هل تمنح التطورات الإقليمية في باب المندب السيسي ونظامه "قبلة الحياة"؟

يحذر مراقبون من وصول مصر إلى حالة من الإفلاس مع استمرار سياسات السيسي نحو مشروعاتٍ غير ذات جدوى - الأناضول
يحذر مراقبون من وصول مصر إلى حالة من الإفلاس مع استمرار سياسات السيسي نحو مشروعاتٍ غير ذات جدوى - الأناضول
شارك الخبر
في الوقت الذي تتصاعد فيه حالة الغضب الشعبي في الشارع المصري بسبب الأزمات المعيشية، بالتزامن مع إعلان تشكيل حكومة ظل في المنفى مؤخراً، تبرز التطورات الإقليمية الجارية في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، مع سيطرة "جماعة الحوثي" على مضيق باب المندب، كعامل جديد يخفف من حدة الغليان الشعبي، بفعل المخاوف المتعلقة بالأمن القومي للبلاد، ويمنح رأس النظام عبد الفتاح السيسي "قبلة الحياة" مجدداً، وفق مراقبين.

وتكرر الأمر مع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ تحول الغضب الشعبي والحراك الواسع والمطالبات بالإطاحة بالسيسي، إلى دعوات للوقوف إلى جانب النظام، بزعم مواجهة توجهات إسرائيلية وأمريكية لتهجير أهالي القطاع إلى شمال سيناء، بالتزامن مع اعتداءات على مواقع مصرية وسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على معبر رفح البري واحتلال محور فيلادلفيا في أيار/ مايو 2024، بالمخالفة للاتفاقيات الأمنية.

وأخذ الأمر منحى مشابهاً مع شن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران منذ شباط/ فبراير الماضي، والتي طالت تداعياتها دول الخليج العربي، وهددت حياة العمالة المصرية هناك ومدخراتها، فيما تأثر الاقتصاد المصري بارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، وتراجع حركة المرور في قناة السويس وانخفاض إيراداتها.

وبحسب رصد "عربي21"، عادت المطالبات عبر مواقع التواصل الاجتماعي برحيل السيسي، وبقوة، إثر توقيع واشنطن وطهران هدنة منتصف حزيران/ يونيو الماضي، بالتزامن مع توجه لتشكيل حكومة موازية يُعلن عنها هذا الأسبوع من العاصمة الهولندية أمستردام.

لكن حالة التضامن مع السيسي عادت مجدداً عبر أذرعه الإعلامية، مع استيلاء جماعة "أنصار الله الحوثي" الجمعة على جزيرة "ميون" وسط باب المندب، ما أثار مخاوف المصريين على كيان الدولة ومكانتها في الإقليم، وأدوارها في البحر الأحمر، وعلى حركة مرور التجارة العالمية عبر شريان قناة السويس.

وعبّر عن ذلك مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير فرغلي طه، في تعليقه على سيطرة الحوثيين على المضيق الحيوي، وما اعتبره "تطوراً خطيراً له تداعيات ومعانٍ كثيرة". وقال عبر صفحته على "فيسبوك": "بقي أن نسأل عن حظ المصريين وحظ (المحظوظ)، الذي يأتي له الله كل حين بتطور دولي كبير يمنحه قبلة الحياة، لتكون مصائب قوم عند قوم فوائد"، متسائلاً: "ما هذا الحظ؟".



وإجابة  على السؤال: كيف منحت حروب المنطقة والتطورات الإقليمية الأخيرة في باب المندب السيسي قبلة الحياة، وكيف تسببت في زيادة مخاوف المصريين على أمنهم القومي ومن ثم تعالت أصوات الدعم للسيسي بمواجهة الأصوات المطالبة بالرحيل؟، تحدث السياسي المصري الدكتور عبد الموجود الدرديري، والباحث السياسي  سيف الإسلام عيد، لـ"عربي21".

"أجهزة صناعية بأسباب خارجية"

قال الدرديري: "لا يمكن استمرار حياة النظام الحاكم على أجهزة صناعية بأسباب خارجية ولمدة طويلة، وما يُثار فقط هو أصوات داعمي النظام العسكري من نفس الجبهة المستفيدة من استمرار الحكم العسكري، وليس هناك أي دليل على أن الشعب سيظل متحملاً استمرار هذا الفشل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي".

عضو مجلس الشعب المصري السابق، أضاف لـ"عربي21": "فقد فاض الكيل والحياة أصبحت لا تُطاق بسبب الإسراف الزائد عن الحد لطبقة الـ١ بالمئة، على حساب غالبية الشعب؛ فالمصري بدأ يبحث عن مصلحته الحياتية مهما كانت البروباغندا الإعلامية".

وأوضح أنه "اليوم يواجه مشاكل حقيقية في التعليم الذي تدهورت أحواله بصورة يصعب السكوت عليها، وكذلك الخدمات الصحية المتردية، حتى أسعار الدواء ليست فقط مرتفعة بل أيضاً غير متوفرة، بجانب ارتفاع أسعار الطعام واللحوم والغاز والوقود والكهرباء والخبز"، مشيراً إلى المثل القديم القائل: "احترس ممن ليس في بيته دقيق".

القيادي في حزب "الحرية والعدالة" الحاكم في (2012-2013)، أكد أن "الشعب المصري لا يريد إسقاط الدولة لأنها ببساطة دولته التي بناها منذ قرون، ولكنه يريد وبإصرار تغيير النظام الفاشل بآخر، يسمعه ويحترمه ويلبي احتياجاته الدنيا، ويمثله تمثيلاً حقيقياً، ويمكن محاسبته إذا أخطأ وتغييره إذا استبد، وهذه طبيعة التحدي الذي يواجهه المصري الآن".

وختم بالقول: "ظني أن المصريين وصلوا إلى نتيجة غاية في الأهمية؛ وهي أنه لكي تحيا مصر فلابد أن يحيا المصري أولاً، وقبل أي شيء حياة كريمة، وفي إطار من العدل والحرية وبعيداً عن الاستبداد والفساد".

أمن النظام لا أمن الدولة

وفي قراءته، قال الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية سيف الإسلام عيد: "إدارة النظام للأزمة بشكل ليس من المفترض أن تُدار به هي من تمنحه قبلة الحياة، وهناك فرق بين أن تحافظ على الأمن القومي وأمن الدولة المصرية وهذا مختلف تماماً عن المحافظة على أمن النظام، وهو ما نطلق عليه (نجاة النخبة السياسية) أو نجاة الائتلاف الحاكم والمجموعة الحاكمة من مصير أسوأ".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أنه "يقوم بإدارة الأزمة بالشكل الذي يمنحه كنظام سياسي ومعه العصبة الحاكمة قبلة الحياة والأمد الطويل، ففي حرب غزة على سبيل المثال غلَّب أمنه الشخصي وأمن النظام السياسي التابع له على أمور كثيرة بها فائدة للدولة".

الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أوضح أن "فكرة تأمين الدولة وتأمين السيادة وتأمين كذلك العمق الاستراتيجي لها؛ نجد أنه تنازل عنها في أزمة حرب السودان (15 نيسان/أبريل 2023) وتنازل عنها في أزمة ليبيا، وتنازل عنها في القرن الأفريقي مع ظهور إسرائيل وإثيوبيا في إقليم صوماليلاند".

وبين أنه "تنازل عن ذلك النوع من الأمن في أماكن كثيرة"، ملمحاً إلى أن "دوره في السياسة الخارجية قلَّ بشكل ملحوظ، وهو أمر واضح لأي ملاحظ للشأن المصري، ولكن هذا التراجع جاء لصالح شيء واحد؛ وهو تأمين نفسه وتأمين نجاة نظامه".

يطيل عمره ويضعف الدولة

عيد، قال: "دعنا نقيس على موضوع تطورات باب المندب وسيطرة الحوثي على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ففي حالة التفكير كدولة سأتدخل لحماية المضيق الحيوي؛ لأن هذا حتى هو ما حدث عام 1973، عندما دفعت مصر بقواتها البحرية لغلق باب المندب، وعملت حصاراً بحرياً من الجنوب على إسرائيل، ومنع وصول أية سفن إلى الاحتلال".

ويرى الباحث المصري أن "النظام لديه الآن الكثير مما يمكن أن يفعله لتأمين شريان أساسي لأمن مصر البحري؛ ولديَّ قوات بحرية كبيرة بقاعدة برنيس، وعندي حاملات طائرات بالبحر الأحمر وغيرها الكثير من القوات والأسلحة المصرية التي بها يمكن تأمين مصر من بعيد وحماية عمقها الاستراتيجي، لكنه للأسف لن يفعل ذلك وسيدخل في سياق المواءمات".

ولفت إلى أنه: "وفي مثال آخر، وفي أرض الصومال تعامل مع الإقليم غير المعترف به دولياً بمنطق سخيف لأجل الإمارات ولكي يحافظ على التحالف الجاري مع أبوظبي، أدان اعتراف إسرائيل بصوماليلاند 26 كانون الأول/ديسمبر 2023 فقط، لكنه لم يتخذ أية خطوات في جوهرها حماية الأمن القومي المصري".

"وفي غزة، فضَّل الأمن الشخصي له، والأمن الخاص بنظامه، لكي لا يدخل في أزمة مع إسرائيل، التي فرضت عليه الأمر الواقع، وتم بناء نقاط مراقبة في مدينة رفح الفلسطينية والمحتلة الآن، وتم الانتشار العسكري الإسرائيلي في معبر رفح منذ أيار/مايو 2024".

وختم الباحث المصري حديثه معبراً عن أسفه من أن "هذا الكلام يطيل عمر النظام لكنه يضعف من الدولة المصرية ويهدد أمنها القومي".

لماذا يغضب المصريون من السيسي؟

السيسي، الذي وصل للحكم عبر انقلاب عسكري قاده في 3 تموز/يوليو 2013، ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، وقضى ولاية أولى 4 سنوات (2014-2018)، حصل بعدها على ولاية ثانية مماثلة (2018-2022)، ليقرر عمل تعديلات دستورية في نيسان/أبريل 2019، منحته عامين إضافيين على ولايته الثانية لتنتهي في 2024، بالإضافة إلى ولاية ثالثة حتى 2030، وسط دعوات مؤيديه من برلمانيين وإعلاميين بتعديلات دستورية جديدة يواصل من خلالها حكم البلاد بعد هذا التاريخ.

وخلال تلك السنوات يشكو مصريون من تدهور أوضاعهم المعيشية، واختفاء الطبقة الوسطى ووقوع ثلثيهم تحت خط الفقر والفقر المدقع، بسبب قرارات حكومية متتابعة بفرض الضرائب والرسوم ورفع أسعار الوقود بأنواعه والكهرباء والمياه ووسائل النقل والاتصالات والخبز، ما قابله انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية التي جرى تخفيض قيمتها بقرار تحرير سعر الصرف 5 مرات بين (2016-2024) ليهوي الجنيه من نحو 7 جنيهات عام 2016 إلى معدل 50 جنيهاً حالياً.

وتوجه المعارضة المصرية انتقاداتها لرأس النظام، في ملفات بينها: الحريات العامة وتعرض آلاف المعارضين منذ العام 2013 للاعتقال والتوقيف ومصادرة الأموال والأحكام الجائرة، مع فرض القيود على عمل الأحزاب والجمعيات الأهلية والصحافة، ليتفاقم غضب المصريين من ملف مياه النيل مع توقيع السيسي اتفاقية آذار/مارس 2015، التي سمحت ببناء وتمويل السد الإثيوبي على النيل الأزرق.

ليمثل ملف الديون الخارجية التي تصل إلى 164 مليار دولار، والدين المحلي البالغ نحو 11 تريليون جنيه، ومطالبة الموازنة العامة للدولة بسداد نحو 62.8 مليار دولار خلال عام بين أقساط وفوائد وودائع؛ إحدى أكثر الأزمات المثيرة لمخاوف المصريين لارتباطها تاريخياً باحتلال إنجلترا لمصر عام 1882.

وهو ما تبعه الآن، توجه حكومي أشد قسوة على المصريين نحو بيع الأصول الحكومية والشركات العامة والأراضي الاستراتيجية لشركات وصناديق خليجية وإماراتية، وسط مخاوف من انتقال بعض تلك الممتلكات إلى أيدي شركات إسرائيلية، في أزمة مستمرة وسبقها تفريط السيسي في جزيرتي "تيران وصنافير" بمدخل خليج العقبة لصالح السعودية في نيسان/أبريل 2016، وما تبعه من مخاطر على الأمن القومي المصري.

نحو الإفلاس

ويحذر مراقبون من وصول مصر إلى حالة من الإفلاس مع استمرار سياسات السيسي، نحو المشروعات الإنشائية وغير ذات الجدوى التي لم تدر دخلاً وورطت البلاد في حجم ديون كارثي، ما يدفع للمطالبة برحيله، وهو ما عبر عنه الكاتب والحقوقي بهي الدين حسن، بالقول: "أصوات متزايدة تحذر من خراب مصر؛ المشكلة في هذه التحذيرات أنها تتغافل أن مصر خربت بالفعل".

وأكد عبر موقع "إكس"، أن "مستوى فقر المصريين يقترب تدريجياً من المجاعة، وإدارة التعليم الجامعي صارت أقرب للكتاتيب، والحوار المجتمعي انحط لمستوى غير مسبوق، ومكانة مصر الدولية والإقليمية انحدرت قرنين من الزمان..."، خاتماً بالقول: "الذين يخشون من ثورة غير رشيدة، عليهم أن يفتحوا طريق الإصلاح".

وبحسب استطلاع "الباروميتر العربي"، عن عام 2025، وصف 72 بالمئة من المشاركين الوضع الاقتصادي بأنه سيئ أو سيئ جداً، وأكد 60 بالمئة أنهم يعانون انعدام الأمن الغذائي، لم يتمكنوا من شراء ما يكفي من طعام، وفي حين يبحث 22 بالمئة من الشباب عن نافذة للهجرة، فإن 70 بالمئة قالوا إنهم لم يصوتوا في الانتخابات الأخيرة.

اعتقالات وتضييق

وإثر حراك قادته مجموعة من شباب "GenZ002" في تشرين الأول/أكتوبر 2025، على يد الناشط أنس حبيب، بالتزامن مع موجات احتجاج يقودها جيل الألفية (جيل زد) في نيبال والمغرب، اعتقل الأمن المصري في أيار/مايو الماضي، أكثر من 50 شاباً لهم حسابات بموقع "ديسكورد" في خطوة لوأد الحراك حينها، ومنع استكمال الاستفتاء الإلكتروني الذي شارك فيه نحو 2 مليون أعلنوا رفضهم لاستمرار السيسي، رغم حجب السلطات للتطبيق.

اظهار أخبار متعلقة


وفي حديثه لـ"عربي21"، يؤكد محامٍ مصري من حي حلوان بالقاهرة، أن "الأمن يقود حملة اعتقالات شرسة في صفوف أهالي المعارضين والنشطاء من الخارج، إلى جانب عدد كبير من أقارب نواب برلمان 2012، والمسؤولين المصريين السابقين خلال عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، وعدد من الذين جرى اعتقالهم وإخلاء سبيلهم"، مبيناً أن "هناك قائمة قديمة يحاول الأمن إعادة اعتقال كل من فيها، بهدف تحجيم أي حراك ثوري محتمل ووأد أي دعوات له".
التعليقات (0)