قبل أن يصل الخبر إلى القارئ، يمرّ
بعملية انتقاء حتمية: من يقرر أن هذا هو الخبر؟ وما السياق الذي سيُكتب به؟ من
سيظهر في المشهد ومن سيُقصى خارجه؟ وماذا سيكون عنوانه؟
لم يعد الإعلام مجرد
ناقل للخبر، بل أصبح أداة لفهم الواقع، أو بالأحرى، لتشكيل فهمنا له. وهنا يبرز
السؤال الجوهري: إذا كان الإعلام هو من يشكّل الطريقة التي نرى بها العالم، فهل ما
نراه على شاشاتنا يومياً هو الواقع فعلاً؟ أم هو الواقع الذي يُراد لنا أن نراه؟
بهذا ندخل إلى جوهر ما يُسمّى "التأطير"،
وهو مفهوم أسّس له عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان في كتابه "Frame
Analysis"، ومفاده في الإعلام أن الوسيلة لا تنقل الواقع بل تختار
الإطار الذي نراه من خلاله. وهو الأسلوب المعتمد لبناء قاعدة فكرية عن موضوع معين،
حيث تسود فكرة يُراد لنا أن نفكر بها ضمن آلية مقصودة لبرمجة العقول. فعندما يسوّق
أحدهم لفكرة معينة ويظل يرددها على مدى طويل، تصبح مع التكرار مألوفة للعقل الباطن
حتى لو كانت متعارضة مع قناعات عقلنا الواعي، فينعكس أثرها على وعينا ولو بشكل
جزئي.
منذ 78 سنة رُوِّجت فكرة أن جيش
العدو
الإسرائيلي هو الجيش الذي لا يُقهر، ومع مرور الوقت والتكرار المستمر ترسخت
هذه الفكرة ضمنياً في أذهاننا وإن كانت منافية لفكرنا وقناعاتنا. كما ترسخت فكرة
أخرى بعد ترويج مباشر وغير مباشر لها، هي أن العدو الإسرائيلي "يعلم كل شيء
وقادر على كل شيء". لا شك في أنه يمتلك من السبل والأدوات ما يجعله أقوى،
فالقوة في عصرنا الحالي لا تقتصر على
منذ 78 سنة رُوِّجت فكرة أن جيش العدو الإسرائيلي هو الجيش الذي لا يُقهر، ومع مرور الوقت والتكرار المستمر ترسخت هذه الفكرة ضمنياً في أذهاننا وإن كانت منافية لفكرنا وقناعاتنا
السلاح بل تشمل نوعيته؛ فالتكنولوجيا والذكاء
الاصطناعي والأدوات غير المسبوقة هي من أكبر الأسلحة التي ساعدت إسرائيل على
اختراق حياتنا، وبرمجة عقولنا، والتحكم بمدخلات العقل الباطن، لكن ذلك لم يبلغ
الحدّ الذي يُروَّج له. وأنا هنا لا أدعو إلى الاستخفاف بأي فكرة تُروَّج، بل أدعو
إلى إعادة النظر في الفكرة نفسها بعد تجريدها من البروباغندا التي صيغت حولها.
ومع أن كل هذه المصطلحات تصبّ في
بحر واحد هو "صياغة
السردية"، فإن الفكرة الأساسية تكمن في مجموعة
أساليب مترابطة يكمل كل منها الآخر، وتندرج كلها تحت محور واحد هو "التأطير".
أولاً: انتقاء اللغة: "مقتل خمسة
أشخاص" أو "استشهاد خمسة أشخاص": جملة بلا فاعل وخبر غير مكتمل لا
يدل على زمان ولا مكان ولا رسالة محددة، لكنّ كلاً منهما يرسم في ذهنك صورة مختلفة.
وعندما يتكرر الخبر: "مقتل.. قتيل.."، يمكن أن يصبح الشهيد قتيلاً، والمُطارِد
مُطارداً، والسرقة حقاً مشروعاً. فصياغة المصطلحات صراع لغوي لا يترك دماراً
مادياً بل يورّث الأجيال فكراً وقناعات، مع كل محاولة من الأطراف المتنازعة لفرض
مصطلحاتها وتفريغ المفاهيم الأصلية من مضامينها أو عكس دلالاتها.
ثانياً: انتقاء الصورة: وهو يتجزأ
إلى عدة أجزاء تبدأ بالقص الزمني، أي تناسي زمن طويل من الأفعال والتركيز على ردود
الفعل عليها. فمثلاً، لم تُظهر إسرائيل يوماً معاناة قطاع غزة طوال 16 عاماً من
الحصار والتضييق، بل سلّطت الضوء على إطلاق الصواريخ من القطاع وعلى المباني
المتضررة في الأراضي المحتلة. ثم القص المكاني، حيث تُسلَّط الأضواء والكاميرات
على جندي خائف يبكي، وتُكسر الكاميرات وتُكمَّم الأفواه أمام جنود مدججين بالسلاح
يحيطون بطفل لا يتجاوز العاشرة، وبمجرد توسيع كادر الصورة و"زوم آوت"
لعدسة الكاميرا تتغير القصة كاملة؛ وصولاً إلى انتقاء الضحية واختلال الموازين
واتباع سياسة الكيل بمكيالين.
فعندما تكون الضحية طفلة رضيعة لم
ترَ من الحياة نورها بعد، أو أُماً لأربعة أطفال همّها أن يناموا آمنين، أو عجوزاً
متكئاً على عكازه يصارع أنفاسه ليصل إلى المسجد، تكون رقماً على ورق يُكتب في خانة
إنجازات مجرمي الحرب. أما عندما تُصطنع الضحية، وهي التي كانت قبل أن تُبتر قدماها
ويُشوَّه وجهها مدججة بالسلاح داخل دبابة الميركافا تحسم بكبسة زر مصير مدنيين لكل
منهم حياة يعيشها، فإنها تصبح قصة مؤثرة، ولصاحبها أحلام وحياة وعائلة! وهكذا
تُبرمَج العقول على أن هؤلاء بشر والآخرين أرقام.
وهنا تكمن خطورة برمجة العقول في
حرب السرديات، حيث يمكن للكاذب أن يُصدَّق وللصادق أن يُكذَّب، حتى لو كانت عقولنا
الواعية تعلم أن الجلاد هو من يصطنع دور الضحية. فالصورة لا تكذب، لكنها لا تقول
كل الحقيقة، والمشكلة أننا نحكم على فيلم كامل من خلال لقطة واحدة اختارها لنا
غيرنا.
المطلوب ليس حياداً يساوي بين الجلاد والضحية، بل أمانة مهنية: فتسمية الأمور بمسمياتها أمانة مهنية، وعدم وضع الجلاد والضحية في خانة واحدة أمانة مهنية، وعدم حذف السياق أمانة مهنية
ثالثاً: تفكيك الإطار: "الحرب على
الإرهاب" و"الحياد الإعلامي" مصطلحات طالما استخدمتها إسرائيل
لتقديم نفسها ضحيةً دائمة تحارب الإرهاب. وهنا يراودني سؤال: من قرر أن الدفاع عن
الأرض إرهاب؟ إذا كان الفرنسي الذي حارب النازي بطلاً، فلماذا يكون
الفلسطيني الذي
يحارب المحتل الإسرائيلي إرهابياً؟ لا لشيء سوى أن الإطار سُيِّس، وليس لأن هذه هي
الحقيقة.
والمطلوب ليس حياداً يساوي بين
الجلاد والضحية، بل أمانة مهنية: فتسمية الأمور بمسمياتها أمانة مهنية، وعدم وضع
الجلاد والضحية في خانة واحدة أمانة مهنية، وعدم حذف السياق أمانة مهنية.
وكما ذكرتُ الدعايات والأكاذيب
التي روّج لها العدو، لا بد أن أذكر أيضاً أن هذا الإطار تحطم عندما انكشف للعالم
أن المنظومة الاستخباراتية (التي لا تنام) كانت في عزّ نومها صباح السابع من
أكتوبر 2023، وكسرت بنومها هذا عزّ
الرواية الذي ظنوا أنه لن يزول، وتحطم الانتصار
الوهمي الذي طالما راهنت عليه إسرائيل في أذهان العالم بأسره، وتجلى الانتصار
الحقيقي في تحرير الأجيال من مشارق الأرض إلى مغاربها؛ إذ لم يكن الفعل في
الميدان وحسب، بل كان بانتزاع الصورة المرسخة في أذهان الأجيال وتحرير العقول التي
طالما بُرمجت على الوهن، وثبت أن الإطار مهما كان متقناً يبقى هشاً أمام قوة
الحقيقة.
وفي النهاية، الوعي في هذا الصراع
هو خط دفاعك الأول، وقراءة ما بين السطور وما خلفها لا تحمي عقلك الباطن فقط بل
تحمي قناعات جيل كامل؛ فالتأطير ينجح عندما يكون المتلقي غير مدرك لخطورة الأمر.
الخبر ليس نقلاً للحدث
فحسب، بل تفكيك له وعمل على معرفة تداعياته. ومن منطلق التزامي المهني، فإن دوري
هو حماية حق الناس في فهم الواقع كما هو، لأن الواقع ليس ما يُرى على الشاشات فقط
بل ما يُخفى خلف الكواليس أيضاً. وقبل أن تصدق أي خبر، تحقق وفكّر
وسل نفسك: من يموّل هذا المنبر؟ ما المحذوف من الصورة؟ ومن المستفيد من أن أصدق
هذا الخبر؟ وعندما نبدأ بطرح الأسئلة، نكسر الإطار، عندها فقط سنرى الواقع كما هو،
لا كما يُراد لنا أن نراه.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.