قضايا وآراء

الإخوان المسلمون بين السياسة والحزبية والمنافسة على السلطة

يحيى سعد
"كانت ذروة المنافسة على السلطة عندما شارك الإخوان في الانتخابات الرئاسية سنة 2012م، وفاز مرشحهم الدكتور محمد مرسي"
"كانت ذروة المنافسة على السلطة عندما شارك الإخوان في الانتخابات الرئاسية سنة 2012م، وفاز مرشحهم الدكتور محمد مرسي"
يثار بين الحين والآخر الحديث عن موقف جماعة الإخوان المسلمون من السلطة والحكم، وهل هو ثابت من ثوابتها الفكرية، أم إنه أمر متغير يمكن العدول عنه والتحول إلى جماعة ضغط، بحيث تؤثر في المشهد السياسي دون خوض غمار المنافسة عليه؟

ومع تكرر طرح موقف الجماعة من مسألة التنافس على السلطة؛ ثمة مسألة أخرى أثيرت مؤخرا، هي موقف الإخوان من السياسة ذاتها، إذ تردد في بعض القنوات الإعلامية ما يفيد بأن الجماعة ستعتزل العمل السياسي برمته.

وتفترض هذه الدراسة خطأ التصور القائل باعتزال الإخوان للعمل السياسي بشكل كلي، أو اعتزالهم التنافس على السلطة بشقيها التنفيذي والتشريعي بشكل دائم ومطلق. في حين تفترض الدراسة -أيضا- استعداد الجماعة الابتعاد الفعلي عن المنافسة على السلطة مرحليا، وخاصة في فترات الاضطراب السياسي والمجتمعي أو في المراحل الانتقالية.

لذا؛ تهدف هذه الدراسة إلى تأصيل موقف جماعة الإخوان من السياسة، والحزبية، والسلطة التنفيذية، مستخدمة المنهج التاريخي في تتبع الأصول الفكرية، وواقع الممارسة السياسية في تاريخ الجماعة، وذلك اعتمادا على المصادر الموثوقة التي سجلت أدبياتها ورؤاها الفكرية. وقد اعتمدت الدراسة بشكل أساسي على كلام مؤسسها الأول الإمام حسن البنا رحمه الله، وما أقره جلُّ مرشديها التاريخيين من بعده، ثم من واقع ممارسات وأداءات الجماعة السياسية عبر تاريخها.

لم تفرق الجماعة منذ تأسيسها عام 1928م على يد الإمام البنا -رحمه الله- بين الدين والسياسة، فهي ترى شمولية الإسلام لكل مظاهر الحياة.

وتطرح الدراسة التساؤلات الآتية:

- ما موقع السياسة في فكر الإخوان المسلمين؟

- هل تقبل جماعة الإخوان المسلمين بالتعددية السياسية والحزبية؟

- هل حقّا المنافسة على السلطة مرفوضة لدى جماعة الإخوان المسلمين؟

- هل يعني رفض الحزبية عند الإمام البنا، أن تظل الجماعة مجرد جماعة ضغط لا تنافس على السلطة؟ وهل رفض البنا نظريا أو عمليا المنافسة على السلطة؟

- ما الواقع التاريخي للجماعة في التعاطي مع قضية التنافس على السلطة، سواء أكانت السلطة التشريعية أم السلطة التنفيذية؟

- وأخيرا؛ هل يمكن أن يكون خيار ترك المنافسة على السلطة عند جماعة الإخوان المسلمين، خيارا مرحليا لضرورة سياسية أو مجتمعية؟

وسنحاول في هذه الدراسة الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال المحاور الآتية:

* موقف الإخوان من السياسة

* موقف الإخوان من التعددية الحزبية

* موقف الإخوان من السلطة التنفيذية

أولا: موقف الإخوان من السياسة

لم تفرق الجماعة منذ تأسيسها عام 1928م على يد الإمام البنا -رحمه الله- بين الدين والسياسة، فهي ترى شمولية الإسلام لكل مظاهر الحياة، فقد جاء في ركن الفهم ضمن رسالة التعاليم التي صدرت عام 1938م ونشرتها دار الفكر العربي عام 1951م ما يلي:

"الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء"(1).

وجاء في رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين عام 1938م -على لسان البنا رحمه الله - ما يلي؛ "إن الإخوان ما كانوا يوما من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة والدين"(2).

ويقول أيضا في موضع آخر من الرسالة نفسها: "أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا، بعيد النظر في شؤون أمته، مهتما بها غيورا عليها"(3).

ويضيف بعد ذلك: "على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها، الاهتمام بشؤون أمتها السياسية، وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام(4).

وعليه؛ فقد أكد البنا -رحمه الله- كما أكدت أدبيات الجماعة المكتوبة منذ نشأتها وممارساتها العملية والدعوية عبر تاريخها عدم التفرقة بين الدين والسياسة.

وقد تصدى البنا بفكره هذا للموجة العَلمانية التي غزت العالم الإسلامي، وتصاعدت نبرتها بعد سقوط الخلافة العثمانية، واستند البنا في فكره على الأصول الإسلامية الراسخة، وما استقر عند علماء المسلمين طوال ثلاثة عشر قرنا، وكذا؛ على ما استقر في الفكر السياسي الإسلامي عبر العصور، ومن قبل ذلك ما أجمع عليه الصحابة -رضي الله عنهم- بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، من ضرورة خلافته في إقامة الدولة الإسلامية التي من شأنها حراسة الدين وسياسة الدنيا.

ثانيا: موقف الإخوان من التعددية الحزبية والأحزاب

كان الإمام البنا يرفض الحزبية؛ لأنه كان يرى فيها تعارضا مع وحدة الأمة التي يدعو إليها الإسلام، كما كان يرى أن الأحزاب القائمة في ذلك الوقت سبب للتفرقة وليست سببا لاجتماع الكلمة، في ظل تهديد استعماري يجب التوحد للتخلص منه. وقد جاء ذلك واضحا في رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمون 1938م(5)، حيث يقول الإمام البنا: "وإن لي في الحزبية السياسية آراء هي لي خاصة، ولا أحب أن أفرضها على الناس؛ فإن ذلك ليس لي ولا لأحد، ولكني كذلك لا أحب أن أكتمها عنهم، وأرى أن واجب النصيحة للأمة -وخصوصا في مثل هذه الظروف-، يدعوني إلى المجاهرة بها وعرضها على الناس في وضوح وجلاء، وأحب كذلك أن يُفهم جيدا أني حينما أتحدث عن الحزبية السياسية، فليس معنى هذا أني أعرض لحزب دون حزب، أو أرجح أحد الأحزاب على غيره، أو أن أنتقص أحدها وأزكي الآخر، ليس ذلك من مهمتي"(6).

ويبين البنا خصوصية الزمان والمكان والظرف الراهن وقتذاك فيقول: "أعتقد -أيها السادة- أن الحزبية السياسية، إن جازت في بعض الظروف في بعض البلدان، فهي لا تجوز في كلها، وهي لا تجوز في مصر أبدا، وبخاصة في هذا الوقت الذي تستفتح فيه عهدا جديدا، ونريد أن نبني أمتنا بناء قويا يستلزم تعاون الجهود، وتوافر القوى، والانتفاع بكل المواهب، والاستقرار الكامل، والتفرغ التام لنواحي الإصلاح"(7).

ثم يذكر سببا موضوعيا متعلقا بحال الأمة حينئذ فيقول: "وأعتقد -أيها السادة- أن التدخل الأجنبي في شؤون الأمة، ليس له من باب إلا التدابر والخلاف وهذا النظام الحزبي البغيض، وأنه مهما انتصر أحد الفريقين، فإن الخصوم بالمرصاد يلوّحون له بخصمه الآخر، ويقفون منهما موقف القرد من القطتين، ولا يجني الشعب من وراء ذلك إلا الخسارة من كرامته واستقلاله وأخلاقه ومصالحه"(8).

ويسترسل في تبرير هذا السبب قائلا؛ إننا -يا إخوان- أمة لم نستكمل استقلالنا بعدُ استكمالا تامّا، ولا زلنا في الميزان، ولا زالت المطامع تحيط بنا من كل مكان، ولا سياج لحماية هذا الاستقلال والقضاء على تلك المطامع إلا الوحدة والتكاتف، وإذا جاز لبعض الأمم التي استكملت استقلالها، وفرغت من تكوين نفسها أن تختلف وتتحزب في فرعيات الأمور، فإن ذلك لا يجوز في الأمم الناشئة أبدا، على أننا نلاحظ أن الحوادث العالمية قد ألجأت الأمم جميعا إلى التجرد من الحزبية مطلقا، أو الإبقاء على حزبية صورية تقليدية مع الوحدة في كل الاتجاهات"(9).

كما كان الإمام البنا يرى أيضا أن نظام الحزبية يصطدم مع الإسلام ووحدة الأمة، يقول: "وبعد هذا كله، أعتقد -أيها السادة- أن الإسلام وهو دين الوحدة في كل شيء، وهو دين سلامة الصدور، ونقاء القلوب، والإخاء الصحيح، والتعاون الصادق بين بنى الإنسان جميعا، فضلا عن الأمة الواحدة والشعب الواحد، لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه، والقرآن الكريم يقول: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعا وَلا تَفَرَّقُوا" (آل عمران: 103)، ويقول: "وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال: 46)(10).

وهنا، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي حدث بعد ذلك حتى تتحول الجماعة إلى قبول التعددية الحزبية، بل وتنشئ حزبا سياسيا بعد ذلك هو حزب الحرية والعدالة؟

وقبل الإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن هناك من العلماء من تبنى رأي البنا في موقفه من الحزبية كالمودودي والمباركفوري، فكلاهما هاجم الأحزاب في المجتمع الإسلامي، وكانا يريان أنها تفرقة للأمة، خاصة أن الأحزاب في باكستان في ذلك الوقت انقسمت إلى شرقية وغربية بعد انتصار الهند على باكستان. ومن ثم فقد كان لوجود الاستعمار في البلاد الإسلامية أثر واضح في تبني ذلك الموقف من الأحزاب. لكن في المقابل هناك من المصلحين من كان متحمسا للنظام البرلماني والتعددية الحزبية مثل جمال الدين الأفغاني. كما تحدث الإمام محمد عبده عن التعددية السياسية وأكد أنه لا خشيه معها على وحدة الأمة، فالأمم الأوروبية استطاعت أن تستخدم الأحزاب كوسائل متنوعة ومتعددة للوصول إلى غايات واحدة، ومع ذلك لم تفرقها هذه التعددية شيعا متصارعة(11).

نجاح فكرة التعددية الحزبية في أوروبا التي أدت إلى تحجيم دور الحكومات وإعطاء دور أكبر للشعوب، جعل الشعوب الإسلامية تتأثر بها، كما أدت الديكتاتوريات التي شاعت في العالم العربي والإسلامي، إلى المطالبة بإفساح مساحة أكبر من الحرية السياسية، وإتاحة المجال واسعا أمام القوى السياسية للتعبير عن مواقفها، بما يتيح تصحيح المسار السياسي.

وكان ممن رأوا أيضا الأخذ بالتعددية الحزبية في العمل السياسي الدكتور محمد ضياء الدين الريس في كتابه: "النظريات السياسية الإسلامية"، بل رأى أنها ليست جديدة على الأمة(12).

وفي كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة" يقول الدكتور القرضاوي؛ "إن الأحزاب هي صيغة جديدة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقويم اعوجاج السلطان دون إراقة دماء، ولا يستطيع السلطان القضاء عليها بسهولة، كما لا يمكن خداعها أو قهرها؛ لأن لها امتدادها في الشعب، ولها منابرها وصحفها وأدواتها في التعبير والتأثير. إن الأحزاب السياسية في حالة زيغ السلطان، تستطيع أن تؤلب القوى السياسـية علـى السـلطة فتسقطها دون عنف أو دماء، وهذا يعد تطويرا لفريضة الأمر بالمعروف والنهـي عـن المنكـر. إن الأحزاب تعد وسيلة مهمة في الاحتساب على الحكومة ومحاسبتها(13).

كما كان يرى أن التعددية الحزبية القائمة على الأفكار والمصالح كالتعددية في المذاهب الفقهية، وذكـر أن التعدد لا يعني بالضرورة التفرق، وأن الاختلاف ليس دائما ممقوتا فهو أشبه بالاختلاف في الاجتهاد بين العلماء، واختلف الصحابة في مسائل فرعية كثيرة، ولم يضرهم ذلك شيئا، فهو من باب الرحمة التـي وسع بها على الأمة. وطالما أن الوحدة بين الجماعات الإسلامية متعذرة، فلا مانع من أن تتعدد بحكـم اختلاف الأهداف والمناهج والمفاهيم.

ولا شك أن نجاح فكرة التعددية الحزبية في أوروبا التي أدت إلى تحجيم دور الحكومات وإعطاء دور أكبر للشعوب، جعل الشعوب الإسلامية تتأثر بها، كما أدت الديكتاتوريات التي شاعت في العالم العربي والإسلامي، إلى المطالبة بإفساح مساحة أكبر من الحرية السياسية، وإتاحة المجال واسعا أمام القوى السياسية للتعبير عن مواقفها، بما يتيح تصحيح المسار السياسي للنظم السياسية العربيـة والإسلامية.

يضاف إلى ذلك ما أثبتته التجربة في مصر، سواء في عهد عبد الناصر الذي ألغى الأحزاب واستبد بالسلطة، أو حتى في عهد مبارك الذي حاصر تأسيس الأحزاب، وأبقى فقط على بعض الأحزاب في حالة موات سريري، مقارنة بمحاولات السادات في فتح المجال العام بإعلانه ما يسمى بالمنابر، وما صاحب ذلك من تحريك للمياه الراكدة في الحياة السياسية وقتها.

يقول الأستاذ عمر التلمساني -وهو رفيق درب البنا- في كتابه "ذكريات لا مذكرات": "نحن نملك قاعدة شعبية كبيرة، إن لم يستفد منها الإخوان فسوف يستفيد منها غيرهم، ولم يبق لنا إلا التفكير في قناة شرعية نستطيع الوصول عن طريقها إلى البرلمان(14). ويضيف في مكان آخر من الكتاب السابق: "إذا لم يكن من قيام الحزب بد، فمن العجز الفكري أن نقف حائرين، بل نسلك كل طريق مشروع يمكننا من نشر دعوتنا في كل الأوساط"(15).

ولم يرفض الأستاذ حامد أبو النصر -رحمه الله- بعد أن صار مرشدا، ولا الأستاذ مصطفى مشهور -رحمه الله-، ما ذهب إليه التلمساني من ضرورة وجود حزب سياسي.

وأما المستشار مأمون الهضيبي -رحمه الله-، فقد كان يرأس القسم السياسي وقتما نوقش موضوع التعددية الحزبية عام 1994م، وإلى أن تم اعتماد الجماعة بعدها لفكرة التعددية الحزبية والشروع في تأسيس حزب سياسي.

الجماعة بعد مرورها بتجارب ومحن مختلفة مع الأنظمة الحاكمة، عدلت بالفعل عن نظرة الإمام البنا للحزبية والتعددية، وتبنت فكرة الحزبية والتعددية، بل وفكرت بالفعل مطلع التسعينيات في إنشاء حزب سياسي.

وفي عهد الأستاذ مهدي عاكف -رحمه الله- كانت مبادرة الإصلاح التي أعلنها عام 2004م، وكان من بين أهم بنود المحور السياسي فيها: "تأكيد حرية تشكيل الأحزاب السياسية".

وأما في عهد الدكتور محمد بديع -المرشد العام الحالي للجماعة، والموجود خلف قضبان السجون-، فقد تم تأسيس حزب الحرية والعدالة، والمنافسة على الحكم في أعلى مستوى هرمه، وهو رئاسة الدولة.

والخلاصة في هذا المحور، وهو "موقف الإخوان من الحزبية والتعددية"، أن الجماعة بعد مرورها بتجارب ومحن مختلفة مع الأنظمة الحاكمة، عدلت بالفعل عن نظرة الإمام البنا للحزبية والتعددية، وتبنت فكرة الحزبية والتعددية، بل وفكرت بالفعل مطلع التسعينيات في إنشاء حزب سياسي، وبسبب ذلك كانت قضية حزب الوسط، ثم أنشأت بعد ثورة يناير بالفعل حزبا سياسيا هو حزب الحرية والعدالة، الذي نافست به على السلطة البرلمانية 2011م، ثم على السلطة التنفيذية 2012م.

ثالثا: موقف جماعة الإخوان من السلطة والمنافسة عليها

لنترك للإمام البنا -رحمه الله- تجلية الأمر بنفسه، حيث يقول في رسالة المؤتمر الخامس التي ألقاها في المركز العام في 2 شباط/ فبراير 1939م بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس الدعوة: "ويتساءل فريق آخر من الناس: هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكوِّنوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم إلى ذلك؟ ولا أدع هؤلاء المتسائلين أيضا في حيرة، ولا نبخل عليهم بالجواب. فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدي الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه؛ "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكم عروة من عرى الإسلام، والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحدٌ منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيها مرشدا، يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد كما يقولون".

ويمضي الإمام البنا قائلا: قد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله، وتنفيذا لأحكامه، وإيصالا لآياته ولأحاديث نبيه، وأما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا، ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف. وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم، بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله"(16).

ما أشبه الليلة بالبارحة

وبعد عشر سنوات من ذلك التوضيح الذي جاء قي رسالة المؤتمر الخامس، جاءت رسالة "الإخوان والانتخابات عام 1948م" لتؤكد ما قيل في المؤتمر الخامس، ولترد على اللغط الذي أثير بسبب الانتخابات التي شارك فيها البنا بنفسه، ثم تنازل مقابل تحقيق بعض المكاسب بنفسه عام 1941م، ثم ترشح مرة أخرى في عهد أحمد ماهر، وما قيل وقتها من أن تلك المشاركة سببت الخصومات مع الغير وانحرفت بالجماعة عن منهج الدعوة؛ حيث كتب الإمام البنا هذه الرسالة ليعرض الأمر على الهيئة التأسيسية للإخوان، مبينا فيها حجة من يقول بدخول الانتخابات، وحجة من يطالب باعتزال ذلك المضمار، وكان مما قاله الإمام البنا -رحمه الله- في هذه الرسالة ردا على تلك الشبهات:

"ولنكن مع هذا صرحاء في الحق، لا تأخذنا فيه لومة لائم، فنقول: هل أمام أصحاب الدعوات، وحملة الرسالات في هذا العصر من سبيل مشروعة إلى تحقيق مقاصدهم، والوصول إلى أهدافهم إلا هذه السبيل الدستورية، السلطة التشريعية أولا، فالسلطة التنفيذية بعد ذلك، وإنما يكون طلب الحكم والسعي إليه عيبا وعارا وسُبَّةَّ إذا أُريد به الجاه الزائف والعرض الزائل، أما أن يقصد من وراء ذلك تحقيق مناهج الإصلاح، وإظهار دعوة الخير، وإعلاء كلمة الإسلام والحق؛ فلا عيب فيه ولا غبار عليه، بل لعله يكون من أقدس الواجبات وأعظم القربات، ويجب أن نطلب ونسعى إليها لأنفسنا بل لدعوتنا ورسالتنا ليحكم الناس بعد ذلك لنا أو علينا، أما هذا الموقف السلبي، فليس وراءه إلا ضياع الوقت بغير طائل، وإلا فما هي الوسيلة التي يراها الإخوان لتحقيق رسالتهم غير التقدم إلى البرلمان؟ الوعظ والإرشاد والدعوة والإقناع ومخاطبة النفوس والأرواح، وهي سبيل الفلاسفة والخيالين لا سبيل المصلحين العمليين"(17).

بين الثابت والمتغير في فكر البنا السياسي

ورغم ما أعلنه البنا وأوضحه مرارا من أهمية الحكم في نجاح وتمكين المشروع الإسلامي، وضرورة السعي لاستخلاصه إذا لم يكن موجودا من الأساس؛ فإنه نبه -أيضا- إلى ضرورة تقدير اللحظة التي يعزم فيها الإخوان على التقدم للحكم بشكل دقيق قبل الإقدام عليها، وقد جاء ذلك في رسالة المؤتمر الخامس، حيث يقول: "وعلى هذا؛ فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة"(18).

ليس ثمة رفض من حيث المبدأ في مسألة المنافسة على الحكم، وذلك لأهميته في نجاح وتمكين المشروع الإسلامي، فهو ثابت في فكر البنا كما أوضح بنفسه، وإنما المتغير هو طبيعة كل مرحلة، ومدى ملاءمة الظروف من عدمها، فقد يتم التقدم للمنافسة في مرحلة، ويتم الإحجام عنه في مرحلة أخرى

ولا شك أن في هذا الضابط ما يؤكد أهمية تقدير الظرف السياسي في حينه، وقراءة البيئة السياسية بشكل دقيق وعميق في كل مرة يتم فيها التفكير في التقدم للحكم.

وبناء عليه إذن، فليس ثمة رفض من حيث المبدأ في مسألة المنافسة على الحكم، وذلك لأهميته في نجاح وتمكين المشروع الإسلامي، فهو ثابت في فكر البنا كما أوضح بنفسه، وإنما المتغير هو طبيعة كل مرحلة، ومدى ملاءمة الظروف من عدمها، فقد يتم التقدم للمنافسة في مرحلة، ويتم الإحجام عنه في مرحلة أخرى، والذي يحكم المسألة هو طبيعة الظرف ومراعاة الحال.

الممارسة العملية للمنافسة السياسية في تاريخ الإخوان

يبين التتبع التاريخي للممارسة العملية للإخوان المسلمين وتعاطيهم مع مسألة الانتخابات؛ التطبيق العملي لموقفهم من المنافسة على السلطة وأهميتها لتحقيق المشروع الذي يحملونه:

فبعد أن خرج الإخوان من محنة عبد الناصر وعادوا للعمل العام في السبعينيات من القرن الماضي، خاضوا انتخابات اتحادات الطلاب في الجامعات، ثم النقابات المهنية، وشارك أفراد من الإخوان في انتخابات 1976، كما شارك بعض أفرادهم أيضا في انتخابات 1979.

وفي عام 1984م خاضت جماعة الإخوان المسلمين الانتخابات البرلمانية على قوائم حزب الوفد متحالفين معه. كما خاضوا انتخابات 1987م متحالفين مع حزبي العمل والأحرار تحت شعار "الإسلام هو الحل"، وكذلك انتخابات مجلس الشورى سنة 1989م.

وقاطع الإخوان مع باقي القوى السياسية عدا حزب التجمع انتخابات عام 1990م. ثم شاركوا في انتخابات البرلمان سنة 1995م، وفي الانتخابات البرلمانية سنة 2000م، وتمكن 17 نائبا من نوابهم في الوصول إلى البرلمان.

وشارك الإخوان في الانتخابات البرلمانية سنة 2005 وفاز لهم عدد كبير من النواب كاد أن يبلغ ثلث مقاعد المجلس، لولا تدخل النظام بإجراءاته القمعية -حينئذ- في المرحلتين الثانية والثالثة من الانتخابات. كما شارك الإخوان في انتخابات مجلس الشورى سنة 2007م، وفي انتخابات المحليات سنة 2008م، وفي الانتخابات البرلمانية سنة 2010م، وفي الانتخابات البرلمانية سنة 2011م (برلمان الثورة).

وكانت ذروة المنافسة على السلطة، عندما شارك الإخوان في الانتخابات الرئاسية سنة 2012م، وفاز مرشحهم الدكتور محمد مرسي -رحمه الله- برئاسة الجمهورية.

الخلاصة والنتائج

1- الإخوان لا يفرقون بين الدين والسياسة، ويرون الإسلام نظاما شاملا لكل نواحي الحياة.

2- كان للإمام البنا موقف رافض لفكرة الحزبية؛ لأنه كان يرى أنها تفرقة للأمة، كما كان يرى الأحزاب الموجودة في ذلك الوقت غير مؤهلة لقيادة الأمة، فقد كانت تتناحر فيما بينها، بينما الوطن محتل والأمة مفرقة بعد سقوط الخلافة العثمانية.

3- بعد مرور الجماعة بتجربة الخمسينات والستينات وما لحقها من بطش الحقبة الناصرية التي ألغيت فيها الأحزاب، وبعد اجتهاد كثير من العلماء والمفكرين في مسألة التعددية الحزبية؛ عدلت الجماعة موقفها من الحزبية، وقبلت بالتعددية الحزبية، وأيد ذلك كل مرشديها الذين توالوا على قيادتها منذ ذلك الوقت: الأستاذ عمر التلمساني، والأستاذ محمد حامد أبو النصر، والأستاذ مصطفى مشهور، والمستشار مأمون الهضيبي، والمرشد الحالي د. محمد بديع.

4- رغم عدم قناعة الإمام البنا بالحزبية، إلا أن ذلك لم يمنعه من المنافسة السياسية من خلال الانتخابات البرلمانية؛ لأنه كان يرى في ذلك منبرا قويا للدعوة، وسبيلا ناجعا للإصلاح وتمكين المشروع الإسلامي.

5- عندما تنازل الإمام البنا عن خوض الانتخابات سنة 1941م كان تنازله مؤقتا؛ لأنه عاد وخاض الانتخابات مرة أخرى، كما أن تنازله لم يكن بلا مقابل، بل حقق في مقابله مكاسب دعوية متعددة.

6- أكد الإمام البنا أن الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون، يجعل الحكومة ركنا من أركانه، وأنه يعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد.

7- يرى الإمام البنا ضرورة النهوض لاستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف، أو يشرعون للأمة ما لم يأذن به.

8- لم يرفض الإمام البنا المنافسة على السلطة، سواء أكانت تشريعية أم تنفيذية، بل دعا لخوض غمار المنافسة على السلطتين، وتكوين حكومة تحقق أهداف الإسلام طالما لم تكن موجودة.

9- رفض البنا أن تكون جماعة الإخوان أو غيرها من الجماعات العاملة للإسلام، مجرد جماعات ضغط تنأى بنفسها عن ميدان التنفيذ، أو مجرد جماعات وعظ وإرشاد فحسب، واعتبر ذلك موقفا سلبيا ومضيعة للوقت.

10- حذر البنا من تقدم الجماعة للمنافسة على السلطة حال عدم تهيؤ البيئة السياسية والشعبية لذلك، وبهذا فرق بين الاستراتيجي الثابت -وهو إقرار مبدأ المنافسة والتقدم للحكم واستخلاصه حال غيابه-، وبين المرحلي التكتيكي المتغير الذي يخضع للحال وينضبط بحسابات المآل.
__________
الهوامش:
(1) جمعة أمين، مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، دار النداء- إسطنبول- تركيا؛ 2014م. بتصريح من دار النشر والتوزيع الإسلامية في القاهرة ص 269.
(2) المرجع السابق ص 231.
(3) المرجع السابق ص 231.
(4) المرجع السابق ص 231.
(5) المرجع السابق ص 238.
(6) المرجع السابق ص 238.
(7) المرجع ص 238.
(8) المرجع السابق ص 239.
(9) المرجع السابق ص 240.
(10) المرجع السابق ص 241.
(11) فاروق النبهان: الإسلام والأحزاب السياسية، مكتبه قليوب، دون سنة نشر، القاهرة، ص 252.
(12) الدكتور محمد ضياء الريس: النظريات السياسية الإسلامية، دون ناشر، القاهرة، ١٩٥٢، ص 51.
(13) فهمي هويدي: الإسلام والديمقراطية، الطبعة الأولى، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة ١٩٩٣، ص 85.
(14) عمر التلمساني: ذكريات لا مذكرات، دار الطباعة والنشر الإسلامية، القاهرة، ص 209.
(15) المرجع السابق ص 186.
(16) جمعة أمين، مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، دار النداء - إسطنبول - تركيا؛ 2014، ص 350.
(17) المرجع السابق، ص 732.
(18) المرجع السابق، ص 351.
التعليقات (0)