هل يسمح السيسي بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد على آلاف المعتقلين؟

آلاف المعتقلين في السجون المصرية منذ 2016- جيتي
آلاف المعتقلين في السجون المصرية منذ 2016- جيتي
شارك الخبر
بعد 10 أيام، ومع اقتراب تطبيق بنود قانون "الإجراءات الجنائية" بالتزامن رسميا مع بداية العام القضائي الجديد مطلع تشرين الأول/أكتوبر المقبل، يأمل آلاف المعتقلين السياسيين أن تنفذ السلطات بند الحد الأقصى لـ"الحبس الاحتياطي" والذي حدده القانون بعام ونصف.

ووفقا للقانون الذي أقره البرلمان في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أصبح الحد الأقصى في قضايا "الجنح" 4 أشهر بدلا من 6 أشهر في القانون القديم، وفي "الجنايات"، تم تخفيض الحد الأقصى ليصل إلى 18 شهرا كحد أقصى في أغلب الحالات بدلا من سنتين.

كما أن القانون وفي تطور كبير حدد 7 تدابير كبدائل قانونية للحبس الاحتياطي، يمكن للقاضي أو النيابة استخدامها، ومنها: إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه، وأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة، وحظر ارتياد المتهم أماكن محددة، وإلزامه بعدم مغادرة نطاق جغرافي معين بدون إذن.

اظهار أخبار متعلقة



واشترط القانون أن يكون أمر الحبس الاحتياطي مسببا بوضوح، وإلا اعتبر القرار باطلا حتى لو كانت هناك مبررات للحبس، كما أنه لا يجوز أن يصدر قرار الحبس إلا من عضو نيابة، ولا يجوز اللجوء للحبس الاحتياطي إلا في حالة توفر مبررات قانونية محددة مثل: وجود حالة تلبس بالجريمة، وخشية هروب المتهم، وخشية التأثير على الشهود أو العبث بالأدلة ومصلحة التحقيق.

من إجراء إلى عقاب

ومنذ الانقلاب العسكري الذي ضرب البلاد 3 تموز/يوليو 2013، وتتوسع السلطات الأمنية والقضائية في استخدام "الحبس الاحتياطي" بحق آلاف المعتقلين، وأولئك الذين حصلوا على قرارات إخلاء سبيل من المحاكم أو النيابات؛ حيث يقوم جهاز "الأمن الوطني" بالتعسف معهم بعدم الإفراج عنهم، وإعادة تدويرهم في قضايا جديدة، فيضعهم رهنا لـ"الحبس الاحتياطي"، في تحول له من "إجراء قانوني إلى عقوبة مجحفة"، بحسب حقوقيون.

استندت تلك الإجراءات التي لم توقفها الانتقادات الحقوقية، على قرار جمهوري أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور عام 2013، وتضمن تعديلا ببعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، يعطي الحق للقضاة والنيابات في تجديد حبس المتهم احتياطيا مدة 45 يوما قابلة للتجديد دون التقيد بالمدد السابقة.

وفي خطوة ثانية عمقت أزمة المعتقلين، وفي تشرين الأول/أكتوبر 2020، أقرت وزارة العدل نظر القضاة تجديد الحبس الاحتياطي واستئنافه عن بعد، ليصبح الصيغة القانونية الوحيدة، ما يخل بحق المتهمين في الدفاع والتمثيل القانوني، وفق انتقادات حقوقية.

من خلال ذلك السياق، توسعت السلطات في استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة دون حكم نهائي بحق المسجونين السياسيين رغم سقوط قرار الحبس الاحتياطي في حق الآلاف لتجاوزه المدة القانونية المقررة بنص "المادة 143" لقانون الإجراءات الجنائية، التي تقول: "وفي جميع الأحوال لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز 6 أشهر في الجنح 18 شهرا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام".

استغاثة تستبق التطبيق

ويأمل حقوقيون أن يكون تطبيق بند الحبس الاحتياطي مع تنفيذ القانون، خطوة لإخلاء سبيل آلاف المعتقلين الذين تخطوا الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطي المقررة قانونا، وسط تساؤلات حول مدى سماح رئيس النظام عبدالفتاح السيسي بتلك الفرصة من عدمه، في ظل رفضه طوال 13 عاما لإنهاء هذا الملف، واحتمالات استجابته لنداءات معتقلين استبقوا تطبيق القانون بأن وجهوا قبل أيام استغاثة عبر "عربي21".

وأكد المعتقلون أنه "إن لم يخرجوا في تشرين الأول/ أكتوبر القادم، حيث يتم تطبيق القانون فهذا يعني إعداما بطيئا للناس، ويكون النظام أسفر عن نيته في قتل الناس في محبسهم، وتكون العواقب سيئة جدا على المحبوسين".

وقالت الاستغاثة: "ما زلنا قيد الحبس الاحتياطي منذ 5 سنوات، وقد وصل الكثير 8 سنوات حبسا احتياطيا، ولا ندري إلى متى سيظل هذا الوضع قائمًا؟، وحال استمرار هذا الوضع في ظل أفق مسدود فليس أمام المعتقلين قضاة ولا قانون، إنما هم ممثلون وأحكامهم معروفة، وإن تأخرت".

وبينت أنه "إذا لم يُطبق القانون، فيصبح التعامل مع المحكمة هراء وتهريج، ويكون الصواب هو مقاطعة هذه المسرحية الهزلية من جميع الأطراف، محامون، متهمون".

ثغرة القانون

في قراءته القانونية واطلاعه على الحالة المصرية، وتقديره لمدى التزام النظام والسلطات القضائية والأمنية بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية وخاصة بند الحبس الاحتياطي، ومدى انطباق بنود القانون على آلاف الحالات من المحبوسين احتياطيا، تحدث المحامي المصري ممدوح إسماعيل، لـ"عربي21".

وأشار إلى قيام النظام بالعديد من الإجراءات لوقف تنفيذ القانون بحق آلاف المعتقلين، ملمحا إلى وجود ثغرات في القانون ستلجأ إليها السلطات، موضحا أن "نظام السيسي، استبق تطبيق بند الحبس الاحتياطي ومدة الـ18 شهرا وفق قانون الإجراءات الجنائية، بأن قامت السلطات بإحالة آلاف المعتقلين السياسيين المحبوسين احتياطيا للمحاكمة الجنائية وأصبحوا بذلك تحت سلطة المحاكم".

وقال: "تبقى الثغرة موجودة فيما يتعلق ببند الحبس الاحتياطي الذي يجري حوله الجدل"، ملمحا إلى وجود "نقطة قانونية مهمة وهى أن الحبس على ذمة المحكمة (أثناء محاكمة المتهم أمام محكمة الموضوع) لا يُعتبر حبسا احتياطيا بالمفهوم الوارد في قانون الإجراءات الجنائية".

السياسي المصري والبرلماني السابق، أوضح أن "الحبس الاحتياطي معناه القانوني يتعلق: بالحبس خلال مرحلة التحقيق الابتدائي الذي تجريه النيابة العامة أو قاضي التحقيق؛ أما الحبس على ذمة المحكمة فهو حبس قضائي صادر من المحكمة المنظورة أمامها الدعوى".

وبين إسماعيل، أن "تلك هي الحيلة الخبيثة التي استخدمها نظام السيسي عندما قام بإحالة آلاف المحبوسين احتياطيا للمحاكم الجنائية بدون تهم حقيقية ولا أدلة ولا موضوع حقيقي"، ملمحا إلى أنه "يعتمد على القضاء المسيس، ليزداد الظلم ويزداد المظلومين"، خاتما حديثه بالقول: "لكن دولة الظلم لا تدوم".

الأعداد.. والأسماء

وفي حين تقدر تقارير حقوقية عدد المحبوسين احتياطيا بعشرات الآلاف من المعتقلين الذين تتعنت السلطات معهم وترفض إخلاء سبيلهم، لا توجد أرقام رسمية تكشف العدد الحقيقي للمتضررين من إجراءات الحبس الاحتياطي، إلا تصريح في كانون الثاني/يناير  2018، لرئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب علاء عابد، مشيرا إلى وجود بين 25 إلى 30 ألف مصري رهن الحبس الاحتياطي.

وفي آب/أغسطس الماضي، رصد مركز "الشهاب لحقوق الإنسان" وجود 1090 معتقلة داخل تأهيل (4) بسجن العاشر من رمضان، موضحا أن 47 معتقلة فقط يقضين أحكاما قضائية، بينما 1043 معتقلة لا يزلن رهن الحبس الاحتياطي والتحقيق.

ومن الأسماء التي تعرضت لطائلة الحبس الاحتياطي، المحامية والعضوة السابقة في "المجلس القومي لحقوق الإنسان" هدى عبد المنعم رغم إنهائها عقوبة 5 سنوات في تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب الحقوقي إبراهيم متولي الذي يمر عليه في أيلول/سبتمبر الجاري عامه التاسع بالحبس الاحتياطي. 

وذلك إلى جانب: 30 صحفيا بينهم أحمد سبيع وبدر محمد بدر وسيد صابر وصفاء الكوربيجي، وأيضا: الخبير الاقتصادي عبدالخالق فاروق وأشرف عمر وأحمد دومة وإسماعيل الإسكندراني وهاني صبحي وشادي محمد، والمعتقلات: مروة عرفة وآية كمال وحسيبة محسوب ومروة سامي ونجلاء فهمي وشيرين شوقي ونسيبة عطية، ومن ذوي الإعاقة الشاب محمد وليد، والأطفال محمد خالد، ومصطفى جمعة وشقيقه مروان.

حجم المعاناة والانتهاكات


وتشير التقارير الحقوقية لحجم معاناة المعتقلين مع استمرار الحبس الاحتياطي، وبينها حديث "هيومان رايتس ووتش"، في أيار/مايو 2025، عن محاكمات جماعية لحوالي 6 آلاف سجين بقضايا "إرهاب"، أكثر من نصفهم محبوسين احتياطيا، مبينة أنه "ما يُفقد المتهمون ضمانات محاكمة عادلة، ويجعلهم رهن حبس احتياطي لأجل غير مسمى دون أدلة على ارتكابهم جرائم".

وكشفت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" جانبا من جوانب انتهاك حقوق المحبوسين احتياطيا بتمرير القضاة الجلسات "باعتبارها إجراء شكليا، واعتبار قرارتها بتجديد الحبس أمرا مفروغا منه"، مشيرة إلى واقعة تأجيل دوائر الإرهاب المنعقدة بسجن "بدر"، يومي 21 و22 كانون الثاني/يناير 2024، حبس 513 محبوسا احتياطيا، "بشكل غاب عنه الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة".

وفي تقريرها لعام 2025، أشارت "هيومان رايتس ووتش"، إلى أن "آلاف المحتجزين في ظروف مزرية في حبس احتياطي مطول"، لافتة إلى مواصلة السلطات الممارسة التعسفية، بتدوير المعتقلين في قضايا جديدة لإبقائهم رهن الاحتجاز، مع تجديد الحبس الاحتياطي، دون عرض المحتجزين أمام القاضي.

وأكدت المنظمة أن "هذا النظام يقوّض بشكل خطير الإجراءات القانونية الواجبة، ويمنع القاضي من تقييم شرعية الاحتجاز وظروفه وكذلك سلامة المحتجزين، وينتهك ضمانات المحاكمة العادلة، منها الحق في الاستعانة بمحام".

سطوة أمنية.. وحراك ودعوات


وفي المقابل يأتي الجدل حول تطبيق بند الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية الجديد مع تصاعد حملات الاعتقالات في مصر، والتي كشفت عنها متابعات "عربي21"، في أماكن عديدة بينها حي حلوان بالقاهرة، وطالت المئات من المعتقلين السابقين ومن عائلات المعتقلين، وأقارب معارضين وبرلمانيين وحقوقيين وناشطين في الخارج.

واستبق نشطاء ومنظمات حقوقية تطبيق القانون، بمطالبات لرابطة أهالي المعتقلين "فدا" السلطات تدعو لـ"تبييض السجون" للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة.

والخميس، تساءل الحقوقي بهي الدين حسن، عبر صفحته بموقع "إكس": "لماذا يستمر اعتقال في السجون عشرات الألوف: إسلاميين وعلمانيين، مهندسين وأطباء، وفنانين وكتاب، نساء ورجالا وأطفالا، بعضهم بتهمة التضامن مع فلسطين؟".

اظهار أخبار متعلقة


إجراءات تهدم القانون
وتقول الحقوقية سمر الحسيني: "القانون لو طبقته الدولة فمن المفترض أن يؤثر بشكل كبير على ملف الحبس الاحتياطي؛ ولكن هناك 4 إجراءات استخدمتها وتستخدمها الدولة بالفعل، وتحول دون تفكيك الملف طبقا للقانون".

المدير التنفيذي لـ"المنبر المصري لحقوق الإنسان"، أوضحت أن "الإجراء الأول: هو زيادة عدد الإحالات للمحاكمة التي تمت قبل إقرار القانون، وبالتالي أصبح المحالون أشخاصا ينتظرون محاكمة وليسوا في حبس احتياطي، ووضعهم القانون مختلف ولا ينطبق عليهم بند الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بالقانون".

وبينت أن "الإجراء الثاني: أن القانون لا يمنع (التدوير)، وبالتالي يمكن أن يخلى سبيل المسجونين من القضايا وكما فعلت وتفعل السلطات طيلة سنوات تعيد إدراجهم مجددا بقضايا أخرى بنفس الاتهامات، ويظل السجين في حلقة مفرغة".

الإجراء الثالث، وفق الحقوقية المصرية، "هو إصدار أحكام سريعة"، موضحة أنه "بالفعل هذا الأمر يتم بشكل سريع، حتى أن حجم الإحالات التي تمت وحجم الأحكام التي صدرت كانت كبيرة جدا".

"إضافة إلى أن أغلب الأحكام تصدر بالحد الأقصى للحكم، وليس الحد الأدنى لكي تضمن السلطات أن المسجونين سيظلون في محبسهم، حتى لو كانت فترة الحبس الاحتياطي موازية لفترة الحكم الصادر بحقهم".

وتعتقد الحسيني، أن "القانون كان من المفروض أن يكون خطوة إيجابية تحل هذا الملف، ولكن مع الأسف ليس لدى قدرة للتفاؤل حول أداء الدولة، خاصة وأنها في إجراء رابع لا توقف القبض على الناس، وبالشهرين الأخيرين أطلقت حملات توقيف واسعة على أهالي نشطاء بالخارج، كنوع من أنواع (العقاب بالوكالة)".

وأوضحت أنه "بالتالي ليست هناك إرادة من الدولة أو سياسة عامة تهدف لحل الملف، بينما تحاول تقديم تنازلات بسيطة ترضي بها المجتمع الدولي لكي يستمر في إعطائها قروضا ومنحا؛ ولكن في الوقت ذاته لا تنعكس تلك التنازلات بشكل واضح وإيجابي على الملفات التي من المفروض أن يتعامل معها".

وختمت قائلة: "نتمنى أن تكون شكوكنا غير صحيحة، وأن يكون لدى الدولة رغبة في حل هذا الملف؛ لكن تقديري الشخصي لو هناك إرادة لحل هذا الملف فلم يكن الأمر يحتاج إلى قانون من الأساس، لأن أغلب المسجونين احتياطيا حبسهم غير قانوني، وفقط ندخل في دواليب البيروقراطية المصرية لأمور تبدو قانونية في حين أنها غير قانونية".

وفي السياق، نظم ناشطون مصريون وقفات احتجاجية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وعند مقر الأمم المتحدة في جنيف، تطالب بإطلاق سراح المعتقلين وانهاء الحبس الاحتياطي بحق المعتقلين والمطالبة بالإفراج الفوري عنهم.

وأطلقت منظمات حقوقية، حملة بعنوان: الحبس الاحتياطي.. استثناء وليس عقوبة"، مؤكدة أن الحبس الاحتياطي بطبيعته إجراء استثنائي تقتضيه ضرورة التحقيق أو المحاكمة، وليس عقوبة تُفرض على المتهم قبل صدور حكم قضائي نهائي بحقه، وأن الحبس الاحتياطي يجب أن يظل إجراء استثنائيا تفرضه الضرورة، وألا يتحول إلى عقوبة تسبق المحاكمة.

الحملة، تشدد على أن حماية الحرية الشخصية، وقرينة البراءة، وحق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة يجب أن تمثل الأساس الذي يحكم أي تشريع أو ممارسة تتعلق بالحبس الاحتياطي.

وبالتزامن مع الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، أطلقت منظمة "عدالة لحقوق الإنسان" الأسبوع الماضي، حملة "أسرى الحرية في مصر"، لتركز على الحبس الاحتياطي المطول، وسياسة التدوير، لتؤكد "عدالة"، أنه "عندما يحتجز إنسان لسنوات دون إدانته بحكم نهائي، ويتجدد حبسه مرة بعد أخرى، يفقد الحبس الاحتياطي طبيعته كإجراء استثنائي، ويتحول إلى حرمان ممتد من الحرية".

وتتزامن تلك المطالبات مع انعقاد المؤتمر "الوطني الأول" للمعارضة المصرية في الخارج بمشاركة ممثلين عن مختلف التيارات المدنية والحقوقية والإسلامية وشخصيات عامة، بمدينة لاهاي، الأربعاء الماضي، حيث تصدرت أزمة المعتقلين السياسيين والحريات العامة جلسات المؤتمر.
التعليقات (0)