعة
كطرف لا يمكن تجاهله في أي جهود تستهدف التوصل إلى حل للنزاع.
وأشارت الصحيفة، في
تقرير أعده الصحفيان سمر سعيد وصالح البطاطي من دبي، إلى أن هذا التطور يمثل موقفًا
بارزًا بصورة استثنائية بالنسبة إلى زعيم الجماعة وقائدها العسكري عبد الملك الحوثي،
كما يعكس الطموح المتزايد لجيش الجماعة المسلح، الذي يضم 350 ألف مقاتل، إلى جانب ما
وصفته الصحيفة ببراعته في استخدام التكتيكات العسكرية والصواريخ والطائرات المسيرة.
وتابعت "وول ستريت
جورنال" أن الحوثيين تمكنوا خلال العام الماضي من الصمود أمام حملة قصف أمريكية
مكثفة، مستفيدين من تكتيكات شرسة أنهكت البحرية الأمريكية خلال فترة انتشار طويلة،
وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشرًا على الصعوبات التي تواجهها الجهود الحالية الرامية إلى
كبح جماح إيران.
وخلال الصيف الجاري،
استغل الحوثيون الانقسامات بين خصومهم في الداخل، وكذلك بين الجهات العربية الداعمة
لهؤلاء الخصوم، في ظل انشغال الجميع بالحرب الأوسع نطاقًا، لتوسيع نطاق سيطرتهم.
اظهار أخبار متعلقة
وقالت الصحيفة إن الحوثيين
استولوا يوم الجمعة على جزيرة "بريم" الواقعة في قلب مضيق باب المندب الاستراتيجي،
وهو ممر ضيق يبلغ عرضه 18 ميلًا، ويمثل بالنسبة إلى البحر الأحمر ما يمثله مضيق هرمز
بالنسبة إلى الخليج العربي.
استعدادات حوثية للهجوم
منذ أشهر
أكدت "وول ستريت
جورنال" أن الحوثيين كانوا يخططون للهجوم منذ أشهر، موضحة أنه في منتصف شهر آب / أغسطس،
نقلت الجماعة أسلحة وآلاف الجنود إلى مواقع محيطة بمدينة المخا الساحلية، وهو ما هدد
خطوط إمداد خصومها.
وأضافت الصحيفة أن
الحوثيين استغلوا كذلك سيطرتهم على شبكات الاتصالات اليمنية للتنصت على مكالمات أعدائهم،
وبث الارتباك بينهم، وترهيب منافسيهم بهدف دفعهم إلى الاستسلام.
وأشارت إلى أن العالم
لم يولِ اهتمامًا كبيرًا بالحوثيين حتى بعد استيلائهم على العاصمة اليمنية صنعاء عام
2014، لكن الجماعة باتت الآن تسيطر على أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وهو ما يجعل
التعامل معها أمرًا لا يمكن تجاهله.
ونقلت الصحيفة عن إليزابيث
كيندال، الباحثة في كلية "جيرتون" بجامعة كامبريدج والمتخصصة في الشأن اليمني
منذ فترة طويلة، قولها: "إنهم يشعرون بأنهم قد كسبوا الحرب الأهلية؛ فهم لا يخشون
الولايات المتحدة، والأهم من ذلك أنهم يتمتعون بقدرة كبيرة على التكيف".
كيف صعد الحوثيون؟
تابعت "وول ستريت
جورنال" أن الحوثيين برزوا للمرة الأولى في تسعينيات القرن الماضي كقوة فاعلة
ومؤثرة في اليمن، البلد الذي يبلغ عدد سكانه نحو 40 مليون نسمة ويقع عند الطرف الجنوبي
لشبه الجزيرة العربية.
وأوضحت أن الجماعة
استندت لاحقًا إلى خلفيتها الدينية وتاريخها في حكم شمال اليمن، إلى جانب ممارسات القمع
الشديد، لتوسيع نطاق سيطرتها في أعقاب أحداث "الربيع العربي".
وأشارت الصحيفة إلى
أن الحوثيين تصدوا للتدخل العسكري من جانب السعودية والإمارات خلال الحرب الأهلية اليمنية،
مستخدمين تقنيات منخفضة التكلفة، من بينها الطائرات المسيرة والصواريخ، إلى جانب الدعم
والتمويل الإيراني، وتمكنوا من ترسيخ سيطرتهم على نحو ثلث مساحة البلاد.
وبعد عمليات حشد عسكري
شهدتها الأسابيع الأخيرة، استولى الحوثيون على مدينة المخا يوم الخميس، قبل أن يسيطروا
في اليوم التالي على جزيرة "بريم" ذات الموقع الاستراتيجي.
مخاطر على إمدادات
النفط
أكدت الصحيفة أن عرقلة
تدفق النفط عبر هذا الممر المائي من شأنها أن تشل حركة الصادرات
النفطية السعودية،
التي تواجه بالفعل قيودًا عند مضيق هرمز، وأن تؤدي إلى مخاطر ارتفاع حاد في أسعار النفط
العالمية.
ولسنوات، عملت قوات
متحالفة مع الإمارات العربية المتحدة في جزيرة "بريم" والمناطق المحيطة بها،
لكن خلافًا نشب في ديسمبر بين السعودية والإمارات بشأن مواقفهما في اليمن أدى إلى تصدع
التحالف المناهض للحوثيين.
وأشارت "وول ستريت
جورنال" إلى أن السعودية قصفت شحنة أسلحة أرسلتها الإمارات إلى خصوم الحوثيين
في اليمن فور وصولها، وهو ما دفع الإمارات إلى الانسحاب من الحرب.
ونقلت الصحيفة عن محمد
الباشا، وهو خبير في الشأن اليمني ويدير شركة "تقرير الباشا" الاستشارية
للمخاطر، قوله إن التحالف المناهض للحوثيين، الذي يضم مقاتلين يسعون إلى إقامة دولة
مستقلة في جنوب اليمن، إلى جانب فصائل متحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين وقوات حكومية
سابقة، يواجه خصمًا قويًا وموحدًا.
وأضاف الباشا:
"لدى الحوثيين قائد واحد وأيديولوجية واحدة ورؤية واضحة، في حين تمتلك القوى المناهضة
لهم ثمانية جيوش وقيادات متعددة".
اظهار أخبار متعلقة
كما اتهم عمرو البيض،
وهو مسؤول في المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات والمؤيد لاستقلال جنوب
اليمن، السعودية بسوء إدارة الحملة العسكرية.
تفاهم سابق بين السعودية
والحوثيين
أشارت "وول ستريت
جورنال" إلى أنه كان هناك وقف فعلي لإطلاق النار في الحرب استمر لسنوات، حيث تكفلت
السعودية بتمويل رواتب موظفي الدولة اليمنية.
وفي أبريل، صرح مسؤولون
سعوديون في قطاع الطاقة للصحيفة بأن المملكة حصلت على تعهدات من الحوثيين بعدم مهاجمة
أراضيها أو سفنها.
لكن عندما انهار هذا
التفاهم، ترددت السعودية، التي كانت تركز اهتمامها على إيران، في اتخاذ إجراءات، في
ظل مخاوف لدى قادة المملكة من التورط مجددًا في الصراع اليمني، خاصة بعدما فشلت آلاف
الغارات الجوية التي شُنت خلال الحرب الأهلية في إزاحة الجماعة، بل أدت بدلًا من ذلك
إلى تعرض البنية التحتية للطاقة في المملكة لهجمات.
وذكرت الصحيفة أن مسؤولين
يمنيين مناهضين للحوثيين قالوا إن السعودية لم تستجب لمناشداتهم لشن غارات جوية لدعم
دفاعاتهم، وهو ما أتاح للحوثيين تحقيق الانتصار.
ضغوط متزايدة على السعودية
تابعت "وول ستريت
جورنال" أن الضغوط على السعودية تزايدت، بعدما أصابت طائرات مسيرة، يُعتقد أن
المملكة ترى أنها انطلقت من العراق، خط أنابيب النفط الاستراتيجي "شرق-غرب"
الأسبوع الماضي.
ومع تعرض مضيق هرمز
لهجمات إيرانية وسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، تتزايد قائمة أعداء السعودية.
ونقلت الصحيفة عن فارع
المسلمي، الباحث في معهد "تشاتام هاوس"، قوله: "ثمة فرق كبير بين قتال
الحوثيين وبين القتال على ثلاث جبهات".
هل تعود القوى الدولية
إلى حرب اليمن
أكدت الصحيفة أن مسألة
إنهاء سيطرة الحوثيين على جزيرة "بريم" عند مدخل البحر الأحمر قد تؤدي إلى
جر القوى الدولية مجددًا إلى الحرب اليمنية الممتدة.
لكن "وول ستريت
جورنال" أشارت إلى أن الولايات المتحدة لا تبدو حتى الآن متحمسة للتدخل، وذلك
بعدما شنت غارات جوية على الحوثيين لأكثر من 50 يومًا خلال عملية "راف رايدر" (Rough Rider) عام 2025.
وأضافت أن الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب صرح يوم السبت بأن الحوثيين طلبوا من واشنطن عدم التدخل، وأن الوضع سيتم
حله.
وفي الوقت نفسه، أوضحت
الصحيفة أنه حتى في حال إجبار الحوثيين على مغادرة الجزيرة أو إبعادهم عن البحر الأحمر،
فإن الجماعة تمتلك ترسانة من الطائرات المسيرة والصواريخ القادرة على تهديد الممر المائي،
وهو ما يعكس الاستراتيجية الإيرانية المتبعة في ظل الجمود الراهن في مضيق هرمز.
وفي ختام تقريرها،
نقلت "وول ستريت جورنال" عن إليزابيث كيندال قولها: "سيظلون دائمًا
قادرين على ابتزاز العالم والتحكم في أجزاء من البحر الأحمر، فالعالم لا يلتفت للأمر
إلا عندما تتضرر مصالحه المالية".