في ملعب
داريا البلدي، حيث تتقاطع ذاكرة
المكان مع ذاكرة مدينة دفعت ثمنا باهظا خلال سنوات الحرب السورية، لم تكن الشاشة
مساء
العرض مجرد مساحة لعرض
فيلم، بل بدت كأنها نافذة تُفتح على مدينة تحاول
استعادة صورتها من بين الركام.
هناك، وفي المدينة التي ارتبط اسمها بمحطات
مبكرة ومفصلية من الحراك السوري، عُرض فيلم "غاندي الصغير" للمخرج
السوري سام قاضي، مستعيدا سيرة داريا ونضال أبنائها، وفي القلب منها الناشط الشهيد
غياث مطر، في عمل يحاول تحويل الذاكرة من رواية شفوية مثقلة بالفقد إلى صورة
سينمائية قابلة للمشاهدة والاستعادة والتأمل.
شاشة في قلب المدينة
نظمت "جمعية رحمة حول العالم" عرض
الفيلم في ملعب داريا البلدي، تحت رعاية وزارة الثقافة، في اختيار مكاني يحمل أكثر
من دلالة؛ فالفيلم الذي يستعيد ذاكرة المدينة عُرض في فضاء من فضاءاتها العامة،
أمام جمهور محلي، لتصبح داريا نفسها جزءا من التجربة السينمائية.
ولا يبدو المكان هنا مجرد خلفية لعرض ثقافي،
فالسينما حين تخرج من صالات العرض المغلقة وتصل إلى المكان الذي تدور حوله
الحكاية، تكتسب طبقة إضافية من المعنى. فالمشاهد لا يتلقى صورا عن مدينة بعيدة،
وإنما يشاهد حكاية مدينة يعرفها المكان والجمهور وتفاصيل الذاكرة اليومية فيها.
وبذلك يصبح العرض أشبه باستعادة جماعية
للذاكرة، حيث تتجاور الشاشة مع المكان الحقيقي، والصورة السينمائية مع صور يحتفظ
بها سكان المدينة في ذاكرتهم.
غياث مطر.. وجه الحكاية
يتخذ "غاندي الصغير" من غياث مطر،
الناشط الذي قُتل خلال أحداث الثورة السورية، أحد محاور حكايته، مستعيدا حضوره في
ذاكرة داريا وفي سردية الحراك السلمي الذي خرج من المدينة.
ويكتسب اختيار مطر شخصية مركزية في الفيلم
دلالة سينمائية وإنسانية في آن واحد؛ فالشخصية الفردية تصبح مدخلا إلى حكاية
جماعية، فيما تتحول سيرة الناشط الشاب إلى عدسة يمكن من خلالها قراءة مدينة كاملة،
بما شهدته من احتجاجات وتضحيات وفقد.
وغياث مطر ليس في الفيلم مجرد اسم في سجل
الضحايا، بل مدخل إلى سؤال أوسع حول الطريقة التي تحتفظ بها المدن بوجوه أبنائها،
وكيف يمكن للسينما أن تعيد بناء حضورهم بعد غيابهم.
وهنا تكمن إحدى وظائف الفيلم الأساسية: أن
يمنح الذاكرة وجها وصوتا وصورة، وأن يحول ما قد يبدو رقما أو حدثا في كتب التاريخ
إلى تجربة إنسانية لها ملامحها وتفاصيلها.
داريا.. المدينة التي تصبح بطلة
لكن الحكاية لا تتوقف عند غياث مطر. فداريا
نفسها تبدو في "غاندي الصغير" شخصية قائمة بذاتها.
المدينة التي دخلت مبكرا في دائرة الأحداث
السورية، وتحولت لاحقا إلى واحدة من أكثر المدن ارتباطا بذاكرة الثورة والحصار
والدمار، تحمل في جغرافيتها طبقات متعددة من الحكايات. ولهذا فإن استعادة قصتها
سينمائيا تعني، في جانب منها، استعادة مكان لم يعد من الممكن فصل صورته عن الأحداث
التي مرت به.
ويبدو الفيلم، من خلال تناوله لمحطات من
ذاكرة المدينة وتضحيات أبنائها، معنياً بالسؤال عن كيفية تمثيل المكان بعد الحرب:
هل يبقى المكان مجرد شاهد صامت على ما جرى، أم يمكن تحويله إلى مادة للحكاية؟
في داريا، يصبح السؤال أكثر إلحاحا؛ لأن
المدينة ليست مجرد موقع جغرافي في الفيلم، وإنما جزء من الذاكرة السورية نفسها.
من الذاكرة إلى الصورة
السينما في الأعمال التي تتناول أحداثا
قريبة ومؤلمة لا تقوم فقط بوظيفة التوثيق. فهي تعيد ترتيب الذاكرة، وتختار ما يظهر
في الكادر وما يبقى خارجه، وتمنح بعض الوجوه والأماكن والأحداث مساحة أكبر من
غيرها.
ومن هذه الزاوية، يمثل "غاندي الصغير"
محاولة لنقل تجربة داريا من الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة البصرية؛ أي من القصص
التي يتداولها من عاشوا الأحداث إلى مادة يمكن لجمهور أوسع أن يراها ويعيد قراءتها.
وهذا التحول ليس بسيطا، لأن الصورة
السينمائية لا تستعيد الماضي كما كان بالضرورة، وإنما تبني له شكلا جديدا. إنها
تنتقي وتكثف وتضع الأحداث في سياق سردي، وتمنح الشخصيات مسارا دراميا، فيما يصبح
الزمن نفسه مادة فنية.
لماذا "غاندي الصغير"؟
يحمل عنوان الفيلم إحالة مباشرة إلى غاندي،
بما يمثله اسمه في المخيال العالمي من ارتباط بفكرة المقاومة السلمية والاحتجاج
غير العنيف. ومن هنا يصبح اللقب، في سياق حكاية غياث مطر وداريا، مفتاحا لقراءة
الشخصية التي يقدمها الفيلم.
فاللقب لا يؤدي وظيفة تعريفية فحسب، وإنما
يختصر تصورا لشخصية ارتبطت في الذاكرة السورية بفكرة الاحتجاج السلمي، في مقابل
العنف الذي تصاعد لاحقا وحوّل المشهد السوري إلى واحدة من أكثر المآسي تعقيدا في
العصر الحديث.
ويمنح العنوان الفيلم، منذ لحظته الأولى،
زاوية قراءة أخلاقية وسياسية في الوقت نفسه، قبل أن تبدأ الحكاية الفعلية على
الشاشة.
حين تتحول الصورة إلى ذاكرة جماعية
أهمية عرض الفيلم في داريا لا تنفصل عن
أهمية الفيلم نفسه؛ إذ إن مشاهدة عمل يتناول تاريخ المدينة أمام جمهور من أهلها
تضيف إلى العمل طبقة من التلقي لا توفرها العروض التقليدية.
فالمتلقي هنا ليس مشاهدا محايدا تماما. إنه
ابن المدينة أو يعرف حكايتها أو عاش جزءا من مراحلها، ولذلك فإن الصورة المعروضة
على الشاشة تدخل في حوار مع ذاكرة موجودة مسبقا.
قد تستدعي لقطة مكانا يعرفه المشاهد، أو
وجها يعرفه، أو حدثا عاش آثاره. وفي هذه الحالة تتحول السينما إلى مساحة يلتقي
فيها التوثيق بالذاكرة الشخصية، وتصبح عملية المشاهدة نفسها جزءا من عملية استعادة
الماضي.
ولهذا يحمل العرض في ملعب داريا دلالة
تتجاوز الاحتفاء بفيلم جديد؛ إنه محاولة لإعادة وضع السينما داخل المكان الذي تحكي
عنه، وإعادة الحكاية إلى جمهورها الأول.
الفن في مواجهة النسيان
في البلدان التي مرت بحروب وصراعات طويلة،
تصبح الذاكرة ساحة أخرى للصراع؛ فمن يروي القصة؟ ومن يحتفظ بصور الضحايا؟ وكيف
تُستعاد المدن التي غيّرتها الحرب؟
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى "غاندي
الصغير" باعتباره عملا يشتغل على مقاومة النسيان بوسيلة فنية. فاستعادة غياث
مطر وداريا وأبنائها ليست مجرد عودة إلى الماضي، وإنما محاولة لتثبيت أسماء ووجوه
ومحطات في الذاكرة البصرية السورية.
وتمنح السينما هذه الذاكرة قدرة على
الانتقال بين الأجيال؛ إذ يمكن لشاب لم يعش تلك الأحداث أن يتعرف عليها من خلال
الفيلم، فيما يجد من عاشها فرصة لرؤية جزء من تجربته وقد أعيدت صياغته على الشاشة.
عرض محلي.. وحكاية تتجاوز المكان
وبينما أقيم العرض في داريا، فإن الحكاية
التي يحملها الفيلم تتجاوز حدود المدينة. فداريا، في الذاكرة السورية، أصبحت رمزا
لجانب من تجربة الاحتجاج والحصار والحرب، كما أصبح غياث مطر واحدا من الوجوه التي
ارتبطت بسردية الحراك السلمي في بداياته.
ومن ثم، فإن الفيلم يضع حكاية محلية داخل
سياق وطني أوسع، محاولا أن يقول إن التاريخ الكبير لا يُكتب فقط من خلال الأحداث
الكبرى، وإنما أيضا من خلال حكايات المدن الصغيرة ووجوه شبابها وأحلامهم ومصائرهم.
وهنا تلتقي السينما بالتاريخ: الأول يبحث عن
الإنسان داخل الحدث، والثاني يحاول تثبيت الحدث في الزمن.
السينما كمساحة لاستعادة الإنسان
في النهاية، تبدو قيمة "غاندي الصغير"
في اختياره الاقتراب من التاريخ السوري من خلال الإنسان والمكان، لا من خلال
العناوين الكبرى وحدها. فداريا في الفيلم ليست رقعة على خريطة، وغياث مطر ليس مجرد
اسم في قائمة الضحايا؛ كلاهما يتحول إلى مادة لسؤال أكبر عن الذاكرة، وعن معنى أن
تعود مدينة إلى سرد قصتها بعد سنوات من الألم.
وفي ملعب داريا البلدي، بدا عرض الفيلم
وكأنه إعادة وصل بين الشاشة والمكان، وبين الحكاية وأصحابها، وبين الماضي والحاضر.
فحين تعرض المدينة قصتها في فضائها العام، لا تعود السينما مجرد تسجيل لما حدث،
وإنما تصبح فعلا من أفعال استعادة الذاكرة، ومحاولة لمنح الذين غابوا مكانا دائما
في الصورة.
وهكذا يضع "غاندي الصغير" داريا
أمام مرآتها السينمائية: مدينة تستعيد وجوها وأياما من تاريخها، وجيل جديد يتعرف
إلى ذاكرة مدينة لا تزال تبحث عن طريقها من الماضي إلى المستقبل.