قضايا وآراء

للتاريخ: الغنوشي يظل مفكرا كبيرا ورجل دولة باقتدار

بحري العرفاوي
الغنوشي والسبسي- أ ف ب
الغنوشي والسبسي- أ ف ب
الغنوشي الذي يُحبَسُ الآن على يد قيس سعيد المنقلب على الديمقراطية، هو رجل "التوافقات" وهو رجل دولة كشف معدنه مؤامرات خصومه على حركته وعلى السلم الأهلي. لقد أرادوا من عشرة أعوام إخراج حزبه من السلطة عن طريق الفوضى والجرائم السياسية، ولكنه يظل يحاذر العاصفة كحامل خلية نحل يحذر أن تهيج فينفرط جمعها.

لقد ظل الرجل يردد أنه يفضل أن يكون شهيدا على أن يتحمل أمام الله مسؤولية فتنة يكون فيها ضحايا من التونسيين، وهم يتقاتلون لأسباب سياسية أو أيديولوجية.

إثر عمليتين إجراميتين بشعتين؛ الأولى اغتيال النائب محمد براهمي رحمه الله في ذكرى عيد الجمهورية يوم 25 تموز/ يوليو 2023، والثانية ما تعرض له ثمانية من عناصر جيشنا الوطني يوم 29 من نفس الشهر من قتل وذبح وتشويه بمنطقة التلة من جبل الشعانبي، وقبل ذلك بحوالي ستة أشهر اغتيال الشهيد شكري بلعيد.. شهدت بلادنا حالة من الانشطار لم تشهدها من قبل، حتى أيام الانقسام البورقيبي/ اليوسفي، نظرا لحدة التوتر الإقليمي وتسارع الوقائع والفواجع.

ظل الرجل يردد أنه يفضل أن يكون شهيدا على أن يتحمل أمام الله مسؤولية فتنة يكون فيها ضحايا من التونسيين، وهم يتقاتلون لأسباب سياسية أو أيديولوجية
صار المشهد السياسي منقسما إلى فسطاطين بين ساحة باردو حيث "اعتصام الرحيل" تنظمه جبهة المعارضة يومها وحيث تُرفع شعارات تحمل الغنوشي شخصيا مسؤولية الجرائم والاغتيالات، وبين حشود القصبة حيث تنادى أنصار الشرعية من كل فجاج البلاد وفي يوم رمضاني ساخن؛ يُحصّنون حكومة يرونها شرعية ويرون خطرا ماحقا يوشك أن يحيط بالبلاد.

عشرات أو مئات الآلاف الذين كانوا يهتفون للشرعية يوم 3 آب/ أغسطس 2013 في القصبة ويعلنون إصرارهم على مواجهة الانقلابيين ويرسلون شعارات ساخرة هازئة ومتحدية؛ لم ينتبهوا كثيرا إلى مفردات دقيقة في خطاب زعيم حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي وهو يخطب في الأمواج البشرية ويدعوها إلى أن تردد وراءه شعارات تؤكد على الوحدة الوطنية وعلى وحدة الشعب والأمن والجيش. كان الزعيم يدرك أن الحرائق الكبرى إنما مُوقدُها عود ثقاب أو عُقب سيجارة، وكان يُدرك أن لكل انفجار صاعقا.

ومن أبرز ما جاء في خطابه يومها من جُمل سياسية وأخلاقية:

1- بهذا الحشد العظيم تصنعون تاريخا جديدا لتونس، وتبرهنون على أن الثورة التونسية متجددة ولم تمت.

2- جئنا اليوم لنلقي التحية على أبطال جيشنا التونسي، التحية لأبطال جيشنا، التحية لوزارة الدفاع، والرحمة والغفران لشهدائنا الأبرار.

3- جئنا لنؤكد على أن شعبنا موحد وهو لا يزال مستيقظا وحارسا للثورة، وهو سد منيع في وجه الانقلابيين، وستفشل كل محاولاتهم الانقلابية.

4- صدّرنا الثورة إلى مصر وهم يريدون أن يستوردوا انقلابها، وجيشنا الوطني ليس انقلابيا.

5- من مظاهر الانقلاب هي الاغتيالات التي حصلت، فقد أرادوا أن يغتالوا الثورة ببث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.

6- نحن دعاة مصالحة وطنية في هذه البلاد، نريد لتونس أن تتصالح مع نفسها ومع دينها ومع شعبها.

7- هؤلاء الانقلابيون هاربون من الاحتكام لصناديق الاقتراع لأنهم جربوها ولم تعطهم الشيء الكثير.

8- نحن مع مصالحة وطنية شاملة، نريد لتونس أن تتصالح مع تاريخها.

9- النهضة حلقة في تاريخ تونس، لذلك نحن نعتز بتاريخ دولة الاستقلال ونعتز بمنجزاتها، ولكن حصلت إخفاقات يجب أن يعتذروا عنها.

10- لسنا مشروع انقلاب ولا حرب أهلية ولا فتنة.. نحن نستنّ بسنة نبينا "و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".. نريد أن نكون في هذه البلاد كالإسمنت يجمع التونسيين.

11- الثورة قامت بسبب الظلم وضد التعذيب، ولكننا نريد أن نطوي هذه الصفحة بلا أحقاد ولا ثأر من أجل الوحدة الوطنية.

12- قدمت حركة النهضة تنازلات من أجل تحقيق التضامن الوطني.

13- أقول لكم: قفوا لثورتكم ولا تتركوا أحدا يسرقها أو يحتويها.

14- نقول للانقلابيين: احذروا أن تنقلبوا على الثورة ففي البلاد حراس لها.

15- لم نأت اليوم لنقول إننا نريد أن نأخذ من هذا الحشد "شرعية" فهي موجودة، والشرعية تؤخذ بصناديق الاقتراع وليس بالحشود.

16- من يريد الوصول إلى السلطة عليه أن يدخل البيوت من أبوابها، والحكومات في الديمقراطية لا تأتي إلا بالانتخابات.

17- نحن لا نتمنى الشر لمعارضينا وإنما نتمنى لهم الخير، فكلهم أبناء تونس.

18- نريد لرجال الأعمال أن تطلق أيديهم للاستثمار، نريد أن يرفع حجر السفر عنهم.

19- المجلس التأسيسي خط أحمر، ونعتبر رئيس الحكومة أيضا خطا أحمر.

20- الحكومة جاءت بإرادة شعبية ديمقراطية ويمكن تغييرها، ولكن نقول لهم ادخلوا البيوت من أبوابها.

21- نحن نمد أيدينا للتفاوض والحوار دفاعا عن وحدتنا الوطنية، نحن نرحب بكل من يريد أن يشارك في السلطة للتسريع في المسار الانتقالي.

22- في نهاية السنة سيكون لتونس دستور يجمع بين الإسلام والديمقراطية إن شاء الله.

23- حركة النهضة انتخبها التونسيون ولهم الحق في أن يُبقوها أو أن يخرجوها من السلطة، وسوف نقبل بذلك.

كان ذهاب الغنوشي إلى السبسي رحمه الله مدخلا لمرحلة جديدة جنّبت الوطن مآلات سيئة على الجميع، وبالتوصيف السياسي كانت تلك الزيارة اقتحاما شجاعا لخيمة تحالف الخصوم وتحييدا لـ"شيخ التحالف القبلي" وإفلاتا من شبكة العنكبوت
24- هذا الحشد العظيم هو رسالة واضحة للانقلابيين بأنهم لن يمروا ولن نترك الثورة المضادة تنتصر.

25- بلادنا أحوج ما تكون إلى روح وثقافة العمل "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".

كانت المفاجأة كبرى على جماهير النهضة وعلى المعارضين أيضا حين بدأ خبر يتسربُ بهدوء عن لقاء تاريخي حصل في باريس يوم 15 آب/ أغسطس، بين زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وزعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي.

وسواء كانت المبادرة من أحدهما كما صرح زعيم النداء في إحدى القنوات في 28 آب/ أغسطس بأنه هو من بادر بالدعوة للحوار، أو بوساطة رجل أعمال كما نسب السيد سليم الرياحي إلى نفسه، فإن آثار اللقاء كانت جد إيجابية حيث تنفست البلاد الصعداء وخفتت حدة التحريض وتقلص جمهور اعتصام الرحيل بسبب عدم حماسة الباجي له، وراجت أخبار عن دور للسبسي في حوار سري بين النهضة ومعارضيها للخروج من الأزمة، بل وتدخل الأمن لاحقا لإزالة الخيام والأسلاك لتتسلل إلى الخطاب السياسي مفردات جديدة من جنس: طاولة الحوار، الرباعي الراعي للحوار، استقالة الحكومة، خارطة طريق، التوافق حول الدستور وحول رئيس حكومة جديد.

بالتوصيف الوطني كان ذهاب الغنوشي إلى السبسي رحمه الله مدخلا لمرحلة جديدة جنّبت الوطن مآلات سيئة على الجميع، وبالتوصيف السياسي كانت تلك الزيارة اقتحاما شجاعا لخيمة تحالف الخصوم وتحييدا لـ"شيخ التحالف القبلي" وإفلاتا من شبكة العنكبوت.

سيكتشف أنصار الشرعية والنهضويون تحديدا أن سياسةَ دولة ليست بمستوى صياغة نص أو نظرية، ولا بمستوى سياقة سيارة بمجرد الحصول على رخصة سياقة أو تغيير البطاقة الرمادية، الدولة أسرار وأعماق وتاريخ وشبكات ومصالح وامتدادات في الداخل والخارج في الماضي والحاضر والمستقبل، سيكتشفون أنهم لم يكونوا يحكمون فعلا وأن مفاتيح الخزائن كانت مخبأة في "عتبة قديمة" لن يقدروا على تجاوزها ولن يمنعوها من فعل الأفاعيل، سيكتشفون كم كانت شعارات شباب حماية الثورة بريئة صادقة ولكن بغير "جهاز".

سيكتشف أنصار الشرعية والنهضويون تحديدا أن سياسةَ دولة ليست بمستوى صياغة نص أو نظرية، ولا بمستوى سياقة سيارة بمجرد الحصول على رخصة سياقة أو تغيير البطاقة الرمادية، الدولة أسرار وأعماق وتاريخ وشبكات ومصالح وامتدادات في الداخل والخارج في الماضي والحاضر والمستقبل، سيكتشفون أنهم لم يكونوا يحكمون فعلا وأن مفاتيح الخزائن كانت مخبأة في "عتبة قديمة" لن يقدروا على تجاوزها ولن يمنعوها من فعل الأفاعيل
"خلّ بيننا وبينهم يا شيخ".. "دعنا نموت واقفين"، بمثل هذه الشعارات كان يُواجَه الأستاذ راشد من قِبل بعض الغاضبين من "اللقاء" الذي يعتبرونه تنازلا لـ"الأزلام" وتخليا عن شعارات الثورة وتنكرا للاستحقاق الانتخابي، وهروبا من مواجهة النظام القديم.

الأستاذ راشد كان كمن يقف بين جدارين يتداعى كل منهما على الآخر، فيقاوم حتى لا تنقطع أنفاسه ولا يَخرج من المشهد وحتى لا يصطدم الجداران فيُهلك بعضهم بعضا، سيقبل بالتفاوض على خروج آمن لحركته من السلطة وهو يعرف أن الرباعي الراعي للحوار الوطني إنما هو الراعي المدني لمشروع انقلابي قد تكون تداعياته على المستقبل السياسي والأمني للحركة كارثيا، وسيتحمل بمرارة كبيرة إكراهات الإمضاء على نص خارطة طريق يوم 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2013 ويتحمّل معها عِتابات شديدةً وقاسية من بعض شركائه في قيادة الحركة؛ ممن يرون أن الوفاء للجماهير يقتضي الصمود أمام العواصف ودفع ما يقتضيه النضال والوفاء من ثمن.

يدفع الغنوشي اليوم ثمن سلميّته ومهادنته، ولا أراه إلا سعيدا لكونه لم يمارس السياسة بغدر الانقلابيين ولا بعجرفة المستبدين، التاريخ هو الشاهد الوحيد الذي لا يكذب أبدا سيذكر الرجل بما هو أهل له.

twitter.com/bahriarfaoui1
التعليقات (1)
متابع
الجمعة، 12-05-2023 10:22 ص
للتاريخ: الغنوشي يظل مفكرا كبيرا ورجل دولة باقتدار يسير العنوان في دلالاته أن هناك أخطاء لدى الغنوشي، لكنه يظل مفكرا .... كان يمكن أن يكون العنوان: للتاريخ: الغنوشي مفكر كبير ورجل دولة قدير، بدون يظل التي توحي بأنه ارتكب أخطاء.