رغم
تعقد الوضع
التونسي، يبدو أن المشاكل بكل أنواعها عند نخب "النمط المجتمعي
التونسي" لها سبب واحد هو حركة النهضة ومن تحالف أو طبّع معها، ويبدو كذلك أن
الحل له وصفة سحرية واحدة ألا وهي التحرر من المرجعية الدينية وتحييد كل الأجسام
والسرديات وأنماط التفكير والسلوك المرتبطة بها. ورغم أن الدرس الجامعي يعلّمنا أن
التفسير بالعامل الأوحد هو اختزال وتسطيح يساعد على التعمية والتزييف بدل أن يساعد
على الفهم، فإن نخب النمط تصرّ على اختزال الشر كله في "الإسلاميين" أو
"الخوانجية" أو "الرجعية الدينية" دون أن ترى في ذلك أي
انحراف عن قواعد العقلانية وأخلاق "التنوير".
ففي
السرديات
الحداثية المهيمنة تتحوّل الكتاتيب القرآنية إلى "بؤر إرهابية"
بالقوة -أي مكان لتشكيل الوعي المتطرف بمعايير "نخب النمط"- وكذلك شأن الإجرام
الجنسي، فإن سببه ليس غياب أي وازع ديني أو أخلاقي، بل سببه هو إغلاق حركة النهضة
للمواخير وبالتالي تضخّم الكبت الجنسي. أما الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وعجز
النظام عن توفير الحد الأدنى من الضروريات -على حد تعبير المقاصديين- فإن سبب ذلك
كله عند هؤلاء هم المتآمرون والخونة الذين إما ينتمون للنهضة أو يشتغلون لحسابها
وحساب حلفائها.
رغم
تهافت هذا المنطق النازي المُتَونس (فالنهضوي هو ذلك الشرير بالجوهر وهو ذلك
الغيرية المطلقة وغير القابلة للاندماج في الجماعة "المُؤمثلة" بقيادة
الأقليات الأيديولوجية والجهوية والمالية، وهو يحل محل اليهودي في السردية النازية
ويؤدي الدور نفسه في تعريف "العدو الوجودي"
الحداثي "النموذجي" هو ذاك الذي يطلب المفاصلة النفسية والفكرية والسلوكية عن أي مرجعية دينية، وهو ذاك الذي يسند كل الأقليات وكل الخطابات الصدامية في الداخل والخارج، ويعارض الأغلبية ويسفّه مقدساتها بحمايةٍ كاملة من المشرّع ذاته تحت يافطة "حرية التفكير والتعبير"
رغم بعض الاختلاف في
"الحل النهائي" المقترح من لدن نخب النمط للتخلص منه بصورة مقبولة محليا
وخارجيا)، فإنه ما زال واسع الانتشار لدى أغلب النخب الوظيفية وعند شرائح واسعة من
عموم المواطنين، بسبب القصف الإعلامي المُمنهج على كل ما يرتبط بالدين وبكل أنماط
فهمه من خارج الخطاب الرسمي منذ الأيام الأولى لهروب المخلوع.
ونحن
هنا لا ننكر دور المجاميع الوهابية في تشويه الدين وتحويله إلى مصدر خطر على
المجموعة الوطنية، ولا ننكر أيضا فشل السياسات الحكومية في احتواء هذا الخطر بسبب
"الاستضعاف الشامل" لأجهزة الدولة وعجزها عن مواجهة مظاهر الاستضعاف
بدءا من البناء الفوضوي، مرورا بالإضرابات المسيّسة وغير القانونية، وانتهاء
بالخطر الوهابي المكفّر لعموم المسلمين والإسلاميين قبل غيرهم.
بين
الإقرار بوجود إدارة سيئة للشأن الديني وغيره خلال "العشرية" -سواء
أكانت عشرية انتقال ديمقراطي أم عشرية سوداء- وبين اعتبار الدين في ذاته وبمختلف
تجلياته داخل الفضاء العام وفي التشريع هو سبب الأزمة المجتمعية وعلة التخلف
والعطالة الحضارية؛ توجد مسافة لا يستطيع ردم إشكالياتها إلا العقل
"الحداثوي"، أي ذلك العقل النخبوي المتعامد وظيفيا مع منظومة الاستعمار
الداخلي والمنتمي إلى سرديات النازية المُتَونسة. ونحن نعتبر كل السرديات الكبرى
(الماركسية والقومية، ومن قبلهما البورقيبية المعادية للدين بالجوهر بحكم خلفيتيها
اللائكية الفرنسية) تعبيرات نازية مُتونسة لعب فيها الإسلام أو الإسلاميون وما زالا
يلعبان دور اليهودية واليهود في السردية النازية، لكن بصياغات مخاتلة لا تمتلك
الشجاعة الفكرية لتعكس أعمق القناعات "المكبوتة" لأصحابها.
إننا
على يقين بأن لا أحد من "الحداثيين" على اختلاف مرجعياتهم الأيديولوجية
سيُقر بأن جوهر موقفه من الإسلام/الإسلاميين هو جوهر نازي لا علاقة له
بالديمقراطية ولا بأي منظومة لحقوق الإنسان. ولكن الأهم من ذلك كله من جهة اللا
مفكر فيه هو أن لا أحد من "الحداثيين" سيأخذ مسافة نقدية من خرافات
"النموذج المجتمعي"، ويعترف بأن ما يُسمّى بـ"النمط المجتمعي
التونسي" ليس في الحقيقة إلا نمطا استعماريا جديدا فُرض على عموم التونسيين
عبر آليات الإكراه البوليسي والتلاعب الأيديولوجي، وأنه كي يكون شرعيا يجب إعادة
التفاوض في شأنه بعيدا عن استعلاء الأقليات الأيديولوجية ووصايتها على الإرادة
الشعبية وتسفيهها، بل الانقلاب عليها كلما خالفت انتظارات النخب الوظيفية ومصالح مشغّليها
في الداخل والخارج.
رغم
اشتغال الحداثي التونسي على النصوص الدينية وجسارته على المقدس الجمعي، فإن تلك
الجسارة تختفي تماما عندما يتعلق الأمر بالمقدس المُعلمن، أي بتلك
الأفكار/الأساطير التأسيسية لما يسمى بـ"النمط المجتمعي التونسي"، أي
النمط الفرنسي المُتَونس حسب احتياجات منظومة الاستعمار الداخلي أو دولة الاستعمار
الجديد ونواتها الجهوية-الأمنية-المالية. فالحداثي "النموذجي" هو ذاك
الذي يطلب المفاصلة النفسية والفكرية والسلوكية عن أي مرجعية دينية، وهو ذاك الذي
يسند كل الأقليات وكل الخطابات الصدامية في الداخل والخارج، ويعارض الأغلبية
ويسفّه مقدساتها بحمايةٍ كاملة من المشرّع ذاته تحت يافطة "حرية التفكير
والتعبير".
ورغم
كل ادعاءاته التقدمية، فإن هذا الحداثي "التنويري" من جهة الدعوى، هو
واقعيا طليعة "التنوير المظلم" بالمعنى الذي وضعه له نيك لاند في تأسيسه
لما يسمى بـ"الرجعية الجديدة" في الفضاء الأنغلوساكسوني (خاصة في رفض
الديمقراطية التي نادرا ما تخدم الأقليات الأيديولوجية، وكذلك في الدعوة إلى نظام
ممركز واستبدادي لا علاقة له بالإرادة الشعبية.. الخ).
بعيدا
عن أي تعقيدات مفهومية، فإن التفكير في منزلة الدين في بناء المشترك المواطني من
خارج السرديات الوظيفية والإكراهات السلطوية يحتاج إلى إجابة جماعية توافقية عن الأسئلة
التالية؛ وهي أسئلة تتأسس على المعجم الهابرماسي لكن مع مراعاة الفوارق بين السياق
ما بعد الحداثي والسياق "شبه الحداثي، شبه التراثي" التونسي:
أولا،
هل إن تونس هي واقعيا دولة
علمانية (محايدة فيما يخص رؤى العالم، وقراراتها
السياسية قابلة للتسويغ وللقبول عند جميع الفرقاء بحكم طابعها العقلاني والمحايد
والنزيه كما يرى هابرماس)، أم هي دولة لائكية على النمط الفرنسي المتطرف، أي على ذلك
النمط الذي يحوّل أيديولوجيا النخب الوظيفية وفهمها الباطني أو الاستشراقي للدين
إلى ديانة وضعية منافسة للدين الإسلامي كما يفهمه ويعيشه عموم المواطنين؟
ثانيا،
ما هي حدود الحرية الدينية من حيث هي تعبير عن الحق الإيجابي للمواطن-المؤمن، وأين
تبدأ منطقة "الحرية السلبية"، أي تلك المنطقة التي تقيّد الحرية الدينية
في الفضاء العام احتراما لحقوق باقي مكونات المجتمع من غير المتدينين دون أن تترك
شعورا بالغبن أو بالاغتراب لدى المتدينين؟
ثالثا،
كيف يمكن للقيم الدينية أن تساعد على "أخلقة" الفضاء العام دون أسلمته
أو أخونته بالضرورة، أي كيف يمكن أن تتحول القيم الدينية إلى مرجعية مشتركة دون أن
يعني ذلك بالضرورة استصحاب الأحكام الفقهية المرتبطة بها؟
تعمقت السمعة السيئة لـ"دولة القانون والمؤسسات" حتى أصبحت مجازا يحيل فيه القانون إلى تلك الآلة الموسيقية، وتحيل فيه "المؤسسات" إلى الشركات الاقتصادية والكارتلات الجهوية والمالية المهيمنة على منظومة الاقتصاد الريعي والمتحكمة في شبكاته الزبونية داخل أغلب الكيانات السياسية والنقابية والمدنية والإعلامية والثقافية
رغم
تعدد أسباب فشل مشروع التحديث في الدولة-الأمة بالمفهوم البورقيبي خلال فترتي
الحكم الدستورية والتجمعية وما تلاهما من الزمن الثوري المفوّت، فإننا نرى أن أحد
أهم أسباب ذلك الفشل هو عجز نخب الاستقلال عن ملء الفراغ الذي تركه الاستغناء عن
المرجعية الشرعية بمقولات قانونية. فتغييب المقولات الفقهية الكبرى كالحلال
والحرام والواجب والمكروه، وكذلك المقولات الشعبية مثل "العيب" وغيره،
كان يَفترض تسويد مقولات "حداثية" أساسها ثنائية القانوني/غير القانوني،
وتساوي جميع المواطنين أمام القانون وتساوى جميع الجهات في مشاريع التنمية. ولكنّ
النخب لم تكن مصاديق حية للفلسفة السياسية/القانونية الحديثة بقدر ما كانت مصاديق
للتعامل الانتقائي/الجهوي مع القانون. ثم تعمقت السمعة السيئة لـ"دولة
القانون والمؤسسات" حتى أصبحت مجازا يحيل فيه القانون إلى تلك الآلة
الموسيقية، وتحيل فيه "المؤسسات" إلى الشركات الاقتصادية والكارتلات
الجهوية والمالية المهيمنة على منظومة الاقتصاد الريعي والمتحكمة في شبكاته
الزبونية داخل أغلب الكيانات السياسية والنقابية والمدنية والإعلامية والثقافية.
إن
فشل دولة القانون والمؤسسات لا يعني الإعراض عن هذا المشروع المواطني، بل يعني فقط
ضرورة البحث عن الأسباب الفكرية والموضوعية التي عرقلت نجاحه إلى حد هذه اللحظة.
ولا شك عندنا في أن تحميل الإسلام أو الإسلاميين مسؤولية هذا الفشل هو مغالطة
تاريخية وتسطيح فكري لا يحتاج إلى مجهود كبير لبيان تهافته، كما لا نشك في أن
الحداثي الذي لا يؤمن بأن الحقيقة الجماعية تعقب الحوار ولا تتقدم عليه؛ ليس إلا
مشروعا شخصيا لا علاقة له بالقضايا الكبرى.
ولكنّ
ما تقدم من نقد للحداثيين لا ينفي مسؤولية "الإسلاميين" عن غياب أي
سردية ترتفع إلى مستوى "الرحمة للعالمين"، أي سردية تتجاوز التسييجات
المذهبية والصراعات التراثية، وتتصالح بصورة صلبة ودائمة -لا بصورة برغماتية
ومؤقتة- مع الفكر السياسي الحديث. ولن يكون ذلك ممكنا إلا عند إيمان
"الإسلاميين" بعدم التعارض بين "التوحيد" بالمنطق الديني وبين
"الحرية" باعتبارها شرط إمكان التوحيد الحقيقي، أي شرط نسف الأوثان التي
تبرر سلطة الأنظمة/النخب الدينية أو العلمانية على حد سواء.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.