السيسي يقتطع من كعكة الجيش ليغزو قطاع الصحة.. هل يصطدم بالإمارات؟

هل يتصادم السيسي مع إمبراطورية الإمارات الصحية الكبيرة في مصر - وام
هل يتصادم السيسي مع إمبراطورية الإمارات الصحية الكبيرة في مصر - وام
شارك الخبر
منذ ظهوره ككيان عسكري تابع للقوات الجوية المصرية، برئاسة ضابط في الجيش المصري عام 2017، وعلى مدار 9 سنوات، تتعاظم الإمبراطورية الاقتصادية ومحفظة الاستثمارات المالية لجهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، الذي دشنه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، في أيار/ مايو 2022، ثم نقل تبعيته من الجيش إلى رئاسة الجمهورية في 27 تموز/يوليو الماضي.

في وقت قياسي توسعت أعمال الجهاز العسكري بقطاعات الزراعة، واستصلاح الأراضي، والاستزراع السمكي، والبحيرات، والصناعة، والتشييد والبناء، وقطاع التجزئة، والتصدير والاستيراد، على حساب أجهزة حكومية، فيما لا تزال أدواره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة.

غزو قطاع مربح


وفي تحرك هو الأول للجهاز الذي تأسس بقرار (591 لعام 2022)، نحو القطاع الطبي بالبلاد، اقتطع الجهاز 2 من أكبر المستشفيات العسكرية التابعة للجيش المصري لتهيئتها لعلاج السائحين والخليجيين والأثرياء، متجاهلا نحو 109 ملايين مصري يقيمون في الداخل أغلبهم فقراء يفتقدون للرعاية الصحية، وسط توقعات بحدوث صدام بين الجهاز وإمبراطورية الإمارات الصحية الكبيرة في مصر، على كعكة السياحة العلاجية التي زادت في البلاد بنسبة 200 بالمئة.

وفي أحدث أذرعه الاستثمارية دشن "مستقبل مصر" شركة "تحالف مستقبل مصر الطبي"، معلنا عبر صفحته بـ"فيسبوك"، ضمت شبكة الشركة في مرحلتها الأولى مستشفيين رئيسيين يمثلان نواة المنظومة، هما "المركز الطبي العالمي" والمستشفى "الجوي التخصصي" التابعين للجيش المصري.

واستعرض الكيان الجديد خلال مشاركته بمعرض "إيجى هيلث"، في القاهرة 15 أيلول/سبتمبر الجاري، منظومته للرعاية الصحية، وقدراته في تقديم الخدمات الطبية والتخصصات الدقيقة، ومجالات التدريب والبحث العلمي والتحول الرقمي والسياحة العلاجية.



هل يصطدم بالإمارات والجيش؟


الجهاز، وعبر ذراعه الجديد والذي ترأسه مدير المستشفى الجوي السابق، اللواء طبيب خالد عويضة، سيضم وفق بيانه عبر  "فيسبوك"، مستشفيات أخرى، يرجح أن يكون بينها مستشفيات عسكرية أخرى مثل "المعادي" العسكري؛ وهو التوجه يثير عدة نقاط هامة.

ولفت محللون أولا إلى أن "الجهاز سيعمل في قطاع السياحة العلاجية، ولخدمة السائحين الأجانب، والخليجيين، والأثرياء، ومع شركات التأمين التي تدفع مقابل الخدمة بالعملات الصعبة"، مشيرين ثانيا إلى أن "هذا التوجه قد يتصادم مع سيطرة الشركات الإماراتية الواسعة على قطاع الصحة والدواء والمستشفيات ومعامل التحاليل ومراكز الأشعة".

وتصنف مصر كرابع أكبر سوق للرعاية الصحية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وانتعش قطاع السياحة العلاجية في مصر عقب تطبيق قانون تأجير المستشفيات (87 لسنة 2024)، الذي منح القطاع الخاص الأجنبي والمحلي إدارة العديد من المستشفيات الحكومية ليزيد توجيه أغلب خدماتها نحو السياحة العلاجية التي زادت في البلاد بنسبة 200 بالمئة عام 2024، مقارنة بالعام السابق.

اظهار أخبار متعلقة




كما يجري التنافس حول سوق دواء مصري كبير، كشفت هيئة الدواء المصرية، في تموز/يوليو 2025، عن حجمه البالغ قيمته نحو 6.2 مليارات دولار، ويضم 12 ألف مستحضر دوائي، بإجمالي مبيعات سنوية تتجاوز 3.5 مليارات عبوة.

وألمح مراقبون ثالثا، إلى أن "ظهور الجهاز التابع للرئاسة حاليا في القطاع الطبي، يأتي خصما من رصيد وممتلكات المؤسسة العسكرية التي بدأ كتابع لها، خاصة مع ضم الشركة الطبية لمستشفيات عسكرية أخرى إلى جانب (المركز الطبي العالمي) والمستشفى (الجوي التخصصي)".

وتوقع البعض أن يثير هذا الأمر غضبا داخل القوات المسلحة، خاصة وأن قانون إعادة هيكلة الجهاز ونقله من مؤسسة الجيش وتحويله إلى هيئة اقتصادية سيادية تتبع مباشرة لرئيس الجمهورية، قبل شهرين، منحه صلاحيات واسعة في إدارة الأصول العامة والاستثمار فيها، مع إعفاءات واسعة لأعماله وحماية قانونية لعقوده، ما يعني أن انتقال المستشفيات العسكرية للجهاز نهائي وغير مخالف للقانون.

وفي جانب رابع، يؤكد مراقبون أن "هذا التوجه من الرئاسة نحو التربح من القطاع الطبي، يؤكد غياب فكر السلطات المصرية ورؤية الجهاز حول علاج ملايين المصريين أو تقديم الخدمة الصحية للبسطاء".

تضارب حكومي.. ومنافسة غير متكافئة


وفي تعليقه، أشار المسؤول السابق بوزارة الصحة الدكتور مصطفى جاويش، إلى أن هذا التوجه يندرج تحت "عسكرة قطاع الصحة"، ملمحا إلى أن "تحالف مستقبل مصر الطبي" يأتي برئاسة مدير المستشفى الجوي السابق اللواء طبيب خالد عويضة، مؤكدا أن "إمبراطورية الجيش تغزو مجال الصحة في مصر".

الخبير الصحي والديموغرافي قال لـ"عربي21": "بداية فإن شركة (تحالف مستقبل مصر الطبي) قد فرضت نفسها كأمر واقع على الساحة المصرية بمشاركتها بمعرض وزارة الصحة "آى هيلث 2026"، بحضور وزير الصحة خالد عبدالغفار؛ وهذا الأمر يثير عددا من التساؤلات والملاحظات".

أوضح أن أولها: "دخول المؤسسة العسكرية مجال السياحة العلاجية يضع الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل (المدينة الطبية للسياحة العلاجية وزراعة الأعضاء) والتي سبق الإعلان عنها في كانون الثاني/يناير الماضي، وجار الإعداد لها في مستشفى (معهد ناصر) بكورنيش نيل القاهرة، لتكون مركزا دوليا حكوميا".

وبين أن "التعارض يبدو واضحا في وجود منافسة غير متكافئة ترجح كفة الجهاز وتهميش المشروع المصري الموازي له"، والذي من المفترض أن يضم 18 معهدا طبيا متخصصا، منها: لزراعة الأعضاء والقلب والأورام والكلى والمسالك البولية، بهدف دمج الخدمات العلاجية والتعليم الطبي مع السياحة العلاجية.

خارج إطار السيطرة الحكومية


العضو السابق في مجلس نقابة الأطباء المصرية، أشار ثانيا، إلى أن "شركة (أبراج كابيتال) الإماراتية، أسست في مصر (مجموعة كليوباترا) التي تستحوذ على عدد كبير من المستشفيات ومعامل التحاليل الطبية ومراكز الأشعة الخاصة، إضافة إلى مستشفى (التضامن) للتأمين الصحي الشامل الجديد بمحافظة بورسعيد (شمال شرق)".

وأوضح أنه "في المقابل، تمت الإشارة إلى دخول شركة (تحالف مستقبل مصر الطبي) إلى مجال تأجير المستشفيات حسب القانون (رقم 87 لسنة 2024)، والصادر باسم قانون "التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية)، لمنح  المستثمرين المصريين والأجانب حق إنشاء وإدارة وتشغيل منشآت ووحدات صحية عامة، أو تطوير وإدارة وتشغيل المنشآت الصحية الحكومية القائمة حاليا لمدة تصل إلى 15 عاما".

وفي تفسيره لهذا التضارب، قال إن "هذا يعني أن جناحي الخدمة الصحية في مصر (الحكومي والخاص)، قد أصبحا خارج إطار السيطرة الحكومية، وتحول القطاع الحكومي إلى مؤسسات تهدف للربحية على خلاف مواد (دستور 2014) الداعمة لحماية ملكية الحكومية للأصول الاستثمارية للدولة".

اظهار أخبار متعلقة




وفي 10 أيار/ مايو 2024، طرحت "الهيئة العامة للاستثمار" 45 مستشفى حكومي للإيجار أمام المستثمرين، بينها هليوبوليس بالقاهرة، والعجوزة التخصصي بالجيزة، وكوم حمادة المركزي بالبحيرة، وأبوتيج بأسيوط، وحميات الغردقة بالبحر الأحمر، وقامت بتأجير مستشفيات: "مبرة" المعادي، و"العجوزة"، و"هليوبوليس"، و"زايد آل نهيان"، و"أورام دار السلام"، بالقاهرة.

وفي السنوات الماضية شهدت مصر موجة استحواذات أجنبية وخليجية واسعة ومثيرة للجدل في القطاع الطبي الاستراتيجي المتعلق بالأمن القومي الصحي، أسفرت عن تملك الإمارات 15 مستشفى، ونحو 100 معمل تحاليل ومركز أشعة، ومع الاستحواذ على شركات إنتاج أدوية، أصبحت تدير 15 بالمئة من إجمالي عدد الأسرة العلاجية التابعة للقطاع الخاص بنحو 1450 سريرا علاجيا بمستشفيات مثل: دار الفؤاد، والسلام الدولي، ومجموعة كليوباترا.

وفي عام 2024، استحوذت  "بريميوم دياجنوستيكس" الإماراتية على 9.375 بالمئة في "سيتي لاب" للتحاليل، ورفعت  "جولدمان ساكس إنترناشيونال" الإماراتية حصتها بـ"مستشفى كليوباترا"، ما سبقه في 27 كانون الأول/ديسمبر 2021، استحواذ مجموعة "كليوباترا" المملوكة لشركة أبراج كابيتال الإماراتية على مجموعة "ألاميدا "الإماراتية، قبل أن تشتري في النصف الأول من 2021، (ADQ) الحصة الكاملة لشركة "بوش هيلث" الكندية في "آمون للأدوية" المصرية.

وتشغل مجموعة "ألاميدا"، في مصر 1023 سريرا و128 عيادة في 4 مستشفيات بنطاق القاهرة الكبرى، وهي "السلام الدولي بالمعادي" و"السلام الدولي بالقاهرة الجديدة"، ومستشفى "دار الفؤاد بمدينة نصر" و"دار الفؤاد بالسادس من أكتوبر"، ومركز "الإكسير" للجهاز الهضمي، بأحياء المعادي والمهندسين، وشبكة عيادات "طبيبي" بمناطق راقية مثل "الداون تاون"، و"التجمع الخامس"، و"المعادي"، و"السادس من أكتوبر".

تسليع العسكري وتجاهل المدني


وكيل مديرية الصحة بدمياط سابقا، تحدث ثالثا، عن أن هذا التوجه الذي يأتي في البداية على حساب أهم وأكبر مستشفيات المؤسسة العسكرية، يعني "تحويل المؤسسات الصحية العسكرية إلى مؤسسات تهدف للربحية؛ خاصة عند التعاقد مع التأمين الصحي الشامل الجديد"، موضحا أن "هذا ينعكس بدوره على اقتصاديات الصحة ويزيد من معاناة المريض المصري".

اظهار أخبار متعلقة




ولفت إلى احتمال أن "يتأثر المريض من القطاع العسكري، أيضا، حسب قانون التأمين الصحي الخاص به، كما ورد في (المادة الأولى) من القانون (رقم 2 لسنة 2018) الخاص بالتأمين الصحي الشامل الجديد".

وللجيش العديد من المجمعات الطبية بجميع المحافظات منها في القاهرة: "المركز الطبي العالمي"، و"المعادي"، و"الجلاء"، و"كوبري القبة"، ومستشفيات: "الجوي التخصصي"، و"غمرة"، و"ألماظة"، و"الزيتون"، ومركز الطب الطبيعي.

وعن تجاهل الشركة الجديدة علاج ملايين المصريين أو تقديم الخدمة الصحية للبسطاء، خلص جاويش، للقول إن "هذا التوجه الرئاسي يعني بكل وضوح توسيع دائرة تسليع الصحية داخل مصر لتشمل جميع المواطنين سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، مما يشكل خللا صحيا ومجتمعيا يؤثر سلبا على الحالة الصحية للمواطن المصري بصورة عامة".

وضع مزر


ويشكو مصريون لـ"عربي21"، من "غياب الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية والعامة والوحدات الصحية، التي تتوقف عند حد تقديم التطعيمات الدورية للأطفال دون خدمة طبية أو دواء للمرضى، في أكثر من 5 آلاف قرية و29 ألف تابع في 26 محافظة غير القاهرة، يقطنها نحو 100 ألف مصري أغلبهم فقراء وتحت خط الفقر، ويفتقدون الخدمة الصحية العامة".

ووفق تصريحات الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء المصرية، خالد أمين، أيار/مايو الماضي، توجد 4965 وحدة صحية، ونحو 600 مستشفى لوزارة الصحة، و145 مستشفى جامعي، و٥٥ مستشفى ومركز تتبع المراكز الطبية المتخصصة، و369 عيادة شاملة و40 مستشفى لهيئة التأمين الصحي، و581 تتبع منظومة التأمين الصحي.

ويؤكد مصريون أن أغلبها بلا خدمة صحية وعلاجية، ما أكدته تجارب "عربي21" في العديد من المستشفيات الحكومية والوحدات الصحية، التي رفعت في شباط/فبراير 2024، وبقرار من وزارة الصحة أسعار تذاكر العيادات الخارجية حتى 50 جنيها للتذكرة.

اظهار أخبار متعلقة




وفي الموازنة المصرية للعام المالي (2026/2027) جرى تخصيص ما يعادل 1.72 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للصحة، تشمل الأجور، والرواتب وبنود أخرى غير الصرف على المستشفيات والعلاج مقارنة بالنسبة الدستورية البالغة 3 بالمئة.

وفي آذار/مارس 2025، كشفت أرقام حكومية عن معاناة نحو 40 بالمئة من المصريين من مرض "فقر الدم"، ما أرجعه متحدثون لـ"عربي21" إلى نقص بعض أنواع الغذاء، وسوء نوعيته، وتراجع أدوار الدولة في مجال الصحة، وتسليم القطاع الصحي والدوائي للقطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، وتراجع الاهتمام بالتغذية الصحية لتلاميذ المدارس.

تلك السياسيات ضاعفت من أعباء إنفاق المصريين على الصحة، ووضعت البلاد بالمركز 153 عالميا من أصل 195 دولة في مؤشر الأمن الصحي العالمي، حيث يعلن مصريون بشكل دوري تضررهم من ارتفاع أسعار الدواء والخدمة الصحية الخاصة في مصر، مع رفع أسعار الكشف الطبي الخاص والعلاج في المستشفيات الخاصة مع عدم وجود البديل الحكومي.
التعليقات (0)