السينما الجزائرية تستعيد ذاكرتها.. "الطاكسي المخفي" يعود تحت النجوم

يجمع الفيلم في بطولته عددا من أبرز وجوه الكوميديا الجزائرية، وفي مقدمتهم عثمان عريوات ويحيى بن مبروك وحمزة فغولي ووردية حميطوش، إلى جانب أسماء أخرى من المشهد الفني الجزائري. (التلفزيون الجزائري)
يجمع الفيلم في بطولته عددا من أبرز وجوه الكوميديا الجزائرية، وفي مقدمتهم عثمان عريوات ويحيى بن مبروك وحمزة فغولي ووردية حميطوش، إلى جانب أسماء أخرى من المشهد الفني الجزائري. (التلفزيون الجزائري)
شارك الخبر
بعد أكثر من ثلاثة عقود على ظهوره، يعود الفيلم الجزائري الكوميدي "الطاكسي المخفي" إلى الجمهور في عرض استثنائي بالعاصمة الجزائرية، في تجربة تسعى إلى الجمع بين الذاكرة السينمائية وتقنيات العرض الحديثة، وذلك من 26 إلى 30 سبتمبر/أيلول الجاري، في المدينة الترفيهية "فانتازيا لاند" بالعاشور.

ويُعرض الفيلم يوميا ابتداء من الساعة الثامنة مساء، في فضاء مفتوح وتحت السماء، مع توظيف الإسقاطات الضوئية والفنون الرقمية، في محاولة لإعادة تقديم عمل ينتمي إلى الذاكرة الشعبية الجزائرية لجمهور جديد، لا باعتباره مجرد فيلم قديم يعاد عرضه، وإنما بوصفه جزءا من الذاكرة الثقافية التي ما زالت قادرة على مخاطبة الحاضر.

والفيلم، المعروف أيضا بعنوانه الفرنسي "Le Clandestin"، من إخراج الراحل بن عمر بختي، وصدر في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا عام 1989 وفقا لعدد من قواعد البيانات السينمائية، بينما تورد بعض المصادر تاريخ 1991 ضمن بيانات عرضه. وتبلغ مدته نحو 90 دقيقة، وقد صُورت غالبية مشاهده في مدينة بوسعادة بولاية المسيلة، قبل الانتقال إلى الجزائر العاصمة.

رحلة سيارة تتحول إلى صورة مصغرة للمجتمع


تقوم فكرة "الطاكسي المخفي" على حكاية بسيطة ظاهريا: مجموعة من المسافرين المتجهين إلى الجزائر العاصمة يجدون أنفسهم أمام أزمة المواصلات، فيلجؤون إلى سيارة أجرة غير مرخصة يقودها عبد الله، قبل أن تتحول الرحلة إلى سلسلة من المواقف والمفارقات الكوميدية.

لكن قيمة الفيلم لا تتوقف عند الكوميديا. فداخل السيارة تتجمع شخصيات وطباع ونماذج اجتماعية مختلفة، لتتحول الرحلة إلى مساحة مصغرة لرصد المجتمع الجزائري وتناقضاته، من صعوبات الحياة اليومية إلى الخرافة والنفاق والادعاء والفقر، في قالب ساخر يخفف من حدة النقد دون أن يلغي مرارته.

ويجمع الفيلم في بطولته عددا من أبرز وجوه الكوميديا الجزائرية، وفي مقدمتهم عثمان عريوات ويحيى بن مبروك وحمزة فغولي ووردية حميطوش، إلى جانب أسماء أخرى من المشهد الفني الجزائري.

ومن هنا تحديدا جاءت قدرة الفيلم على الاستمرار؛ فمشكلاته لا تبدو محصورة في زمن إنتاجه، إذ إن أزمة النقل، والبيروقراطية، والتفاوت الاجتماعي، والشخصيات التي تستخدم الفكاهة للتكيف مع واقع صعب، كلها عناصر تتجاوز لحظة الفيلم التاريخية.

بن عمر بختي.. مخرج بين التاريخ والكوميديا


يحمل عرض الفيلم الجديد أيضا قيمة استذكارية لمخرجه بن عمر بختي، الذي يعد من الأسماء المهمة في تاريخ السينما والتلفزيون الجزائريين.

ولد بختي في مدينة تلمسان عام 1941، ودرس في معهد باريس للدراسات السينمائية العليا، وعمل مساعدا في فرنسا قبل أن يعود إلى الجزائر ويشتغل في مجال الإنتاج التلفزيوني. وترك أعمالا في مجالات مختلفة، من بينها الفيلم التاريخي "الشيخ بوعمامة"، قبل أن يقدم "الطاكسي المخفي" الذي أصبح من أشهر أعماله وأكثرها التصاقا بالذاكرة الجماهيرية. توفي بختي في 2015.

والمثير في مساره أن الرجل لم يحصر السينما في خطاب واحد؛ فبينما اتجه إلى التاريخ والذاكرة الوطنية في أعمال مثل "الشيخ بوعمامة"، ذهب في "الطاكسي المخفي" إلى تفاصيل الحياة اليومية، مستخدما الكوميديا باعتبارها أداة للنظر إلى المجتمع من الداخل.

وهذا التنوع يعكس جانبا من خصوصية التجربة الجزائرية، التي ظلت السينما فيها مرتبطة بقوة بالأسئلة الكبرى للمجتمع والتاريخ والهوية، لكنها استطاعت في الوقت نفسه أن تنتج أعمالا شعبية تخاطب الجمهور بلغته اليومية وبهمومه المباشرة.

السينما الجزائرية.. مدرسة عربية بخصوصية مغاربية


يصعب الحديث عن "الطاكسي المخفي" من دون وضعه داخل المسار الأوسع للسينما الجزائرية، التي احتلت منذ الاستقلال موقعا بارزا في السينما العربية والأفريقية.

فالسينما الجزائرية لم تكن مجرد سينما وطنية تعكس مرحلة ما بعد الاستعمار، بل شكلت، إلى جانب السينما المصرية والتونسية والمغربية والسورية واللبنانية وغيرها، أحد روافد المشهد السينمائي العربي، مع خصوصية نابعة من تجربة الجزائر التاريخية وثقافتها المتعددة وامتدادها المغاربي.

وقد حملت أفلام جزائرية كثيرة أسئلة الثورة والاستقلال والذاكرة والاستعمار والهوية، قبل أن تتوسع لاحقا نحو موضوعات المجتمع والتحولات السياسية والاقتصادية والحياة اليومية. وفي هذا السياق يأتي "الطاكسي المخفي" كأحد النماذج التي نجحت في الجمع بين السينما الجماهيرية والنقد الاجتماعي.

ولعل أهم ما يميز التجربة الجزائرية أنها استطاعت في بعض مراحلها أن تجعل اللهجة المحلية والفضاء الشعبي والشخصية اليومية عناصر أساسية في صناعة الفيلم، بدلا من التعامل معها باعتبارها عوائق أمام الانتشار العربي.

لماذا يعود الفيلم الآن؟


لا يبدو توقيت إعادة عرض "الطاكسي المخفي" عابرا. فبعد سنوات طويلة من هيمنة المنصات الرقمية وتراجع تجربة المشاهدة الجماعية التقليدية، يأتي تنظيم عروض الفيلم في فضاء مفتوح ليمنح العمل القديم حياة جديدة. فالمتلقي لا يشاهد الفيلم داخل قاعة تقليدية فحسب، وإنما وسط تجربة تجمع السينما بالإضاءة الرقمية والتراث وبالفضاء الاحتفالي.

وهنا تتحول إعادة العرض إلى نوع من إعادة اكتشاف الذاكرة السينمائية الجزائرية، خصوصا لدى أجيال لم تعاصر الفيلم عند ظهوره الأول.

واللافت أيضا أن العرض يأتي في لحظة تتزايد فيها محاولات إعادة الاعتبار إلى أفلام ووجوه تنتمي إلى أرشيف السينما الجزائرية، في مواجهة خطر أن تتحول أعمال كاملة من الذاكرة الشعبية إلى مجرد مقاطع متداولة على مواقع التواصل، منفصلة عن سياقها الفني والتاريخي.

الكوميديا التي لم تشخ


تكمن قوة "الطاكسي المخفي" في أن الزمن لم يلغ مفارقاته. فالمركبة التي تحمل مجموعة من الشخصيات نحو العاصمة تصبح مختبرا اجتماعيا، وكل توقف أو حوار يكشف جانبا جديدا من المجتمع. وبينما يضحك المشاهد من الموقف، يجد نفسه أمام سؤال يتعلق بواقع أكثر جدية.

وهذا هو سر بقاء بعض الأفلام الكوميدية في الذاكرة: أنها لا تعتمد فقط على النكتة، وإنما تجعل الضحك مدخلا إلى قراءة المجتمع.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو عودة الفيلم مجرد حنين إلى سينما الثمانينيات، بل محاولة لإعادة اختبار قدرة عمل قديم على التواصل مع جمهور يعيش واقعا مختلفا، لكنه قد يتعرف بسهولة على كثير من الشخصيات والمواقف التي يقدمها الفيلم.

من الذاكرة إلى التجربة الرقمية


تكتسب العروض المقررة في "فانتازيا لاند" بعدا إضافيا من خلال الجمع بين الفيلم وتقنيات الإسقاط الضوئي والفن الرقمي. وبذلك يصبح السؤال ليس فقط: ماذا بقي من "الطاكسي المخفي"؟ وإنما أيضا: كيف يمكن عرض السينما القديمة لجمهور جديد؟

إن وضع فيلم من ذاكرة السينما الجزائرية في فضاء مفتوح، وتقديمه ضمن تجربة بصرية حديثة، يقترح إجابة عملية: يمكن للتراث السينمائي أن يعيش من جديد إذا جرى تقديمه بوسائط لا تنظر إليه باعتباره قطعة متحفية.

ومن المقرر أن تبدأ عملية بيع التذاكر في مكان العرض ابتداء من السادسة مساء، فيما حُدد سعر التذكرة بـ800 دينار جزائري، بحسب المعطيات المعلنة للفعالية.

وهكذا يعود "الطاكسي المخفي" إلى الجزائر، لا بوصفه مجرد فيلم كوميدي من زمن مضى، وإنما كعمل يكشف قدرة السينما على الاحتفاظ بذاكرة المجتمع، وقدرة الذاكرة بدورها على استعادة السينما كلما وجدت فضاء جديدا للعرض.

وبين سيارة أجرة تحمل مسافرين متعبين في طريقهم إلى العاصمة، وفضاء رقمي مفتوح تحت نجوم الجزائر، تمتد مسافة أكثر من ثلاثة عقود؛ مسافة تؤكد أن بعض الأفلام لا تنتهي بانتهاء عرضها الأول، وإنما تبدأ حياتها الحقيقية عندما تجد أجيالا جديدة مستعدة للضحك عليها، ثم اكتشاف نفسها داخلها.

تبقى الإشارة إلى أن "فانتازيا لاند الجزائر" هي مدينة ترفيهية تقع في منطقة العاشور بالعاصمة الجزائرية، وتستضيف أنشطة وفعاليات ترفيهية وثقافية وفنية موجهة للعائلات والجمهور العام.

ويكتسب الفضاء أهمية إضافية من خلال استضافته فعاليات تجمع بين الترفيه والفنون، مثل عروض السينما في الهواء الطلق، والإسقاطات الضوئية والفن الرقمي. وفي سبتمبر/أيلول 2026، تحتضن "فانتازيا لاند" عروضا استثنائية لفيلم "الطاكسي المخفي" للمخرج الراحل بن عمر بختي، في تجربة تسعى إلى إعادة تقديم عمل من ذاكرة السينما الجزائرية لجمهور جديد ضمن فضاء ترفيهي حديث.

لكن عودة "الطاكسي المخفي" تفتح، في المقابل، سؤالا أكبر من حدود الفيلم نفسه: كيف لبلد يملك إمكانات مالية وثقافية وبشرية كبيرة، وتاريخا سينمائيا حافلا، أن يبدو اليوم أقل حضورا سينمائيا مما يفترض أن يكون؟ أين يكمن الخلل: في سياسات تمويل الإنتاج، أم في مؤسسات إدارة القطاع، أم في غياب استمرارية المشاريع، أم في صعوبة وصول الأفلام الجزائرية إلى جمهورها داخل البلاد وخارجها؟ وهل تحتاج السينما الجزائرية إلى مزيد من المال، أم إلى نموذج مختلف في إدارة المال وصناعة الفيلم وتوزيعه وتسويقه؟
التعليقات (0)