هل تحمي صفقة "بنك مصر الإمارات" المصرف المصري من العقوبات الأمريكية؟

بلغت الالتزامات الدولارية على فروع بنك مصر في الإمارات 2.3 مليار دولار- جيتي
بلغت الالتزامات الدولارية على فروع بنك مصر في الإمارات 2.3 مليار دولار- جيتي
شارك الخبر
فيما يبدو أنه إجراء بتوافق بين القاهرة وأبوظبي، يستحوذ البنك "الأهلي" المصري على فروع "بنك مصر" في الإمارات، وذلك بعد إعلان شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية "FinCEN" في 28 آب/أغسطس الماضي، فرض عقوبات على الفروع الخمسة للبنك المصري في الدولة العربية الخليجية.

ويشير بيان مشترك للمصرفين الأول والثاني في ترتيب البنوك المصرية، الثلاثاء الماضي، إلى حصولهما على موافقة "مصرف الإمارات المركزي"، على استحواذ الأول على فروع "بنك مصر الإمارات"، وفق المتطلبات القانونية والإجرائية المعمول بها في أبوظبي، على نحو يكفل انتقالا منظما للأعمال، مع استمرارية خدمات العملاء بالدولة الخليجية.

ضغوط أمريكية

وتأتي تلك التطورات إثر اتهام وزارة الخزانة الأمريكية بنك "مصر الإمارات" بأنه عالج معاملات بنحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُحتمل أن تكون جزء من شبكات الظل المصرفية الإيرانية، بين كانون الثاني/يناير 2024 وحزيران/يونيو الماضي، مدعيا أن بعض عملائه شركات واجهة تستخدمها وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري للالتفاف على العقوبات الأمريكية وغسل الأموال.

حينها، لوح وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ"منع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الإبقاء على حسابات مراسلة لصالح "بنك مصر الإمارات"، والربط بشبكة "سويفت".

اظهار أخبار متعلقة



ويأتي الإعلان المصري عن ذلك الاستحواذ كإجراء انقاذ سريع وفق محللين، بعد يوم واحد من إعلان ثاني لوزير الخزانة الأمريكي 21 أيلول/سبتمبر الجاري، بأن فرع "بنك مصر" في دبي "سيتم إغلاقها" مستبقا انتهاء مهلة الشهر التي تنقضي في 28 أيلول/سبتمبر الجاري.

ما دفع خبراء بينهم الخبيرة في الحوكمة وقوانين الشركات هبة كف الغزال، لانتقاد إعلان سكوت بيسنت، قرار الإغلاق قبل انتهاء الإجراءات، متسائلة: "هل الملف لا يزال ملفا رقابيا وفنيا بحتا، أم أصبح له أيضا بُعد سياسي أو يُستخدم كإحدى أدوات الضغط؟"، مشيرة إلى ضرورة إنهاء الإجراءات أولا وتقديم دفوع البنك ودراستها بجدية قبل إعلان قرار العقوبات.

ويتوقع البعض تعرض بنك مصر إلى خسائر مالية كبيرة مع خسارة عملائه، ووقوعه تحت طائلة المطالبة بالتعويضات وخضوعه إلى ملاحقات قضائية حال تنفيذ العقوبات الأمريكية وإغلاق الفروع الخمسة كما أعلن وزير الخزانة الأمريكي الاثنين الماضي.

تحَّول إماراتي
وفي حين اعترف المصرف المركزي الإماراتي وقت البيان الأمريكي الأول بأن فروع البنك المصري "تخضع للقوانين والأنظمة الإماراتية، حاول غسل يده من الاتهامات الأمريكية، مستخدما وفق مراقبين، "لغة شديدة اللهجة"، بقوله إن "البنوك المرخصة في الدولة مطالبة بعدم تعريض النظام المالي الإماراتي لمخاطر السمعة"، و"الالتزام بالقوانين والأنظمة"، و"عدم إساءة استغلال البنية التحتية المالية في الإمارات".

لكن إجراء البنك المركزي المصري، بنقل ملكية أفرع بنك "مصر الإمارات" إلى البنك "الأهلي" وقبول المصرف الإماراتي مبدئيا به؛ يشير إلى تحول في موقف أبوظبي، من الهروب من الأزمة إلى التعاون في تقديم حل لها قبل انتهاء مهلة الشهر التي يمكن للبنك المركزي المصري ووزارة الخارجية المصرية التواصل خلالها مع وزارة الخزانة الأمريكية ومراجعة الاتهامات ونفي صحتها.

واعتبرت الخبيرة في الحوكمة وقوانين الشركات هبة كف الغزال، أنه "خبر إيجابي"، قائلة عبر صفحتها بـ"فيسبوك"، إنه "لا يبدو استحواذا مصرفيا عاديا؛ بل أقرب إلى خطة إنقاذ وإعادة هيكلة قانونية وتنظيمية"، موضحة أن "الموافقة الإماراتية مهمة، ومعناها أنها ليست بصدد ترك بنك مصر يواجه الأزمة وحده، بل تشارك فعليا في الحل".

لكنه، وفي الوقت الذي ثمن فيه البعض الموافقة الإماراتية على ذلك الاستحواذ وسعي أبوظبي لهذا الحل القانوني في تقديراتها، يتخوفون من ألا يكون نقل الملكية بين البنكين الحكوميين المصريين كافيا لغسل سمعة القطاع المصرفي المصري دوليا، من اتهامات غسل الأموال، ويتم ضرب الثقة والمصداقية في الجهاز المصرفي بالكامل.

وفي الإمارات نحو 1.3 مليون مصري -حتى نهاية عام 2024- يشكل البنك الذي يعمل منذ 40 عاما في أبوظبي والشارقة ورأس الخيمة وفرعين في دبي، قناة رئيسية لإرسال تحويلاتهم المالية للقاهرة، والتي بلغت 3.6 مليار دولار في (024/2025).

سابقة بنك "أندورا"

ويلفت خبراء ومحللون إلى أن نقل النشاط السليم لأفرع البنك في الإمارات إلى البنك الأهلي حدث سابقا، حين أوقفت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية بنك (بريفادا دي أندورا)، عام 2015، بهتم تسهيل غسيل الأموال لصالح منظمات إجرامية دولية، ثم تدخلت سلطات دولة أندورا، وفصلت الأصول والعملاء محل مخاطر غسل الأموال عن النشاط السليم.

لكن، الكاتب الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، أكد أن هناك فارق كبير بين صفقة الاستحواذ تلك بين البنكين المصريين وبين إجراء نقل قاعدة عملاء وحسابات من بنك إلى آخر، وتساءل: "هل تغيير الملكية وانتقالها من بنك إلى آخر وبهذه السرعة تعني تلقائيا سقوط أي إجراء أمريكي نهائي؟، وهل تلك الخطوة تمنح فروع بنك مصر حصانة قانونية من أي ملاحقة أمريكية؟، أم أن تغيير شكل ملكية الفروع لا يترتب عليه محو تلقائي للالتزامات والقضايا والديون والمشكلات الأخرى؟".

اظهار أخبار متعلقة



وفي ظل حالة من الغموض حول الصفقة ومدى قبول واشنطن بها، تتابع التساؤلات حول أهمية التحرك المصري الإماراتي الآن، وقبل أيام من قرار وزارة الخزانة الأمريكية النهائي بفرض عقوبات فعليه على البنك المصري، وإمكانية وقف إجراءات الاستحواذ تلك للعقوبات الأمريكية، وعدم غلق فروع البنك في الإمارات.

حل جيد
وفي رؤيته، قال رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي (EAIFE) الدكتور أشرف دوابه، إن "أمريكا من تقرر هذه العقوبات الجائرة"، مشيرا إلى أن البنك المصري لم يرتكب مخالفة قانونية يعاقب عليها، متسائلا: أين المشكلة في تعامل أحد البنوك ماليا مع شركات إيرانية"، مؤكدا أن "هذه إشكالية نعيشها مع تحكم أمريكا وتعاملها بمنطق تعامل القوي مع الضعيف".

الأكاديمي المصري ورئيس التمويل والاقتصاد بجامعة "اسطنبول"، يعتقد في حديثه لـ"عربي21"، أن "اتجاه الحكومة المصرية لاستحواذ البنك الأهلي على هذا الحصة من بنك مصر طريقة جيدة لحل المشكلة؛ ولعل أن يكون ذلك قد تم بالتوافق بين مصر والإمارات وأمريكا، وهذا ما قد تثبته الأيام".

وخلص للقول إن "المشكلة في العقوبات الأمريكية وليست في مخالفة البنك تعليمات واشنطن بفرض عقوبات مالية على إيران"، لافتا إلى أن "احتمال أن تضع البنك في قضايا غسيل الأموال ليس من العدل في شيء".

وأشاد الخبير الاقتصادي مدحت نافع، بالإجراء المصري الإماراتي ورأى فيه: "إخراج لا بأس به لقرار الإغلاق"، مشيرا إلى أن البنك "الأهلي" يمثل الذراع التنفيذية للبنك "المركزي" المصري، فيما أكد عبر "فيسبوك"، أن هذا الإجراء "ليس تحايلا ولا مساسا بالوضع القانوني، وأنه استحواذ على مقار يمكن أن تباع لأي بنك آخر".

مخرج دون تحصين

وأكد مصرفيون وقانونيون لموقع "الشرق بلومبرغ"، أن استحواذ البنك "الأهلي" المصري على فروع "بنك مصر" في الإمارات قد يتيح مخرجا منظما للأخير من السوق، لكنه لا يعني بالضرورة تحصين الأعمال التي ستنتقل إلى المالك الجديد من تداعيات أي إجراء أمريكي نهائي.

وقالوا إن الصفقة المرتقبة تحقق هدفين رئيسيين: تنظيم خروج "بنك مصر" من السوق الإماراتية مع الحفاظ على حقوق العملاء والالتزامات القائمة، ونقل الأعمال إلى كيان مصرفي حكومي مصري آخر يتمتع بملاءة وحضور رقابي كبيرين، لكنهم أشاروا إلى أن انتقال الملكية لا يعني تلقائيا سقوط أي إجراء أمريكي نهائي قد يرتبط بالمعاملات التي نفذتها فروع "بنك مصر" قبل إتمام الاستحواذ.

هل يتورط البنك الأهلي؟

وفي حين أكد البنك المركزي المصري 30 آب/أغسطس الماضي، أن الإجراءات الأمريكية تقتصر على معاملات فروع بنك "مصر الإمارات" مع البنوك المراسلة بالدولار، ولا تمتد للبنك داخل مصر ولا بنوك القطاع المصرفي المصري وفروعها الخارجية، إلا أن هناك مخاوف من أن يعرض هذا الاستحواذ أو "التحايل المكشوف" وفق خبراء، البنك الأهلي المصرف الأكبر في مصر إلى مخاطر فرض عقوبات أمريكية عليه مستقبلا.

وحذرت المصرفية شيماء الزنفلي من هذا الأمر، قائلة عبر "فيسبوك" إن هذا الإجراء "قد يعرض البنك الأهلي لمخاطر مصر في غنى عنها، لأن هذا التحايل أو الإخراج كما أسميته لن يؤدي الغرض من العقوبات التي فرضتها أمريكا".

لكن الخبيرة في الحوكمة وقوانين الشركات هبة كف الغزال، توقعت ألا تنتقل العقوبات المحتملة على بنك "مصر" تلقائيا للبنك "الأهلي"، مؤكدة أن الخزانة الأمريكية نفسها قالت إن الإجراء المقترح يخص بنك فروع "مصر الإمارات"، ولا يمتد لعمليات بنك "مصر" في مصر أو في أي دولة أخرى.

اظهار أخبار متعلقة



وفي خبر يمثل بارقة أمل حول عدم تأثر القطاع المصرفي المصري بالأزمة، قالت وكالة "فيتش للتصنيف الائتماني" إن العقوبات الأمريكية المحتملة على فروع بنك مصر الخمسة في الإمارات سيكون تأثيرها محدودا على التصنيف الائتماني للبنك، بدعم من هوامش السيولة القوية ومحدودية مساهمة هذه الفروع في إجمالي أصول وربحية بنك مصر.

ومن مقرها في نيويورك، ترى "فيتش" أن الاستحواذ المحتمل للبنك "الأهلي" على فروع بنك "مصر الإمارات"، من شأنه تقليص المخاطر التي تهدد التصنيف الائتماني لبنك مصر، مبينة أنه رغم ذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الاستحواذ سيؤدي إلى رفع العقوبات المقترحة.

وبينت أنه بين 20 بالمئة إلى 30 بالمئة من ودائع الفروع الإماراتية بالدولار غادرت البنك منذ الإعلان الأمريكي الشهر الماضي، ملمحة إلى أن مستويات السيولة الجيدة لدى الفروع والمقر الرئيسي تجعل هذه السحوبات غير مؤثرة بشكل جوهري، كاشفة عن أن الالتزامات الدولارية على فروع الإمارات تبلغ 2.3 مليار دولار وتعادل نحو 2.5 بالمئة فقط من إجمالي الالتزامات على بنك مصر.

ويتخوف مصرفيون من تشويه سمعة البنك الوطني الذي تأسس كأول مصرف مملوك بالكامل للمصريين في مواجهة البنوك الأجنبية في زمن الاستعمار الإنجليزي، عام 1920 على يد شخصيات وطنية بينها طلعت حرب، إذ ظل الممول الرئيسي للمشروعات والمصانع الوطنية، وجرى تأميمه عام 1960، ويُعد اليوم ثاني أكبر بنك في مصر، ويمتلك حصصا في العديد من الشركات والقطاعات.
التعليقات (0)