قضايا وآراء

التضامن مع فلسطين: ثوابت مركزية لا موسمية

نزار السهلي
علم فلسطين في مونديال قطر- موروكو وورلد نيوز
علم فلسطين في مونديال قطر- موروكو وورلد نيوز
الالتصاق بقضية فلسطين، في فترة هي من أخطر فترات النضال الفلسطيني ضد المشروع الاستعماري الصهيوني على الشعب الفلسطيني، هو تأكيد مُلزم بقضية أخلاقية وقيمية على الصعيد الوطني والإنساني، خصوصاً مع تجديد هذا المشروع لمنهجيته القائمة على السيطرة والإذابة والتهميش لقضية تحرر الفلسطينيين من الاستعمار، ووصول حكومة صهيونية ببرامج واضحة الأهداف والتحالفات بين بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وسموتريتش، تحالف فرضته تطورات توجه المجتمع الصهيوني نحو ينابيع صهيونية متفجرة بالقتل والاستيطان والضم والتهويد والأسرلة والسيطرة الشاملة بالتزوير.

وحقيقةً، يأتي يوم التضامن الدولي مع فلسطين كل تشرين الثاني/ نوفمبر، بظروفٍ قاسية محلية وإقليمية ودولية، تعصف بكل مظاهر التماسك العربي الرسمي باتجاه قضيته التي يقول عنها مركزية في كل خطبه وفي مقرراته الرسمية وفي كل قمة عربية، والتراجع الدولي عن الاهتمام بقضية شعب يقاوم آخر مشروع استعماري على وجه المعمورة.

برغم هذه الحقيقة وبكل تفاصيل الخُذلان العربي والهرولة نحو التطبيع مع المشروع الصهيوني، التي كانت من أبرز ملامح السنوات الماضية والنفاق الدولي المستمر منذ النكبة الفلسطينية عام 48 مع جرائم التطهير العرقي وجرائم الحرب والإبادة ضد الشعب الفلسطيني، ما تزال قضية فلسطين زاخرة بوجدان الشعوب وبتفاصيل مُرعبة لمن يظن ويتوهم أن إزالة "عقبة" الشعب الفلسطيني وقضيته ومقاومته، يمكن أن تفتح له أبواب العواصم العربية تحت راية "السلام الموعود" بإخفاء الجرائم.

وكمثال بسيط وجدت المؤسسة الإعلامية للاحتلال نفسها في مونديال كأس العالم في قطر، معزولة ومنبوذة من ضمائر عربية تشكل عقبة أبدية، لا يمكن تذليلها في وجه التزييف الصهيوني. وشوارع قطر صورة مصغرة عن شوارع عربية هادرة بضمير فلسطين من المحيط إلى الخليج كقضية وطنية وأخلاقية ونضالية تعبر عنها، رغم ظروف القهر والقمع التي ينوء تحتها المتضامن العربي مع فلسطين.

الثوابت المرفوعة بالتضامن مع فلسطين في المجتمعات العربية، راسخة وأصيلة وواضحة، لا تحتاج لجهد كبير للتدليل عليها أو التعريف بها، لكنها ثوابت تعوزها أجواء وبيئة أكثر عدالة وحرية وإنسانية وديمقراطية، لتكون فاعلة خارج الشريط الإخباري لإعلام رسمي ظل يستخدم ذات الشعارات المنهارة على عسف وقهر داخلي أصاب العمق الأصيل للقضية المركزية. فدعم وتقوية القضية الفلسطينية خارج شعارات رسمية، هو القادر على مواجهة الأخطار والتطورات المحتملة في الوضع الفلسطيني المقبل على تكثيف العدوان على الأرض والمقدسات؛ الذي ترفعه حكومة نتنياهو وتحالفه..

لقد جرى التعبير عن هذه الثوابت، بوسائل وأساليب مختلفة طيلة عقود النضال والاشتباك الفلسطيني مع المؤسسة الصهيونية ومشروعها الاستعماري، اتسم معظمها برفض قبول الإنسان العربي لإسرائيل كأمر واقع قائم على جريمة نكبة شعب فلسطين والانخراط المباشر في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، في حين اتسمت مواقف التضامن مع الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة بغضبٍ من أنظمة الاستبداد العربي، خصوصاً في عقد الثورات العربية، حيث يحاول الاستبداد العربي امتصاص نتائج التضامن الشعبي مع فلسطين بإعادتها لإطارها الرسمي المعتاد في وزارتي الداخلية والأمن، والذي يُعبر بشكل فعلي عن "روح التضامن" بممارسة القهر المتبع مع الضحايا أو إزهاق أرواحهم تحت التعذيب أو مشاركة الصهيوني حصارهم وإذلالهم. يبقى التضامن في بيان وزارة الخارجية للنظام العربي، يحضر بشكل ظاهري باعتباره مبتدع التضامن ومنفذه.

طرأ تعديل على هذا الادعاء، وتحول جذري بمفهوم التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية سبب رُعباً لأنظمة الاستبداد زمن الثورات بربط الحرية والمواطنة والتخلص من القهر والظلم، كطريق مختصر لنصرة قضية فلسطين، وكثابت لا يتزعزع رغم المشاغل الكبيرة التي يحمل همها وقهرها وعسفها العربي نفسه، وتجلى معظم ذلك أثناء الاشتباك مع الاحتلال ومشروعه الاستعماري وأثناء الاشتباك مع الاستبداد ومشروعه القمعي، لتكون راية فلسطين خفاقة ضد الظلم وعناوين للفرح الشخصي والشعبي.

أما في البعد الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني بقيت المعطيات الأساسية له تصطدم بمسألة المواقف الحقيقية من المشروع الاستعماري في فلسطين، شأنها شأن بقية المواقف الرسمية العربية المتحولة من مسألة مواجهة إسرائيل كمشروع استعماري استيطاني إلى التصادم مع ضحاياه وتحميلهم مسؤولية ضياع "الفرص التاريخية".

يفتقد ضحايا المشروع الاستعماري الصهيوني، من الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، لمتضامنين وحلفاء، مثل الذي يحظى بهم عدوهم التاريخي، وحالة التضامن يرتفع منسوبها ورايتها بحالة الاشتباك مع العدو، لا في انتظار مناسبات ضخ شعارات الأنظمة والقوى السياسية في أجندة رسمية ثابتة، وباعتبارها إنجازات "كبيرة" لدبلوماسية عربية وفلسطينية متوقفة عند حدود المناشدات.

أخيراً، الضحية لا تنتظر ممن يتضامن معها قراءة بيانات بالمناسبة، بل تنتظر من يضمد جراحها ويوفر لأشقائها في شوارع ومدن عربية كرامة تحفظ فلسطين وعدالة قضيتها للأبد، كأسس الكرامة الإنسانية والحرية والمواطنة، وذلك باب أول وأخير لكيفية التضامن الحقيقي الفاعل مع قضية التحرر العادلة، وشرط من شروط امتلاك الضحايا لسلاح العدالة ورفض الظلم والقهر الذي يمثله مشروع الاستعمار الصهيوني وأدواته المُستبدة في إسقاط شروط وثوابت مركزية؛ في أن تبقى فلسطين قضية عربية ومُلزمة لعدالة إنسانية ودولية.

twitter.com/nizar_sahli
النقاش (0)